مسيرة الفنان المصري الراحل عماد حمدي عماد حمدي (25 نوفمبر 1909 - 28 يناير 1984)

, بقلم محمد بكري


الحلقة الأولى


إيلاف


الثلاثاء 24 يناير 2017
إيلاف - أول يومية إليكترونية صدرت من لندن عام 2001
أحمد طه من القاهرة


"فتى الشاشة" يروي سيرة حياته (1\11)

عماد حمدي شابٌ مطيع خسر حلم الطبابة


JPEG - 20.7 كيلوبايت
الفنان القدير الراحل عماد حمدي


"إيلاف" من القاهرة : تعرض “إيلاف” سيرة حياة الفنان الراحل عماد حمدي الذي لُقب بفتى الشاشة من خلال مذكراته التي كتبها بنفسه في آخر أيام حياته.
بمناسبة ذكرى وفاته، تستعرض “إيلاف” مسيرة الفنان الراحل عماد حمدي الذي لُقب بفتى الشاشة الأول لأكثر من 20 سنة، من خلال عرض مذكراته التي صدرت بتوقيع الناقدة إيريس نظمي قبل أكثر من 3 عقود علماً أن الفنان الراحل قد سجلها قبل وفاته.
وفي الجزء الأول نرصد طفولة الفنان المصري وعلاقته بوالده، وسبب منعه من الإلتحاق بكلية الطب، وأيضاً سر اتقانه اللغات الأجنبية مبكراً.

الولادة

ويسرد الراحل محطات حياته قائلاً: “البداية كانت في الجنوب في سوهاج تلك المدينة التي استقر بها أبي عبد الحميد حمدي بحكم عمله كمهندس في سكة حديد الوجة القبلي. فحين حدثت حركة غير عادية داخل بيتنا، كانت أمي قد دخلت في المخاض، وتوشك أن تضع مولودها الاول. ولقد كان أبي سعيداً في انتظار استقبال المولود الاول. لكن فرحته تخطت كل الحدود بالمفاجاة المدهشة. حيث أنني ولدت مع أخٍ توأم شاءت الأقدار أن أخرج معه إلى هذه الحياة في نفس الساعة. وبعد أن هدأت الزغاريد، استعادت أمي وعيها. فتقدم أبي نحوها وفي عينيه بريق الفرح وسألها: ماذا نسميهما؟ أجابته نسمي الاول عبدالرحمن. فعاد وسألها ماذا عن الثاني؟ فصمتت قليلاً بحثاً عن اسمٍ مناسب، لكن أبي قال بحسم: سنسميه محمد عماد الدين. فلم تعترض بل غطت وجهها الطيب ابتسامة راضية عريضة. وذلك لأنها أدركت على الفور أن أبي قد اختار لي اسم زوج اختها محمد عماد الدين اسكندر سلطان جزر المالديف الذي عزله الإنجليز وأبعدوه عن الجزر كلها ونفوه عن العالم الذي أحبه. فجاء ليستقر في مصر. ولقد عُرِفَ أنه كان شخصاُ نادراً بأخلاقه وأدبه وتواضعه الأمر الذي كان دافعاً لأبي أن يسميني باسمه أملاً منه بأني سآخذ عنه قدرا من أخلاقة الحميدة وأدبه وتواضعه. هذا على الأقل ما كان يتمناه أبي في تلك اللحظات. وهكذا أصبحت أحمل اسم السلطان الهندي زوج خالتي الذي أرغمه الإنجليز على ترك الجزر”.

ويتابع: “بعد أيامٍ قليلة من مولدنا صدر قرار بنقل أبي من سوهاج إلى القاهرة. فانتقلت إقامتنا إلى شارع علي بك النجار في حي شبرا. حيث سكنا داخل فيللا تحيطها حديقة كبيرة كانوا يسمونها قصور الشوام. ثم ألحقنا أبي بمدرسة حضانة اسمها”مدرسة مدام شكور". وكعادة معظم الآباء والأمهات الذين يخشون علي أولادهم من الحسد، ألبسونا ملابس البنات وأطالوا شعرنا خوفا من العين الحاسدة. حيث حاولت أمي إخفاء حقيقتنا داخل ملابس البنات لدرجة أن معظم الجيران اقتنعوا فعلا بأننا بنتين ولسنا صبيين. فمعظم الآباء في تلك الفترة كانوا يتمنون أن تُنجب لهم زوجاتهم ولداً واحداً، إلا أن أمي أنجبت ولدين في ليلةٍ واحدة. علماً أن التمييز بيني وبين أخي عبد الرحمن كان مسألةً صعبة شاقة للغاية، فملامحنا واحدة ومتشابهة للغاية. لقد كنا حقاً نسختين من صورةٍ واحدة. فالفرق الوحيد بيني وبينه أنه كان أسمن مني قليلاً.

رحلة الشباب

واهتم أبي وأمي بضرورة تعليمنا اللغات الأجنبية. فأرادت أمي أن تُعلمنا الفرنسية التي تجيدها تماماً بحكم أن أمها كانت فرنسية أصلاً، ولأنها أيضا كانت خريجة مدارس “الميردي ديه”. أما أبي فكان يرغب بتعليمنا اللغة الانجليزية التي يجيدها بحكم دراسته. وهكذا بدأنا نتعلم الانجليزية التي أخذناها عن أبي. أما اللغة الفرنسية فقد ورثناها عن أمي.

إلتحقتُ مع أخي بمدرسة عباس الإبتدائية وكلما تقدمنا في دراستنا كان اصرار أبي يزداد مؤكداً ضرورة اتقاننا للغة الإنجليزية إتقانا كاملاً وقرر أن يعهد بهذه المهمة إلى مدرس متخصص في تدريس هذه اللغة. وكان هذا المدرس هو الإستاذ بديع خيري وكان وقتها مدرساً شاباً تُعجَب به الفتيات والسيدات، حتى أن ناظرة المدرسة السلطان حسين كانت من أشد المعجبات به. ولقد كان هو أول مدرس خصوصي يدخل بيتنا وبدأنا بتلقي الدورس على يده وتعلمنا القراءة والكتابة باللغة الانجليزية. وبعد أن حصلنا على الشهادة الابتدائية انتقلنا إلى شارعٍ آخر اسمه “قطه”، وإلى بيتٍ آخر كانوا يسمونه “بيت الكونت شديد” وكان أهم مزاياه غرفه الواسعة الكبيرة وموقعه الفريد الذي يجعله يطل على أكثر من شارع. وفي هذا البيت وفي شارع “قطه” بالذات عشت مرحلة الشباب بكل ذكرياتها وأيامها الحلوة الرائعة.

ويقول حمدي عن هذه المرحلة: “إنها أجمل سنوات عمري. فهي سنوات البراءة والنقاء والأحلام والإنطلاق والإستمتاع بمباهج الحياة. وأسعد أوقاتي هي تلك التي كنت أقضيها متعلقا بباب”الترام" الذي لم يكن “تراماً” بالمعنى المفهوم اليوم. بل كان عبارة عن أتوبيس أخضر اللون يسمونه “السانت كروفت”. كنت أركبه بسته مليمات فقط، وأستمتع بجولة طويلة حتي نهاية الخط أشاهد خلالها المناظر الجذابة المفرحة بعد مدرسة شبرا. حيث كانت تنتشرالحدائق وتمتد الحقول الخضراء بلا نهاية. وكان يوجد أيضاً المنطقة المخصصة لصيد الحمام وسط المزارع التي كان يملكها الأرمني الجنسية من آل “جارابديان”.
ورغم أننا لم نكن أثرياء مثل “الباشوات والبهوات” إلا انني كنت أشعر بفخرٍ عندما أقول أمام الأطفال الآخرين أنني إبن عبد الحميد بك حمدي. ولم اكن أكذب عليهم. فقد كان أبي قد حصل بالفعل على لقب بك. ليس عن طريق الرُشى والعلاقات الخاصة، بل عن أحقية وجدارة واستحقاق. حيث كان من حق من يصل إلى الدرجة الثانية في التسلسل الإداري للوظيفة أن يحصل على هذ اللقب. وعندما أنهينا السنة الدراسية الثانية بمدرسة التوفيقية، صدر قرار بنقل والدي مهندساً بسكة حديد أسيوط وكان لابد أن نذهب معه إلى المكان القريب من القرية التي رأينا فيها نور الحياة لأول مرة في سوهاج، وقضينا في أسيوط عاماً كاملاً ثم عدنا إلى القاهرة وللمدرسة التوفيقية في شبرا مجدداً.

