فيروز والرحابنة… قران فنّي

, بقلم محمد بكري


قران فنّي


جريدة القدس العربي


جريدة القدس العربي
السنة السابعة والعشرون - العدد 8243 الجمعة 2 تشرين الأول (أكتوبر) 2015 - 18 ذو الحجة 1436هـ
نصير شمه - كاتب وموسيقي عراقي


أسس الأخوان عاصي ومنصور الرحباني عبر مشوارهما الفني الغني والعميق أسلوبية موسيقية غنائية أسهمت في تشكيل انعطافة مهمة في الأغنية العربية عموما.

فبينما كان الغناء يتجه نحو الترديد في العبارة والتطريب والتطويل، سواء في المقدمة الموسيقية أو الأغنية وباستعراض الصوت والطبقة، جاءا بفكر موسيقي جديد بسيط وسلس، اعتمد على بساطة تامة مع عمق كبير في الكلمات واللحن، وقدما أسلوبهما المغاير عبر صوت فيروز أولا، ثم توزع على كل من عمل معهما في أغان منفردة أو مسرحيات متعددة.

كانت الذائقة العربية تتجه نحو الأغنية الواحدة، التي تؤدى في حفل كامل كما عودتنا حفلات أم كلثوم، وكان على الفنان أن يستعد في الدخول إلى حالة التطريب منتشيا بمقدمة موسيقية طويلة أو متوسطة الطول، كما كان الجمهور نفسه ينتظر أن يستمع إلى مدخل الفنان ويعيش حالته مع المقدمة، ينتشي ويعايش اللحن مرددا الآه بين الفينة والأخرى، ليأتي الرحابنة بفكر معاكس تماما، مع مقدمة موسيقية مقتضبة، يطل صوت فيروز الآسر برقة متناهية، أو صوت مغن أخر وتنتهي الأغنية لتبدأ أغنية جديدة بكلمات بسيطة.

اعتمد الرحابنة بشكل كبير على ثقافتهما في الموسيقى الغربية عموما والروسية على وجه خاص، مع إلمام واسع بالموسيقى العربية، فقاما أحيانا بإعداد بعض الألحان العالمية ووضع كلمات باللغة العربية، وأحيانا اخرى كان التأثر يبدو واضحا من غير اقتباس من اللحن الأساسي، وفي هذا كان الجمهور يتعرف مع الثلاثي الجديد المؤلف من عاصي ومنصور الرحباني وفيروز على أسلوبية غنائية تستقي كل مادتها وأدواتها من واقع مفرط في البساطة.

وقد شكل الرحابنة وفيروز حالة فريدة لم تكتف بالأغنية ولا بالحفلات الموسيقية، بل اتجهوا نحو المسرح الغنائي ليقلبوه رأسا على عقب، من خلال نصوص مسرحية تعتمد على اللهجة المحكية اللبنانية وتنتقد الحالة الاجتماعية أو السياسية، من خلال الأغنية والموقف، وأحيانا اعتمدوا على الاسكتشات المسرحية السريعة التي يبدو كأنما جاءت لتغطي على ما يحدث على المسرح في الخلفية، كتغيير الديكور أو الدخول في فصل جديد من الحدث المسرحي.

الإضافات التي قدمها الرحابنة للموسيقى والأغنية العربية لم تقف عند حد معين، فقد كانا كلما وصلا لنقطة فنية معينة لعبا بشكل معاكس لها، كانا يجربان وكانت فيروز بشكل أساسي تشكل لهذا الثنائي النابغ حقل تجارب كبيرا وغنيا، ومع ذلك لم تكن الصوت الوحيد بل الأساسي، وحوله العديد من الأصوات الجميلة، التي تتألق فيروز وسطها، خصوصاً كانت الأصوات تلعب في مناطق صوتية مختلفة مثل الباص والتنور والألتو ثم يطل صوت سوبرانو كما تعودت عليه الأذن وعشقته.

لم يلتصق اسم مطرب عربي واحد مع ملحن واحد في تاريخ الموسيقى العربية كما حدث مع فيروز والرحابنة، وعلى الرغم من أن مطربات ومطربين كثيرين، والغالبية منهم مطربات ارتبطن غالبا بالزواج من ملحن، كما وردة وبليغ ومحمد سلطان وفايزة أحمد وغيرهم ممن شكلوا حالة ثنائية خاصة، إلا أنها لم تستمر لأسباب كثيرة قد يكون أحيانا من بينها وقوع الطلاق بين المطربة والملحن، أو لأسباب أخرى.

في حالة فيروز لم يكن الأمر مجرد زواج اجتماعي، بل تعداه إلى قران فني عميق لم يجمع فقط بين اثنين هما عاصي وفيروز، بسبب الزواج الاجتماعي، بل تعداه ليصبح زواجا بين ثلاثة هم فيروز وعاصي ومنصور.