توأم مثير للجدل

وأذكر هنا أن المحيطين بنا كانوا يلاحظون علي أنا وأخي عبد الرحمن ظاهرةً غريبة تستحق الإهتمام أو على الأقل تستحق الفرجة. فنحن لم نكن ننفصل عن بعضنا أبداً. هو دائما معي في نفس العام الدراسي وأنا دائما بجانبه داخل الفصل إذا نجحنا، ننجح معاً واذا رسبنا نرسب معاً وإذا جاء ترتيبه الثاني مثلاً يكون ترتيبي الثاني مكرر أو الثالث على الأكثر، وإذا كان هو السابع في ترتيب الناجحين أكون انا السابع مكرر دائما وهكذا دواليك. فقد كنا دائماً معاً خطوهً بخطوة. توأمان في كل شي حتي في حبنا الشديد للألعاب الرياضية. فعندما أصبحت أنا كابتن المدرسة في نشاط القسم المخصوص الرياضي أصبح هو كابتن فريق كرة القدم.

إلا أن الفرق الوحيد بيني وبينه في تلك الفترة هو حماسي الزائد لفن التمثيل. ففي مدرسة التوفيقية الثانوية بدأت تظهر هواياتي الفنية وسارعت بالإنضمام إلى فريق التمثيل بالمدرسة. وكان الأستاذ عبد الوارث عسر هو الذي يعلمنا الأداء التمثيلي. وبفضله، تعمّق في وجداني حب الفن. وأذكر أننا قدمنا أيامها إحدى مسرحيات شكسبير التي كانت مقررة على طلبة السنة النهائية البكالوريا التي أديت فيها دوراً من أدوارها الهامة، وقدمنا العرض على مسرح الأزبكية. لكن الغريب أنني لم أكن احلم في ذلك الوقت بأن أصبح فناناً.

حلم الطبابة

كانت أمنيتي الكبرى الإلتحاق بكلية الطب بمجرد حصولي على شهادة البكالوريا. وأردت الإلتحاق بـ"مدرسة الطب العليا" حسبما كان ذلك هو اسمها في ذلك الحين. فمهنة الطب برأيي مقدسة كعملٍ إنساني. ومن الجيد أن يشارك الإنسان في تخفيف آلام الآخرين من حوله وأن يجفف دموعهم ويضع حداً لأحزانهم ويعيد الإبتسامة الغائبة إلى وجوههم العابسة.

وكنت في ذلك الوقت أنتظر ذلك اليوم الذي سأرتدي فيه المعطف الأبيض واضعاً فوق أذني السماعة التي سأسمع من خلالها نبضات القلوب التي تتألم في أجساد المرضى المتعبين. كنت أريد فعلاً أن أعيش روعة اللحظة التي أستجيب فيها لنداءٍ ملهوف في منتصف الليل. وأريد ان أجرب شعور الراحة العميق الذي يشعر به الطبيب عندما ينقذ حياة إنسان، ويبعد عنه الخطر القاتل. فأنا أرى في مهنة الطب أنبل عمل إنساني. وأخي عبد الرحمن أيضاً، كان يريد الالتحاق بمدرسة الطب العليا لكن ليس كل ما يتمناه المرء يتحقق بسهولة. فعندما فاتحنا أبي في هذا الأمر وقلنا له أننا نريد الإلتحاق بمدرسة الطب العليا رد صائحاً، ومن أين أحصل على المال الذي يكفي للإنفاق على دراستكما في مدرسة الطب العليا؟ هل نسيتما أن لكما ستة أخوة وإخوات؟ أليس من حقهم أيضاً أن يتعلموا ويكملو دراستهم مثلكما؟ وهل نسيتما أنني اصبحت الآن على المعاش؟ وأن مواردنا المالية أصبحت محدودةً للغاية؟ هل تجهلون أن مصاريف مدرسة الطب العليا بالذات باهظة جداً ون كتبها غالية الثمن؟ لماذا لا تبحثون عن مدرسة عليا أخرى؟

وقلنا في صوت واحد: نريد الإلتحاق بمدرسة الطيران لكن أبي رد قائلاً: “مش عايز تخريف...” ثم أعلن قراره النهائي: سألحقكما بأرخص المدارس العليا في مصر، إن مدرسة التجارة العليا لا تزيد مصاريفها عن 12جنيها في العام، وليس أمامكما الآن غيرها.
لم نعترض، بل إننا لم ننطق بكلمةٍ واحدة. فنحن لم نعتد هذا النوع من المعارضة داخل بيتنا. فكلمات أبي أوامر يجب أن تُطاع في الحال. حتى أننا لم نكن نجروء على الجلوس أمامه، نظل واقفين لفترات طويلة حتى يأذن لنا بالجلوس بل وكنا نجرى كالفئران المذعورة كلما سمعنا صوت مفتاحه وهو يتحرك في الباب معلناً عن وصوله.

أبٌ صلب وأم منقذة

كانت شخصية أبي قوية جداً إلى الحد الذي يجعلنا غير قادرين حتى علي مناقشته. هكذا كان يتصرف جيلنا محتفظاً في أعماقه للأباء والأمهات بكل هذا الإحترام الذي يقترب من درجة التقديس. ولم يكن أمامنا سوى الرضوخ لهذا الأمر الواقع. وبدأنا نستعد للإلتحاق بمدرسة التجارة العليا، وخصص أبي لكل واحد منا مصروفاً شهريا قدره نصف ريال فقد كان من المقتنعين بتلك الفكرة التي تقول ان كثرة المال تفسد العيال، وبالطبع لم يكن هذا المصروف الرمزي يكفينا، وكنت أضطر في غالب الأحيان للذهاب لمدرسة التجارة العليا سيراً على الأقدام.
ولكم أن تتصوروا المسافة التي كان محتماً علينا أن نقطعها كل يوم ذهاباً واياباً من حي شبرا الى شارع الشيخ ريحان الذي توجد به مدرسة التجارة العليا. وكلما تعبت أقدامنا تذكرنا تلك الحكمة التي تقول “اطلبوا العلم ولو في الصين”. وحمدنا الله كثيراً على أن مدرسة التجارة العليا في شارع الشيخ ريحان وليست في الصين، وكان لابد أن نواصل رحلة كل يوم رحلة البحث عن العلم مهما كانت شاقة ومرهقة.

لكن ماذا يفعل النصف ريال؟ اذا كانت حلاقة شعري مرةً واحدة في الشهر تكفي شلنا كاملا؟ نحن لم نكن مسرفين بطبيعتنا، ونطبق تطبيقا دقيقا المثل القائل “على قد لحافك، مد رجليك”. لكن ماذا يفعل النصف ريال طوال شهر كامل؟ وعليه فقد كانت أمي هي الملجا الوحيد. لقد أنقذتنا كثيراً من الإفلاس بحيث خصصت لنا نوعاً من المصاريف السرية دون علم والدي. وكان هدفها إنسانياً رائعاً بدعم موقفنا ومساعدتنا. ولولا هذه المعونات التي ظلت أمي تقدمها من حينٍ لآخر، لحدثت لنا بالتأكيد كارثة. فما أروع حنان الأم في مثل هذه الحالات.
ووضعت مع أخي خطةً مشتركة من أجل دخول نادي التجارة العليا الذي كان أشهر نوادي مصر في ذلك الوقت. ونجحنا في الوصول إليه لكننا كنا نتناول طعام الغذاء أو العشاء، وأصبحت وجبتنا الدائمة المفضلة هي الطاجن المغذي الذي لا يكلفنا سوي شلن واحد فقط، وبعد أن نشبع نذهب إلى شارع فؤاد (26 يوليو الآن) لكي نركب الترام بستة مليمات ثم نعود إلى شارع قطة في شبرا.

ملاحظة : تتابع إيلاف نشر سلسلة المذكرات الشخصية للفنان الراحل “عماد حمدي” تباعاً ويومياً حتى الحلقة الحادية عشر. علماً أنها عملت جاهدة على الإختصار لمدوناته الطويلة.

عن موقع ايلاف على الإنترنت


ايلاف المحدودة للنشر جميع الحقوق محفوظة ايلاف المحدودة للنشر ترخص باستخدام هذه المقالة. لا يمكن إعادة نشر هذه المقالة دون التوافق مع شروط وبنود شركة ايلاف المحدودة للنشر.

تم نقل هذا المقال بناء على ما جاء في الفقرتين 4-2 و4-3 من حقوق الملكية الفكرية المذكورة في شروط الأستخدام على موقع إيلاف :

  • مسموح لك بنسخ أو تنزيل المقالات المنشورة على الموقع من أجل إعادة عرضها على مواقع أخرى بشرط أن تعرض تلك المقالات بنفس تنسيقها وشكلها.
  • يجب وضع رابط للموقع بين عنوان المقالة والفقرة الأولى منها.
  • كما يضاف البيان التالي في نهاية المقالة : ايلاف المحدودة للنشر جميع الحقوق محفوظة ايلاف المحدودة للنشر ترخص باستخدام هذه المقالة. لا يمكن إعادة نشر هذه المقالة دون التوافق مع شروط وبنود شركة ايلاف المحدودة للنشر.