ومع وجود شركاء كثر في هذا القران كهدى حداد شقيقة فيروز أو فيلمون وهبي العبقري، أو الكبير وديع الصافي أو سعيد عقل على الصعيد الشعري، وغيرهم الكثير. ظل هذا الثلاثي وحده في الصورة وكأنما كل ما حوله يشكل حالة لتقوية مناعة هذا الزواج الفني ضد أي أعاصير، حتى أن فيروز نفسها، وعلى الرغم من محاولاتها الفنية في بناء طريقة موسيقية مستمرة لها خصوصا بعد رحيل عاصي، إلا أنها ظلت تحمل اسم «فيروز والرحابنة» حتى عندما قامت بتجربتها المغايرة مع زياد رحباني ابنها من عاصي، ظلت تحمل في صورتها اسم عاصي ومنصور، على الرغم من أن إطلالتها الأولى مع زياد جاءت إلى حد ما كأنما لتسخر من الأسلوبية التي نهجت عليها فيروز ما قبل زياد، ومع احتفاء الجمهور والوسط الفني، على حد سواء، بتجربة فيروز مع الرحباني الابن، إلا أن هذه التجربة على غناها لم تستطع أن تُخرج فيروز من الصورة التي اجتمعت بالقران الطويل الذي سيظل يشكل حالة خاصة في الموسيقى اللبنانية والعربية بشكل عام، مع أنها غنية أيضاً بتحديث المشروع وتملك مقومات جمالها وديمومتها.

أما المادة التي عززت وضوح الأسلوبية في مشروع رحباني كانت متوزعة بين جملة لحنية قصيرة، تكرار أستخدام آلات موسيقية معينة تؤدي صولوهات مع مرافقة هارمونية للأوركسترا مكتوبة بدقة وصرامة لا تسمح للعازفين التلاعب خارج النص، بل أنه أداء جماعي حرفي يستفيد من وجود مجموعة آلات كل آلة لها دورها، وسرعان ما تمت دوزنة الأذن العربية على ذلك الشكل، بينما كان السائد في عموم الأغنية العربية العكس تماماً، ثم أسلوب التلحين ذاته مع صوت واحد لمدة طويلة نسبياً ورؤية في التعامل مع شعر مغاير لما جاءت به الأغاني التي سادت، جعل ملامح الأسلوبية في عملهم تتحول لمنجز حداثي متفرد.

عن موقع جريدة القدس العربي الجديد

عن موقع جريدة القدس العربي

المقال في جريدة القدس العربي بالـ pdf



الصوت والصورة


جريدة القدس العربي


جريدة القدس العربي
السنة السابعة والعشرون - العدد 8250 الجمعة 9 تشرين الأول (أكتوبر) 2015 - 25 ذو الحجة 1436هـ
نصير شمه - كاتب وموسيقي عراقي


تحدثت في الأسبوع الماضي عن أثر الرحابنة وفيروز في الأغنية العربية، ولأن هذا الدور لم يقتصر على الأغنية المغناة بشكل مستقل فقط، بل تعداه الى كل ما يمتّ الى الأغنية بصلة مثل المسرح الغنائي والأفلام السينمائية والعروض المسرحية المتكاملة المدروسة من كل النواحي، حتى من ناحية تناسب الأصوات التي تقف على المسرح الواحد، فإنني سأستكمل اليوم هذه المدرسة التي تأسست وأسست معها ذائقة تعدت المحلية الى العربية ومن ثم العالمية لعمقها، كما أنها استطاعت لسلاستها أن تجعل اللهجة اللبنانية لهجة محببة وقريبة من الأذن العربية.

إسهام هذه المدرسة جاء واسعا وتدريجيا، ولكنها حتى بتدرجها كانت سريعة في «لم الشمل» لجمهور عربي كان قد اعتاد ذائقة مختلفة تماما.

لم تعتمد مدرسة الرحابنة على التطريب، بل بنت نفسها أولا على المشاعر الدافئة والرقيقة، إن كان من ناحية الصوت أو الموسيقى أو الكلمات، ولا أعرف تماما إن كان المقصود أن يصبح غناء فيروز للصباح وأن يترك الليل ليتقاسمه التطريب، الذي كانت فيروز أيضا تشغل حيزا مهما منه. فجأة أطلت فيروز بصوتها الصباحي لتفتتح الصباحات، وفجأة تقاسمتها البيوت عند استيقاظ أهلها وأصبحت رفيقة سائقي السيارات، ورفيقة ربات البيوت وهن ينهضن إلى أعمال بيوتهن، أو وهن يجهزن أطفالهن للمدارس.

كانوا وما زالوا مدرسة يستيقظ عليها طلاب المدارس لتفتح لهم صباحا «ناعما» ورقيقا.

عمل الرحابنة على ما يمكن أن يسمى بأصوات «الطبيعة»، وجاءت الأصوات التي لحنوا لها أصواتا تحمل أوصاف او أماكن الطبيعة، فهذا صوته «جبلي» وتلك صوتها نهاري، حتى أن فيروز نفسها حملت لقب «سفيرتنا إلى النجوم» كأنما تستكمل حلقة الطبيعة وتقف في أعلاها ملوحة لا بأصابعها فقط بل بكلها لحلقة أسس لها الرحابنة ومنحوها في هذه الحلقة الإطلالة الأولى.عاشت فيروز وسط هذه الحلقة كأنما في برج مشيد وعال، هي موجودة دائما، ومع هذا لا تكاد تُلتقط، حاضرة دائما، وصوتها في كل مكان، ومع هذا حضورها في الإعلام كان نادرا.