الحلقة الثانية


إيلاف


الأربعاء 25 يناير 2017
إيلاف - أول يومية إليكترونية صدرت من لندن عام 2001
أحمد طه من القاهرة


"فتى الشاشة" يروي سيرة حياته (2\11)

طرائف عماد حمدي مع شقيقه التوأم ومشروعهما الأول


JPEG - 24.8 كيلوبايت
عماد حمدي في شبابه


إيلاف" من القاهرة : تُلقي “إيلاف” الضوء على مسيرة الفنان الراحل عماد حمدي الذي لُقب بفتى الشاشة الأول لأكثر من 20 سنة، من خلال عرض مذكراته التي صدرت بتوقيع الناقدة إيريس نظمي قبل أكثر من 3 عقود، علماً أن الفنان الراحل سجلها قبل وفاته.
وفي الجزء الثاني نرصد رحلته في كلية التجارة وبدايته في التمثيل بالإضافة إلى علاقته بشقيقه التوأم عبد الرحمن، ولقائهما مع طلعت باشا حرب ومشروعهما الأول.

مواقف طريفة

ويتابع “حمدي” سرد قصة حياته قائلاً: “في مدرسة التجارة العليا أيضا ظللت أنا وأخي عبدالرحمن محوراً لحديث الناس ودهشتهم، فنحن مازلنا ملتزمين بالقاعدة القديمة أن ننجح ونرسب معاً، وهذا بالطبع يحدث دون أي اتفاق مسبق لكنها الصدفة العجيبة التي لا تتكرر كثيراً كانت تتكرر معنا!
كانت هناك مجموعتنا الأولى إسمها مجموعة الإقتصادية وتضم ثلاثة علوم، أما المجموعة الآخرى فهي مجموعة المكتبات وتضم ثلاث علوم آخرى، والذي يرسب في هاتين المجموعتين من المستحيل أن يحصل علي مجموع، لكن الذي حدث أننا رسبنا في المجموعتين وأكملنا أيضاً امتحان الملحق ثم نجحنا معاً أيضاً. وكان ذلك شيئاً غريباً ومثيراً للدهشة برأي الذين يعرفوننا، ولقد أوقعنا التشابه الدقيق في ملامحنا بمشاكل لا تعد ولا تحصى، فإذا مثلاً حدث أن اخطأ اخي عبد الرحمن وأراد أبي أن يعاقبه وتصادف ظهوري في تلك اللحظة أمام أبي، فإنه على الفور يضربني بدلاً منه وأنال أنا العقاب الذي كان يجب ًأن يناله أخي. فحتى أبي كان في أحيانٍ كثيرة غير قادر علي التمييز بيننا بسهولة، وما أكثر المفارقات المضحكة التي كانت تحدث نتيجة لذلك التشابه الشديد بيني وبين أخي عبد الرحمن.

مدرس الإنجليزية

وحدث مثلا في إحدى المرات أن تقدمنا لامتحان شفوي في اللغة الإنجليزية، وكان المدرس الذي يشرف على الامتحان شهيراً بقسوته وغلاظته. فذكر اسمه كان يملأ قلوبنا رعباً، ولقد كان سبباً في حرمان الكثير من الطلاب من الحصول على البكالوريس بسبب شدته وقسوته.

المهم في هذه الحادثة أن أخي عبد الرحمن دخل قبلي لكى يؤدي الامتحان وليسبقني في مواجهة هذا الشرس، وبعد أن انتهى من أداء الامتحان خرج ثم دخلت أنا بعده بحوالي ربع ساعة وانزعجت جداً عندما وجدت المدرس الانجليزي القاسي القلب يركز نظراته على وجهي وهو يتفحصني باهتمام، ثم بادرني قائلا: أين رأيتك قبل الآن؟ فقلت بأدب: لأ أظن أني قابلت حضرتك من قبل. فعاد وسأل: ألم أمتحنك سابقاً؟ قلت بإصرار: لا أظن ذلك! ووجدت الشك والحيرة في عينيه الزرقاوين وأعطاني الكتاب بغيظٍ واضح وقال: إقرأ. وبدأت القراءة من الكتاب، لكني اضطررت للتوقف عندما صاح بي فجأة: Stop. فتملكني الخوف، وقلت لنفسي:اللهم أجعل هذا اليوم على خير لقد سمعت الكثير من الحكايات المرعبة عن هذا المدرس بالذات، فهل سأكون أنا أحد ضحاياه؟ وتطلع المدرس صاحب الوجه الأحمر نحوي قائلاً بغضبٍ زائد: لا، لقد امتحنتك من قبل، وعدت الآن لكي تؤدي الإمتحان بدلاً من شخصٍ آخر. وحاولت أن أشرح له الأمر، فعاد يصيح: تريد أن تخدعني، أليس كذلك؟ وقلت لنفسي لقد وقع المحظور ولن أفلت من عقاب هذا المدرس القاسى القلب فأجبته في محاولة للدفاع عن النفس، إن لي أخا شقيقا يشبهني تماماً. لكنه ظنني أسخر منه أو أضحك عليه، فقال ساخرا: توأم؟ فقلت بنفسي ستكون كارثة إن لم أعثر على أخي، وخفت أن يكون قد خرج من لجنة الإمتحان واتجه فوراً إلى البيت. وجريت كالمجنون أبحث عنه، وكدت أقفز فرحاً عندما وجدته واقفاً بالقرب من الغرفة التي كان يجري فيها الإمتحان، وجذبته بسرعة وأدخلته معي وهو لا يفهم ما يحدث، بل وجد نفسه يقف مرةً آخرى أمام مدرس الإنجليزية الذي نظر إلينا مشدوداً، وقلت وأنا ألتقط أنفاسي:هذا هوشقيقي التوأم. فقال وهو يبتلع غيظه: Ok. فحمدت الله أن هذا الموقف مرّ دون أن يصدر قراراً بفصلي أو حرمانى من إكمال الإمتحان.

وحدث مرةً آخرى أن طلبوا مني صورةً لوضعها داخل”الكارنيه" الذي يثبت أني طالب، ولم أجد صورة خاصة بي. فأخذت صورة أخي، لأنها لا تختلف أبداً عن صورتي. فالتشابه بيننا شديد لدرجة أن لا أحد يستطيع التمييز بين صورتي وصورته، وهذا ما حدث فعلاً، ومرّ الموقف بسلام دون أن يعلم أن أحد أن الصورة التي وُضِعت ليست صورتي، بل هي صورة أخي.

عشق المسرح

ويكمل “حمدي” نسيت أن اقول أنني واصلت إشباع هواياتي الفنية في مدرسة التجارة العليا من خلال الفرقة المسرحية التي كانت فى ذلك الوقت من أقوى فرق الهواة، ويبدو أن الكلمات الطيبة المشجعة التي كنت أسمعها دائما من الآخرين الذين شاهدوني أثناء أدائي للأدوار التمثيلية، هي التي جعلتني أفكر جديا في العمل مع أحد الفرق المسرحية الكبيرة، فبدأت البحث عن فرقة أنضم إليها رغم علمي أنني ما زلت هاوياً مغموراً.

لقد كانت أهم الفرق المسرحية في ذلك الوقت “رمسيس، جورج أبيض، علي الكسار، فاطمة رشدي، وفرقة منيرة المهدي”. لكني لم أكن أجرؤ إطلاقا على طلب الإنضمام إلى إحدى هذه الفرق، لأنني كنت أسأل نفسي: من أكون أنا إلى جانب هؤلاء العمالقة؟! فلم أجد أمامي سوى فرقة “أنصار التمثيل والسينما” التي كان يُشرف عليها الفنانان الكبيران سليمان نجيب وعبد الوارث عسر. فوجدت فيها النافذة التي سأتنفس وسأستنشق من خلالها عبير الفن المسرحي، لكونها تفتح قلبها لهواة التمثيل من أمثالي، أما السبب الثاني الذي شجعني فهو وجود الاستاذ عبد الوارث عسر الذي كان اول من علمني الإلقاء المسرحي.

المشروع الأول

لكن أهم حدث في تلك الفترة كان انتهائي أنا واخي عبدالرحمن من دراستنا في مدرسة التجارة العليا، وحصولنا علي شهادة البكالوريس، لقد انتهت مرحلة الدراسة بكل أحلامها وذكرياتها السعيدة والمريرة، وأصبحنا نقف على أبواب مرحلة جديدة مختلفة تماماً. وكان لا بد أن نبحث عن إجابة لذلك السؤال الذي يواجه كل الذين ينتهون من دراستهم: ماذا سنفعل الآن؟ فقال أخي عبد الرحمن: لا أحب العمل الوظيفي. فقلت: وأنا أيضاً.

وبعد تفكيرٍ طويل، قلنا أن المشروع التجاري أفضل من الوظيفة التقليدية. لكن، من أين سنأتي برأس المال؟ لقد استنفذ أبي كل جهده وطاقته في تعليمنا ومساعدتنا على إكمال دراستنا العليا، لقد أدى دوره الأبوى العظيم نحونا على خير وأكمل وجه، وليس معقولاً أن نطالبه الآن وبعد التخرج بمثل هذه المساعدات المادية التي تفوق إمكانياتنا الأسرية.

كنا قد قررنا أن نفتح مكتب يتولى نشر الإعلانات في الصحف، فمثل هذه المكاتب الإعلانية كانت محدودة جداً، ويشرف عليها أساسا بعض اليهود. واعتبرنا أنه مجال جديد أمامنا، ولكننا واجهنا مشكلة بالتمويل. وبعد البحث عن سبل المساعدة، خطر على بالنا أخيراً طلعت باشا حرب. فقد كان “بنك مصر” قد أُنشئ فى ذلك الوقت بشركاته المتعددة برعاية وتشجيع طلعت باشا حرب، وكان اتجاه قوي لتشجيع الشبان الذين أنهوا دراستهم العليا علي العمل في المشاريع الجديدة المفيدة، ومساعدتهم على شق طريقهم في الحياة. ونحن أنهينا دراستنا، ونريد أن نشق طريقنا، يدفعنا الأمل ويحركنا الطموح والرغبة القوية في اقتحام المجهول والإنطلاق نحو المستقبل المشرق. فنظرت بعيني أخي، وقلت بتصميم: غدا، سأذهب لمقابلة طلعت باشا حرب.

اللقاء الموعود

لم أكن أتصور أن لقائي مع طلعت حرب باشا سيتم بهذه السرعة وبكل هذه السهولة ووجدتني جالساً أمامه، بينما هو يرمقني باهتمام عطوف، وقلت له: يا باشا نحن من خريجي مدرسة التجارة العليا ونريد أن نفتح مكتباً للاعلان الصحفي، لكن المشكلة أن امكانياتنا المالية محدودة، ولهذا جئت أطلب المساعدة من سعادتك.

ولم أكد أنتهي من كلامي حتى كان طلعت حرب باشا قد أمر بمنحنا كل الإعلانات الخاصة بشركات بنك مصر، بضعة ألوف من الجنيهات، كانت رأس المال الذي قررنا أن نبدأ به لمشروعنا الجديد، فالحقيقة أننا لم نكن نمتلك مليما واحداً عندما قررنا البدء في تنفيذ هذا المشروع. فالحصول على أدوات الرسم وبقية تجهيزات المكتب كانت مشكلة كبيرة تواجهنا، لأننا لم نكن قادرين أبدا على شراء هذه الأدوات والتجيهزات، لدرجة أنني فكرت في الإستعانة بأدوات الرسم الموجودة في غرفة أبي المغلقة منذ فترة طويلة. فقد كان مهندساً في السكة الحديد، ولم يعد يستعمل هذه الأدوات بعد أن بلغ سن المعاش. فسألت نفسي لماذا لا أستعين بهذه الأدوات التي تزدحم بها غرفته المغلقة؟ ولكنى لم أجرؤ على طلب ذلك مباشرةً منه. خجلت أن أعلن له عن رغبتي في استخدام نفس الأدوات التي كان يستعملها. وذهبت إلى عمي طالبا مساعدته، قلت له: أنت تعرف يا عمي أن أبي لم يعد يستعمل هذه الأدوات التي نحن في أشد الحاجة إليها في مشروعنا الجديد لكن أخجل أن أطلبها منه. وساعدني عمي في الحصول على أدوات الرسم- ليس عن طريق إقناع أبي، بل عن طريق كسر باب الغرفة المغلقة، دون أن يعلم أبي طبعا بما حدث.

وحملت أدوات الرسم التي كان يستعملها وأخذتها إلى المكتب الذي افتتحناه لشركتنا الوليدة في شارع شريف بالتعاون مع زميلين لنا. وكانت منحة إعلانات شركات “بنك مصر” التي أمر طلعت حرب باشا بتقديمها لنا الدافع القوي الذي جعلنا نخطو الخطوة الأولى الواسعة في مجال الحياة العلمية. واستطاع مكتب الإعلان الصحفي الجديد في شارع “شريف” أن يفرض وجوده بسرعة. ولكن كان لا بد لنا أن نخطو خطوات أخرى أوسع على طريق النجاج، ولذلك قررنا أن نطور نشاطنا بدخول مرحلة تنفيذ إعلانات ولافتات الشوارع بعد نجاحنا في تنفيذ إعلانات الصحف. لكننا فوجئنا باستدعاء عاجل من طلعت حرب باشا. فذهبت للقائه وأنا أحاول أن أسبق الأحداث واضعاً في ذهني كل الإحتمالات. فلم أتوقع أن أسمع نبأ سيئاً. لأن هذا الرجل ساعدنا، ولولاه ما كنا حققنا هذا النجاح. بل هو أيضاً الذي ساعد عشرات الشبان الآخرين الذين أنهوا دراساتهم العليا. وأرادوا أن يشقوا طريقهم في الحياة. هو الذي فتح أمامنا أبواب الأمل ويسر لنا إمكانيات العمل.

ووجدت نفسي جالساً أمامه. لكنني فوجئِت به يسألني: ما رأيك لو نضم هذه “شركة الاعلان” إلى شركات “بنك مصر”؟ وقبل أن استوعب كلماته، أكمل: سأعينك مديراً لهذه الشركة. لكني اعتذرت بصورة مهذبة، وانصرفت ولم أدرك وقتها أن قراري هذا كان متسرعاً وصدر بغير تفكيرٍ عميق. فقد استطاع “حرب” أن يقنع زميلينا وشريكينا الآخرين اللذين عملا بالفعل في شركات بنك مصر، وأصبحت أنا وأخي عبد الرحمن داخل مكتب شارع شريف. وكان من الصعب علينا أن نستمر وحدنا. وكان لابد أيضا أن نعلن إفلاسنا وإغلاق مكتبنا بمنتهى الروح الرياضية. وعدنا لنفس السؤال القديم: ما الذي سنفعله الآن؟ ولم يكن أمامنا سوى البحث عن وظيفتين جديدتين. فعمل أخي في الجمعية الزراعية الملكية، أما أنا فقد عملت في مستشفى أبو الريش.

عن موقع ايلاف على الإنترنت


ايلاف المحدودة للنشر جميع الحقوق محفوظة ايلاف المحدودة للنشر ترخص باستخدام هذه المقالة. لا يمكن إعادة نشر هذه المقالة دون التوافق مع شروط وبنود شركة ايلاف المحدودة للنشر.

تم نقل هذا المقال بناء على ما جاء في الفقرتين 4-2 و4-3 من حقوق الملكية الفكرية المذكورة في شروط الأستخدام على موقع إيلاف :

  • مسموح لك بنسخ أو تنزيل المقالات المنشورة على الموقع من أجل إعادة عرضها على مواقع أخرى بشرط أن تعرض تلك المقالات بنفس تنسيقها وشكلها.
  • يجب وضع رابط للموقع بين عنوان المقالة والفقرة الأولى منها.
  • كما يضاف البيان التالي في نهاية المقالة : ايلاف المحدودة للنشر جميع الحقوق محفوظة ايلاف المحدودة للنشر ترخص باستخدام هذه المقالة. لا يمكن إعادة نشر هذه المقالة دون التوافق مع شروط وبنود شركة ايلاف المحدودة للنشر.


الحلقة الثالثة


إيلاف


الخميس 26 يناير 2017
إيلاف - أول يومية إليكترونية صدرت من لندن عام 2001
أحمد طه من القاهرة


"فتى الشاشة" يروي سيرة حياته (3\11)

عماد حمدي : البطولة الأولى في “السوق السوداء”


JPEG - 23.1 كيلوبايت
الفنان الراحل عماد حمدي


إيلاف” من القاهرة : لمناسبة ذكرى وفاته، تلقي “إيلاف” الضوء على مسيرة الفنان الراحل عماد حمدي الذي لُقب بـ"فتى الشاشة الأول" لأكثر من 20 سنة، زذلك من خلال عرض مذكراته التي صدرت بتوقيع الناقدة إيريس نظمي قبل أكثر من 3 عقود، علماً أن الراحل سجلها قبل وفاته.
وفي الجزء الثالث من سيرته يتحدث “حمدي” عن فترة عمله “باش كاتب” في مستشفى “أبو الريش” وبداية علاقته واهتمامه بالسينما.

الباش كاتب

ويقول “حمدي”: في اللحظة التي دخلت فيها مستشفى أبو الريش للمرةِ الأولى تدافعت الأحلام القديمة داخل عقلي. تذكرت حلمي القديم الكبير الذي لم أنجح بتحقيقه. وعاد إلى ذهني اليوم الذي أفصحت فيه عن رغبتي القوية للإلتحاق بمدرسة الطب العليا. وجاء اليوم الذي أتسلم فيه عملي الجديد في مستشفى أبو الريش. لقد دخلت مع هذه الوظيفة إلى العالم الذي أحبه وكنت أتمنى أن أقضي فيه كل سنوات العمر القادمة. لقد دخلته ليس كطبيب ولا كمريض، بل كموظف حسابات. وكم كنت أكره هذه الحسابات اللعينة وهذا اليوم الذي التحقت فيه بمدرسة التجارة العليا. لكن كان عزائي الوحيد أنني سأعيش وسط الأطباء والمرضى والأدوية وغرف العمليات. وأصبحت باش كاتب مستشفى أبو الريش. وتوثقت علاقاتي بسرعة مع زميلي سيد علي وأيضا مع الأطباء وخاصة الدكتور مصطفى الديواني الذي كان وقتها طبيباً شابا وكنت سعيداً بحب الاطباء لي.