على المسرح لم تختلف الصورة، ففي حفلاتها الغنائية، كانت ما أن تطل على جمهورها بأغنية سريعة إلا ونراها توارت خلف ستارة المسرح ليطل صوت آخر بانتظار إطلالتها، هكذا وظف الرحابنة كل ما حول فيروز لها وحدها، وتحول حضورها إلى «مسك» أو إلى النتيجة الأخيرة لعطر، حتى لو كانت الأصوات التي تحيط بها أصواتا كبيرة ومهمة ذات خامات خاصة، ظلّت الخاصية لفيروز وحدها، وصارت إطلالتها تُنتظر بواسطة جمهور ظلّ يكبر ويكبر حتى ملأ الصور كلها.

لم تأت مدرسة الرحابنة بمنهاج مكرّس وثابت، بل عزفت على وتر التغيير أولا، ومن هنا يُحسب لها انها أسست لأسلوبية خاصة جدا ستتناقلها في ما بعد أجيال وأجيال، منها من يحاول أن يبني أسلوبه الخاص وسط هذه المدرسة ليجد نفسه بين فكي الكماشة، فمدرسة الرحابنة ليست مدرسة يسهل الخلاص من آثارها، فقد بُنيت كجبل شاهق، يصعب البناء فوقه، وما يُبنى تحته سيظلّ تحته.

«البساطة» و»السلاسة» وصفان طبعا مسيرة الرحابنة، ليس على صعيد مفردات الأغنية فقط بل حتى على صعيد السيناريو في الفيلم والحوار في المسرح، سهولة وبساطة تجعل الغناء نفسه يبدو الصورة التامة للفيلم أو للمسرحية، ومع هذا لا يشعر المتلقي أبدا بأنه أمام أغنية مقحمة أو موسيقى طارئة.
يأتي المشاهد إلى حضور فيروز وهو يعلم تماما أنه أمام صوتها وهي تغني، وربما حين يغادر الفيلم أو المسرحية لا يتبقى في رأسه سوى الغناء، ومع هذا كان الرحابنة على عناية خاصة ببناء المشهد والحدث. لم يتحدث الرحابنة كثيرا عن تجربتهما، بل تركا للجميع أن يستنبطوا ما عليها ومنها، تركا الصورة أيضا غارقة في عتمة التساؤلات، وكانا يتركان الإجابات لعروضهما التي غالبا ما كانت تفتح المزيد من الأسئلة، وعلى عكس السائد في الحضور الإعلامي للفنانين والفنانات غاب الرحابنة وغيبوا كل من كان في حلقتهم عن الحضور الإعلامي، ومع هذا كان حضور هذه المدرسة بكل مفرداتها طاغيا وخاصا.

لم تأت تجربة الرحابنة من فراغ، فقد تأسست على ثقافة واسعة، ليست ثقافة موسيقية وحسب، إنما ثقافة شاملة استطاعت ان تؤسس لفكر مستقل بنى كل هذه التجربة التي ستظل تجربة وانعطافة مهمة في تاريخ الموسيقى والأغنية العربية مهما تقادم عليها الزمان.

اليوم نشاهد الكثير من التجارب التي تدور في حلقة الرحابنة المفتوحة والمغلقة في الوقت نفسه، مفتوحة لأنها أرادت أن تستقبل ما حولها، ومغلقة لأنها امتنعت عن أن تكون إسفنجة تمتص ما حولها، هكذا ظلّت هذه التجارب على سطح الدائرة، وظلّت أيضا تنتمي إلى المدرسة الأسلوبية الرحبانية، ومع ظهور أصوات عديدة تتشبه بصوت «النجمة» فيروز إلا أن هذه الأصوات ظلّت أيضا تحمل لقب فيروز ولم تستطع أن تبني لها مكانا إلا في منطقة ظلّ فيروز الوارف والشاهق.

المدرسة الرحبانية مدرسة خاصة جدا، عالم متكامل، وقف وحده بهندسة فريدة اعتمدت على الفكر والثقافة واتخذت من الموسيقى سلَّما خاصا لتغيير لم يقتصر على حقل الموسيقى وحده، هو سلّم موسيقي بسبعة مفاتيح، ومفاتيحها بين أصابع اخوين أضاعا الفواصل بينهما وتركا أسئلة كثيرة عمن منهما الذي لحن ومن الذي كتب، ومع ثالثهما فيروز كانا يرسمان صورة يدركان جيدا أنها ستبقى صورة راسخة في ألبوم الزمن الذي تتساقط فيه ومنه الكثير من الصور.

عن موقع جريدة القدس العربي الجديد

عن موقع جريدة القدس العربي

المقال في جريدة القدس العربي بالـ pdf


صحيفة القدس العربي هي صحيفة لندنية تأسست عام 1989.


عرّف بهذه الصفحة

Imprimer cette page (impression du contenu de la page)