قد تكون هناك بعض المناظر التي يراها البعض مؤذية ومؤلمة خاصة منظر جثث الموتى الممدة داخل المشرحة. ومشهد تسليم الأطفال اللقطاء الذين ليس لهم آباء وأمهات معروفون. لكني بالتاكيد كنت أستفيد وأتعلم وأضيف لنفسي خبرات إنسانية وعلمية جديدة. كنت أتابع بشغف زائد تصرفات الأطباء في المواقف المختلفة التي كان من المفروض أن أعيشها لو كنت نجحت في الإلتحاق بمدرسة الطب العليا. فدائماً ألاحظهم بدقة وهم يفحصون المرضى بل وكنت أحرص علي أن أكون قريباً منهم حتى داخل غرفة العمليات التي كانت فرجة ممتعة جداً لي. ولقد ساعدني على اقترابي منهم إجادتي الواضحة للغة الانجليزية التي كنت أكتب لهم بها معظم رسائلهم.

شغف الموسيقى

لكن عالم مستشفى “أبو الريش”الذي استهواني لم يبعدني عن الفن فعادة ما كنت اذهب لفرقة انصار التمثيل والسينما لكي أشبع هوايتي الفنية القديمة وإلى جانب التمثيل بدأت أعشق الموسيقى مثل أخي عبد الرحمن. والتحقت بمدرسة “تيجرمان” التي كانت يدرسنا فيها مدرسون قادمون من بولندا. علماً أن معظم الموسيقيين الكبار درسوا بها، الاستاذ عبد الوهاب نفسه استفاد منها. ولقد بدأت أدرس أبجدية الموسيقى بأصولها العلمية. وأصبحت أجيد العزف على البيانو وأفهم جيداً النوتة الموسيقية. بل وقررت أن أدرس الهارموني وتماديت في الأحلام عندما تصورت أنني أستطيع أن أكون أوركسترا أيضا.

كان الجميع يشجعونني عندما يسمعون عزفي المتقن لمقطوعات بتهوفن وباخ وموزار. لكن ظروف العمل لم تساعدنِ كثيراً بعد ذلك على الإستمرار في التدريب الموسيقي. ومن يدري، ربما كنت سأصبح موسيقياً ناجحاً لوكنت واصلت التقدم في هذا المجال. لكنني أصبحت أكتفي بالسماع. ولم يكن يفوتني أي حفل موسيقي لأي فرقة أجنبية زائرة. كنت حائراً بين حبين حب الموسيقى وحب التمثيل. وكان يشاركني هواياتي الفنية صديقي صلاح ذهني. وهو غير الكاتب صلاح ذهني المعروف. وأذكر أني سألته له ذات مرة، ما رأيك يا صلاح لو نعمل معاً علي ترجمة بعض المسرحيات العالمية ثم نقدمها بعد ذلك للفرق المسرحية الكبيرة؟ فوافق قائلاً: ولكن لابد من البحث عن النصوص الجيدة. قلت لقد عثرت علي نصٍ مسرحي رائع جداً اسمه “الغوغاء” للكاتب المسرحي جون جالزورزي لقد اعجبني لدرجة أني أتمنى أن أترجمه. لكونه يضم شخصية مدهشة جداً تصلح لجورج بك أبيض. وبدأنا على الفور بترجمة المسرحية. لكن، صدر قرار بنقل صديقي صلاح للعمل في الفيوم. ورأيت الأسف علي وجهه وهو يقول “خسارة لن نستطيع أن نكمل ترجمة المسرحية”. قلت معترضاً: لا بل لابد أن نكملها. فتساءل كيف؟ أجبته: أذهب إليك مرةً في كل اسبوع لزيارتك في الفيوم ثم تحضر أنت إلى القاهرة. وبهذه الطريقة يمكن أن ننجز العمل وننتهي من الترجمة في الوقت المحدد. وبدأنا ننفذ الإتفاق أذهب اليه مرةً في الفيوم ثم يحضر هو مرة إلى القاهرة. علماً أن الطريق الصحرواي لم يكن قد مهد وشق بعد، فكنت اذهب اليه عن طريقٍ آخر.

استوديو مصر

ومازالت أذكر ذلك اليوم الذي كنت أركب فيه السيارة المتجهة اإلى البدرشين حين شاهدت من نافذة السيارة المسرعة أعلاماً مرفوعة ذات الوان زاهية ومجموعة كبيرة من الناس يتحركون وسط الموسيقي ودقات الطبول وسألت الكمساري عن سر هذه الزفة العجيبة وتصورت أن هؤلاء الناس ليسوا سوي جماعة من الجماعات الصوفية التي تقدم مثل هذه العروض ذات الطابع الديني لكن الكمساري قال لي: “لا يابيه دا استوديو مصر بيعملوا حاجة مشاهد يعني فيلم وداد”.

وانطلقت السيارة متجهه نحو الفيوم لكن عقلي ظل مشدودا الي استوديو مصر وبمجرد ان عدت الي القاهرة حتي بدات اسال كل من له علاقة بالفن عن استوديو مصر الذي أُنشئ بفضل جهود طلعت حرب باشا. وعدت اسأل عن العاملين باستوديو مصر ولفت انتباهي اسم الأستاذ محمد رجائي. فهو زميلي وتخرّج معي في مدرسة التجارة العليا. فقررت أن أذهب لمقابلته واستقبلني كما توقعت بحفاوة الزملاء الأعزاء. وسألني اين تعمل الآن؟ فأجبته: حالياً باش كاتب في مستشفى أبو الريش، لكن الفن يشغلني جدياً محمد. إنني أمثل بفرقة أنصار التمثيل كمحاولة لإشباع هوايتي الفنية القديمة التي تعرفها. لكني لم أحترف التمثيل حتى الآن وعدت أساله: “مفيش عندكم وظيفة خالية يا محمد”؟ أجاب: بلى. لدينا وظيفة رئيس حسابات قلت موافق. واندفعت في طريقي نحو مستشفى أبو الريش. وطرقت باب مدير المستشفى الدكتور إبراهيم باشا شوقي “أبو طب الأطفال في مصر”. فهو يُعتبر هو والدكتور خليل عبد الخالق أشهر طبيبين في مجال طب الأطفال.

وقلت لمدير المستشفي الذي كان يشغل في نفسي الوقت منصب وكيل وزارة الصحة، سأعمل في السينما. قال سينما إيه يا ابني. صدقني ستندم بعد هذه الخطوة غير المحسوبة. لكنه عندما لاحظ إصراري الشديد على الإستقالة ورغبتي القوية في الإرتباط بالعمل السينمائي، قال لي: ربنا يوفقك يا ابني. وكان لابد أن تأتي تلك اللحظة المؤثرة التي أودع فيها الأطباء والممرضين والممرضات وعنابر المرضى وغرفة العمليات، وكل شبر في مستشفى أبو الريش. ولقد ودعت هذا العالم الذي العالم الذي أحببته بعد ثلاث سنوات قضيتها داخل هذا المستشفى الذي رأيت فيه الكثير وتعلمت منه أكثر.

إدارة الإنتاج

وعملت رئيسا للحسابات في استوديو مصر الذي كان يلتقي فيه كل فناني مصر المعروفين. لم يكن هناك في ذلك الوقت قطاع خاص سينمائي بالمعني الكامل فعدد قليل من الفنانين كانوا يمارسون الإنتاج السينمائي مثل بهيجة حافظ وبدر لاما، أما الباقين فكانوا موظفين من مهندسي الصوت والديكور وأيضاً المخرجين ومنهم أحمد بدرخان. لقد كانوا جميعاً موظفين في استوديو مصر. والطريف أن علاقتي بهم لم تبدأ كعلاقة فنية بالتعرّف عليهم من خلال الأرقام والحسابات وكشوف المرتبات الشهرية التي كان يجب أن أوقع عليها بحكم عملي كرئيس للحسابات. وكانت المرتبات تصرف فقط لفنيين وليس للممثلين لكن علاقاتي توثقت أكثر مع الفنانين عندما صدر قرار بنقلي من رئيس الحسابات إلى وظيفة أخرى جديدة. وهي مدير إنتاج. ودخلت التمثيل من باب الدعاية، وسعدت جداً بهذه الخطوة التي جعلتني أتعامل مباشرةً مع الفنانين والفنانات، وقربتني أكثر من فن التمثيل وأيقظت في داخلي الفنان الصغير الذي كاد يضيع وسط الأرقام والحسابات وكشوف المرتبات. وعاصرت إنتاج افلام كبيرة وهامة للفنان الكبير نجيب الريحاني وشاهدت من خلف الكاميرات كل ما يحدث أمامها وكل التفاصيل في العمل السينمائي داخل البلاتوهات وكان ذلك كافيا لإرضائي. فأنا كنت أسمع باستمرار صوتاً قادماً من أعماقي. ولقد كان صوت الممثل الذي بداخلي وهويناديني صارخاً: أريد أن أمثل، لكنني كنت أكبح جماح هذه الرغبة القوية في الوقوف أمام الكاميرا حتى لا تُفسر عليّ أنها استغلال لطبيعة عملي. وهكذا كنت أحاول تأجيل القرار.

وفي هذه الفترة تعرفت على عدد كبير من الفنانين والفنيين – نيازي مصطفي الذي كان يعمل “مونتيراً” وصلاح أبوسيف وكمال الشيخ اللذين كانا يعملان أيضا كـ"مونتيرين". أما حسن الإمام فكان عامل “كلاكيت” وأذكر أنه كان يتقاضي أجراً يوميا قدره 17 قرشاً. ولقد أثبت هذا الرجل أنه ليس عيباً أن يبدأ الإنسان صغيراً. فالمهم أنه كبر بعد ذلك. وأصبح من أشهر المخرجين وأنجحهم. وهذه هي الإرادة الحقيقية التي تستحق الإعجاب.

الإعلانات الطبية

واذكر أن وزارة الصحة طلبت في ذلك الحين تنفيذ بعض الأفلام التسجيلية التعليمية ذات الطابع الارشادي عن أخطار “البلهارسيا والإنكلستوما” بهدف عرضها علي الفلاحين في القري والارياف من خلال قوافل وزارة الصحة التي تذهب إلى الفلاحين لكي تنشر بينهم الوعي الصحي. ولم تكن وزارة الصحة هي الجهة الوحيدة التي تطلب تنفيذ هذا النوع من الأفلام الدعائية. بل كانت هناك أيضا إعلانات “الإسبرين”. المهم أنه تم الإتفاق بيننا وبين وزارة الصحة على تنفيذ هذه الأفلام ذات الطابع الإرشادي التي تحذر المواطنين من عواقب الإصابة بـ"البلهارسيا والإنكلستوما". وتشرح لهم طريق الوقاية – وتم الاتفاق على أن يتولى مدير القسم الطبي الأستاذ رمضان خليفة مهمة كتابة سيناريوهات هذه الأفلام. ولقد كان عليّ أن أقوم أنا بمهمة مدير الإنتاج لهذه الإعلانات السينمائية. ومن أجل التوفير في ميزانية الإنتاج فكرت أن أشارك بالتمثيل في هذه الأفلام مجاناً وبدون أي مقابل، وبهدف واحد فقط هو التوفير في ميزانية الإنتاج.

وهكذا كان أول ظهور لي على الشاشة في هذه الأفلام التي تتحدث عن أخطار “البهارسيا والانكلستوما” وبدون أي أجر وكنت راضياً عن هذا النشاط الفني لأني أولا أساهم في تقليل نفقات الإنتاج وثانياً سأشبع هوايتي في التمثيل في هذه الأفلام التي سيراها جمهور الأرياف.

مديراً للتوزيع

وكان أبرز وأنجح الممثلين الشبان في ذلك الوقت حسين صدقي الذي حقق نجاحاً كبيراً في فيلم “العزيمة”. ولقد كان أيضاً من الفنانين المعروفين بدر لاما ومحسن سرحان، وأنور وجدي الذي كان قد بدا في الظهور والانتشار. فقلت لنفسي أين سأجد نفسي وسط هؤلاء الفطاحل؟ واكتفيت بنشاطي في أفلام وزارة الصحة التعليمية وبعملي الأساسي كمدير للإنتاج. وكدت أقتنع تماماً بأن أحداً من المخرجين لن يفكر إطلاقاً بترشيحي لتمثيل أي دور كبير في فيلم روائي لسببين. أولاً، لأن ترشيح مدير الإنتاج سيسبب لهم كثيراً من الحرج والحساسيات. وثانياً: لأني كنت مغموراً إلى جانب الممثلين المعروفين. وثالثاً لأنني لم أكن أجروء إطلاقاً على مفاتحة أحد المخرجين في أمر ترشيحي لأحد الأدوار السينمائية حتى لو بقيت هكذا لسنواتٍ طويلة بدون تمثيل. فصبرت وصمت رغم ألمي النفسي . لكن الصبر فهو دائما مفتاح الفرج. وصدر قرار بنقلي إلى وظيفة أخرى كمدير التوزيع. وهكذا أصبح رئيس الحسابات مديراً للانتاج، ثم مديراً للتوزيع. وكانت السنوات تمر وأنا أعيش خلف الكاميرات مشغولاً بالحسابات والإنتاج والتوزيع ومحروماً من التمثيل أمام الكاميرا واستغرقني عملي الجديد كمدير للتوزيع وقتا طويلا. فقد كان استوديو مصر في ذلك الوقت هو أكبر موزع. لكن “نحاس فيلم” و"بهنا فيلم" كانا من المنافسين لنا. لكننا ظللنا في المقدمة رغم هذه المنافسة، فعندنا الاستوديو الخاص بالانتاج السينمائي ودار السينما المخصصة لعرض أفلامنا سينما استوديو مصر التي أصبحت أنا مديرها بالإضافة إلى إشرافي على سينما الأزبكية الصيفي.

ومضت أربع سنوات أخرى إلى أن كان ذلك اليوم الذي لا أنساه ذهبت كالعادة ومثل كل صباح إلى مكتب إدارة التوزيع الذي كان قائما في شارع توفيق بجوار مقهى أم كلثوم، وبعد انتهاء العمل فضلت أن أمر علي صديقي قاسم وجدي أول من ابتدع مهنة “الريجبسير” في مصر. وفي نفس المبنى كان يوجد استوديو محمد الطوخى للتسجيلات. وكان من عادتي أن أذهب بين حينٍ وآخر لزيارة الصديق قاسم وجدي لبضع دقائق أتناول خلالها فنجاناً من القهوة ونتحدث عادة عن الفن والفنانين.

لقاء الصدفة والسوق السوداء

وفي هذه المرة وجدت عنده عدداً من الضيوف، ولذلك فقد فضلت الإنصراف بسرعة، وأذكر أنه عرّفني على أحد الجالسين، قائلاً: الأستاذ كامل التلمساني. قلت: أهلا وسهلاً. وصافحته وانصرفت. لم أكن أعرفه ولم يكن يعرفنِ. فعملي الجديد في ادارة التوزيع أبعدني عن مبنى استوديو مصر الذي لم أعد اذهب إليه سوى مرة أومرتين في الشهر. وكدت أن أنسى ذلك اللقاء. لكن، في صباح اليوم التالي، رن الهاتف داخل مكتبي. وسمعت صوتاً يقول: انا كامل التلمساني قلت: أي خدمة؟ فأوضح: أنا مخرج وأستعد حالياً لإخراج فيلم بعنوان “السوق السوداء”. ولقد رشحتك لدور البطولة، هل عندك مانع؟. فسألت نفسي بدهشة: عندي مانع؟ وأجبته: “طبعاً لا معنديش أي مانع”. فأردف: “طيب، تعال أنا في انتظارك”. وقبل أن أذهب إليه اتجهت نحو مكتب الصديق قاسم وجدي لكي أحكي له ما حدث، لكني وجدت عنده كل التفاصيل التي كان يجب أن أعرفها. كان كامل التلمساني في الأصل فناناً تشكيلياً قبل أن يتجه إلى السينما. عمل فترةً كمساعد مخرج، لكن المسيوفينو اقتنع به جداً، وقرر أن يساعده في تجربة الإخراج الأولي. وبدأ “التلمساني” بالبحث عن أبطال فيلمه الأول “السوق السوداء”. ولقد رفض ترشيح معظم النجوم المعروفين. فقد أراد وجهاً مصرياً مائة في المائة لا يريد بطلاً وسيما أزرق العينين، بل يريد الملامح المصرية الصميمة، وهو ما لاحظه بشكلي عندما حدث اللقاء السريع بيننا.، ويبدو أنه اقتنع باني الوجه المصري الذي يبحث عنه. فأنا لست جميلاً أو وسيماً. لكنني مصري الملامح مثل الغالبية العظمى من الناس.

وذهبت الي المخرج وتحدثتنا طويلاً عن الفيلم وعن الدور، وعن أول أجر سأتقضاه عن التمثيل. ولقد كنت أتقاضى في ذلك الوقت من العام 1944 مرتباً شهرياً قدره ستون جنيها، وهو مبلغ كبير حسب ظروف ومقاييس تلك الفترة، وقال لي كامل التلمساني: لن نستطيع أن نكتب معك عقداً. فانت موظف في استوديو مصر، ولكن سنعطيك مكافاة عن تمثيلك لدور البطولة، وتحددت لي مكافاة قدرها مائتا جنيه. ولقد كان هذا أول أجر سينمائي أتقاضاه. وأيضا أول فرصة بطولة. وعرفت بعدها أن البطلة التي سأشاركها بطولة فيلم هي الممثلة التي اشتهرت بجمالها عقيلة راتب. فلقد كانت جميلة كالبدر. وعندها قال المخرج بحزم:غداً يا عماد سنبدأ التصوير.

عن موقع ايلاف على الإنترنت


ايلاف المحدودة للنشر جميع الحقوق محفوظة ايلاف المحدودة للنشر ترخص باستخدام هذه المقالة. لا يمكن إعادة نشر هذه المقالة دون التوافق مع شروط وبنود شركة ايلاف المحدودة للنشر.

تم نقل هذا المقال بناء على ما جاء في الفقرتين 4-2 و4-3 من حقوق الملكية الفكرية المذكورة في شروط الأستخدام على موقع إيلاف :

  • مسموح لك بنسخ أو تنزيل المقالات المنشورة على الموقع من أجل إعادة عرضها على مواقع أخرى بشرط أن تعرض تلك المقالات بنفس تنسيقها وشكلها.
  • يجب وضع رابط للموقع بين عنوان المقالة والفقرة الأولى منها.
  • كما يضاف البيان التالي في نهاية المقالة : ايلاف المحدودة للنشر جميع الحقوق محفوظة ايلاف المحدودة للنشر ترخص باستخدام هذه المقالة. لا يمكن إعادة نشر هذه المقالة دون التوافق مع شروط وبنود شركة ايلاف المحدودة للنشر.


الحلقة الرابعة


إيلاف


الجمعة 27 يناير 2017
إيلاف - أول يومية إليكترونية صدرت من لندن عام 2001
أحمد طه من القاهرة


"فتى الشاشة" يروي سيرة حياته (4\11)

عماد حمدي : نجاحٌ ساحق بعد الفشل الذريع


JPEG - 33.2 كيلوبايت
ﻓﻴﻠﻢ - سجى الليل - 1948


"إيلاف" من القاهرة : لمناسبة ذكرى وفاته، تُلقي إيلاف الضوء على مسيرة الفنان الراحل عماد حمدي الذي لقب بـ"فتى الشاشة الأول" لأكثر من 20 سنة، من خلال عرض مذكراته التي صدرت بتوقيع الناقدة إيريس نظمي قبل أكثر من 3 عقود، علماً أن الراحل سجلها قبل وفاته.
وفي الجزء الرابع من سيرته يتحدث “حمدي” عن بدايته في السينما مسلطاً الضوء على رفض الجمهور لأول أفلامه “السوق السوداء” وارتفاع الهتافات ضده، كما يروي ظروف انطلاقته بنجاحٍ ساحق من خلال “سجي الليل”.

السوق السوداء

ويتابع “حمدي” سرده لمذاكرته قائلاً: “إقترب اليوم الموعود الذي انتظرته طويلاً، يوم عرض أول افلامي الروائية وأول أدواري السينمائية. فأنا رغم حبي الشديد للسينما ظللت ألف وأدور حولهاً حائراً وهائماً دون أن أقدر علي غزوها. كنت وقتذاك كالذي يحب معذباً من طرفٍ واحد يطيل النظر إلى محبوبته، ولايطيق الإبتعاد عنها، لكنه لايجرؤ على الإقتراب منها، ولا يقدر على الإعتراف بحبه الصامت لها.

فشلٌ ذريع

كنت متشوقاً لمعرفة رأي الجمهور، لكن فرحتي كانت ممزوجة بالتوجس والرهبة. فقد كانت فرحة خائفة متعلقة بأملٍ مهزوز وسعادة مرتعشة. فالذي ينتظر موعداً أو قراراً هاماً لا يعرف النوم أو الراحة. بل يلازمه التوتر ويساوره القلق وتعذبه الهواجس. وأنا عشت في ذاك الوقت شعور الطالب الذي أدي الإمتحان، ووقف ينتظر النتيجة بين النجاح أو الفشل، ويضع أمامه كل الاحتمالات وينتظر كل المفاجآت. كنت أخشى ألا يروق الدور للجمهور. وخفت من حكم النقاد، فما أقسى حكم الناس عندما يكون طبع البعض قاسياً. بحيث أنه لا يترفق ولا يلتمس الأعذار. ولا يقبل أي تبريرات أو تفسيرات، وما أكثر الذين يحبون أن يكونوا قضاة غير منصفين وغير عادلين.

وكنت أتساءل عندما حان وقت النطق بالحكم الفاصل في قضية الممثل الجديد غير المعروف الذي اقتحم الشاشة بغير استئذان، وبدون توقع: ماذا سيقول الشهود؟ ماذا سيقول الجمهور؟ وهل سيتفق رأي جمهور الشهود مع رأي النقاد القضاة؟ هل سيقولون أن ذلك الممثل الجديد قد حاز القبول، وأنه يستحق (جواز المرور) إلى عالم السينما العجيب والمدهش؟

وبقيت أتعجل مرور الساعات ومرّ النهار بطيئاً متأنياً وعيناي متعلقتان بعقربي الساعة اللذين يتحركان ببطء وكأنهما يعرفان حالتي ويتعمدان إغاظتي وإثارة أعصابي.

وبعد طول إنتظار جاءت اللحظة. إنتهى عرض الفيلم ورأيت مئات المتفرجين وقد تجمعوا أمام دار سينما استوديو مصر، كانوا يهتفون قلت الحمد لله ان تلك الهتافات تعبير عن سرورهم. ولا بد أن يكون الفيلم قد أعجبهم. لقد مر الإمتحان الصعب بسلام. ورحت أتامل الجمهورمن بعيد، لكني شعرت بالخوف يسري في جسدي عندما بدأت أتبين أن هتافات الجمهور ليست أبدا ودية، وليست أبدا تعبيراً عن السعادة بل كانت هتافات عدائية جداً وغاضبة جداً. وأيقنت أن الجمهور ليس راضياً عن الفيلم وليس مقتنعاً بما رآه على الشاشة.

هتافات غاضبة

فندبت حظي وقلت في نفسي:”يا لسوء الحظ. أول فيلم أؤدي فيه دور البطولة يستقبله الجمهور ذلك الاستقبال غير السار وغير الودي". ومرت عشر دقائق وربع ساعة ثم نصف ساعة والناس أمام دار السينما لا يتحركون أبداً. يا له من جمهورعنيد بكل ذلك الإصرارعلي الانتظار أمام مدخل السينما. لقد اختاروا العبارات التي كانوا يرددونها فأوضحت هتافاتهم غضبهم الساخط. الأمر الذي جعلني أشعر بأن أحداثا أفظع قد تقع أمام دار السينما، ولن تصورها الكاميرا ولن يرتبها المخرج بل ستكون من صنع الجمهور نفسه. فقد كانت هذه بمثابة نهاية غير سعيدة لم نتوقعها أبداً. فعاد إلى ذاكرتي ما قرأته ذات مرة عن المتفرجين الأجانب الذين قذفوا أبطال أحد الأفلام الجديدة بالبيض والطماطم تعبيراً عن استياءهم الشديد، وعن عدم اقتناعهم بالفيلم. وسألت نفسي: “هل سيتكرر ذلك الموقف أمام دار سينما استوديو مصر؟”. لكنني شعرت ببعض الإرتياح عندما لاحظت أن أيدي الجمهور خالية من البيض والطماطم، لكن هتافتهم الغاضبة كانت أقوى من البيض والطماطم وحتى من الرشق بالأحجار. لقد تلقينا من هتافاتهم اللعنات بدلاً من باقات الورود، وسمعنا الشتائم بدلاً من كلمات الثناء والإعجاب. فتخيلت أنهم سيضربونا وستحملنا سيارات الإسعاف!

خوفٌ وترقب

وقلت في سرّي: ربما ستتحول ليلة عرض هذا الفيلم إلى ليلة افتتاح غرزتين في رأسي، وفكرت في الخروج من دار السينما عن طريق السلم الخلفي. لأنني كنت مقتنعاً بأنني يجب أن أهرب حتى لا يراني ذلك الجمهور الغاضب الذي ما زال يهتف (سيما أونطة، هاتوا فلوسنا). لكني تراجعت في آخر لحظة عندما فكرت أنه ربما أكون أنا المقصود بهذه الهتافات غير الودية. ولا أريد أن أبيت هذه الليلة في المستشفى. فنظرت إلى الأستاذ زكي رستم أحد أبطال الفيلم وكأني أستنجد به، ولاحظت أنه يعتزم الخروج رغم زحام الجمهور وتعبيراته الغاضبة، فقررت أن أسير معه حتى أحتمي به، فهو فنان معروف ومحبوب، وسأكون تحت حمايته إذا ما فكر أحد المتفرجين في مضايقتي أو ملاحقتي، واقتربنا من باب الخروج ودقات قلبي تتلاحق وعندما رأى الواقفون وجه زكي رستم افسحوا الطريق حباً واحتراماً له، لكن واحدا من المتفرجين تقدم نحوي وقلت في نفسي “لطفاً يا رب”، ويبدو أن ذلك المتفرج الطيب لاحظ ترددي في الخروج من باب دار السينما، فقال لي مطمئناً “إنت مالكش دعوة يا استاذ، إنت عملت دورك كويس، إحنا عايزين المخرج”.

وأشفقت على كامل التلمساني صاحب الفضل الأول في تقديمي على الشاشة فهو ليس فقط مخرج الفيلم بل هو أيضا مؤلف القصة وكاتب السيناريو، ولم يكن الجمهور وحده ساخطاً عليه. فالصحافة المصرية لم ترحب بالفيلم لكن الصحافة الأجنبية كانت في صفة ودافعت عنه بقوة وأذكر أن صحيفتي (الجورنال دي إيجبت) و(الأجبيسيان جازيت) قد قالتا عن المخرج كامل التلمساني أنه سابق لعصره، وأن الجمهور هو الذي لم يكن على مستوي الفيلم الذي نُفِّذَ بأسلوبٍ سينمائي متطور. فكاتب السيناريو الذي هو في الأصل فنان تشكيلي لم يهتم كثيراً بالتفاصيل التي يحب أن يفهمها الجمهور وحده، لكن الجمهوركان له رأي آخر غير رأي الصحف الأجنبية.

سجيّ الليل

والغريب أنه رغم فشل فيلم “السوق السوداء”، كنت أنا أكثر المستفيدين منه. فطُبِّقَ علي القول “ورب ضارةٍ نافعة”. لقدأصبحت معروفاً بل ومشهوراً بعد فشل فيلمي الأول، وكان الإنطباع العام هو أني أديت واجبي، لكن الذنب لم يكن ذنبي وأصبحت معروفا لدى كل المخرجين الذين بدأو يرشحونني لأول أفلامهم وتجاربهم السينمائية. ولقد بدأت ظاهرة تحول العاملين كـ"مونتير" إلى الإخراج السينمائي. ومنهم صلاح أبو سيف الذي انطلق بإخراج أول أفلامه على الشاشة. ولقد رشحني لدور البطولة في فيلم “دايماً في قلبي” وشاركتني في بطولته نفس بطلة فيلمي الأول السوق السوادء عقلية راتب. لكن النتيجة كانت عكسية تماماً ففشل أول افلامي السينمائية قابله نجاح كبير لتجربتي السينمائية الثانية التي أخرجها “أبو سيف”. ولم يكن النجاح جماهيرياً فقط. فالنقاد أيضا رحبوا بالفيلم، واحتفوا به ودعموا الفيلم فأثبت هذا العمل حضوري كممثل جديد ينضم إلى مجموعة الممثلين المعروفين. أما فيلم “سجي الليل” فكان خطوة كبرى في حياتي السينمائية، بل لن أكون مبالغا إذا قلت ان هذا الفيلم قد أحدث انقلاباً في مسار السينما المصرية نفسها. فقد كانت الأفلام في ذلك الوقت إما غنائية أو كوميدية باستثناء فيلم “العزيمة” الذي كان فيلما اجتماعياً. ولذلك فإن أي فيلم “تراجيدي او ميلودرامي” يموت البطل في نهايته. ويكون في الغالب خالٍ تماما من النكتة. ولقد كانت هكذا أعمال في ذلك الحين غير مألوفة وغير عادية. وكان إنتاجه نوعاً من المغامرة. لكن المخرج “بركات” قرر أن يُخرِج فيلم “سجي الليل” واختارني لبطولته مع ليلى فوزي وكمال الشناوي، واستاذنا الكبير محمود المليجي. وتقرر ان يتم تصوير الفيلم في استوديو “توجو مزراحي” الذي قدّم أيضا فيلم السيدة أم كلثوم “سلامة” وأفلام ليلى مراد بعد ذلك.

الطبيب العليل

وكان دوري في الفيلم طبيباً يعمل في أحد المستشفيات لكنه يلتقط عدوي مرض السل من أحد المرضى، في الوقت الذي كان يعيش فيه قصة حب قوية. ومع اشتداد المرض وظهور أعراضه وآلامه، بدأ الطبيب الشاب في الإنزواء بعيداً عن حبيبته. فهو لم يكن يريد أن يعترف لها بحقيقة مرضه الذي كان في ذلك الوقت مرضا قاتلاً لا علاج له ولا شفاء منه.

وادعى الطبيب الشاب أنه يحب إنسانة أخرى غيرها متصوراً أن ذلك الهروب هو الحل الطبيعي من مأزق المرض الخطير الذي أوقعته الظروف فيه. لكنه شكل بالطبع صدمةً نفسية للفتاة الحسناء التي تصورت أن حبيبها قد نسيها وتخلى عنها من أجل فتاة أخرى. ولقد تضخمت مأساتها عندما تقدم أحد أصدقاء حبيبها طالباً الزواج منها. في وقتٍ كانت حالته الصحية قد ساءت وانهارت مقاومته أمام ذلك المرض القاتل. ونقلوه إلى المستشفى وهو في النزع الآخير، لكن حبيبته تعرف الحقيقة وتذهب إلى المستشفى لكي تزوره بعد أن ظلمته وأساءت الظن به. لكن اللقاء بينهما حدث بعد فوات الأوان. فقد كان الطبيب الشاب يودع الحياة ويلفظ أنفاسه الأخيرة، وكان وداعاً قاسياً ومؤلما حيث مات حبيبها بين يديها.

لقد كانت هذه قصة ميلودرامية طبعاً. وكان ذلك سر مخاوفي. فالجمهور اعتادعلي مشاهدة الأفلام الدرامية العادية والأفلام الكوميدية والغنائية، لكنه لم يعتد على هذه القصص الميلودرامية الفاجعة. وكنت أتساءل: هل سيتقبل فيلماً يموت بطله في نهايته وتدور أحداثه عن الفراق والمرض والموت في ريعان الشباب.
وانتهى المخرج بركات من إخراج فيلم “سجي الليل” وتقرر أن يعرضه بدار سينما ريفولي التي كانت أحدث وأجمل دور السينما في ذلك الوقت. ولكنها لم تكن مخصصة أصلاً لتقديم الأفلام المصرية. لكن الفكرة كانت أن يعرض فيلم “سجي الليل” لمدة يومين أو ثلاثة، ثم يرفع بعد ذلك ليُعرَض بدلاً منه فيلماً أجنبياً. لكن الذي حدث كان مفاجاةً لنا جميعاً. فقد حقق الفيلم نجاحاً هائلاً واستمر عرضه أربعة أسابيع متواصلة وكان ذلك رقماً قياسيا بالنسبة لفترة عرض الأفلام الجديدة.

فالقاعدة التي كانت سائدة آنذاك أن الفيلم الناجح جداً هو الذي يستمر عرضه لمدة أسبوعين متواصلين لكن فيلمنا حطم هذه القاعدة واستمر علي الشاشة لمدة أربع اسابيع. وكان من الصعب جداً الحصول على مقعدٍ واحد خالٍ.

إعجابٌ ودموع

وأصبح مشهد عربة الإسعاف الواقفة أمام باب السينما مشهداً يوميا ًمألوفاً وغالباً ما كان رجال الإسعاف يخرجون من كل حفلة من الحفلات اليومية الأربعة وهم يحملون إحدى السيدات وهي في حالة إغماء وفقدان الوعي. ولقد حدثت أكثر من حالة إغماء في اليوم بسينما ريفولي وتم نقلهم إلى عربة الاسعاف. حيث أن بعض المتفرجات كن يفقدن السيطرة على دموعهن ومشاعرهن أمام هذه القصة الميلودرامية المؤثرة. وحين يشاهدن عذاب المرض على وجه البطل الطبيب الشاب وبؤس الفراق بين العاشقين وموت الشاب في النهاية بين يدي حبيبته.

والحقيقة انني كنت اتعذب اثناء ادائي لهذا الدور لكن أحداً لم يكن يعرف سر عذابي وشقائي. فهذا المرض الخطير الذي عانيت منه تمثيلاً علي الشاشة خطف مني انسانة عزيزة وحبيبة إلى قلبي أختي بلستان التي اختطفها الموت الغادر وهي في سن العشرين. فهي كانت سمينة بعض الشيء، وأرادت ان تنقص وزنها قليلاً. واثناء هذه الفترة التي أخضعت فيها نفسها “للرجيم القاسي” الذي لم يتم على أساسٍ طبي سليم أصيبت بمرض السل اللعين الذي لم يكن له علاج حاسم في ذلك الحين. فنقلناها إلى المستشفى. لكن حالتها الصحية كانت تتدهور بسرعة وكنت دائم الزيارة لها ورايت اختي الحبيبة وهي تتعذب وتموت موتاً بطيئاً وهذا كله ساعدني على أداء دوري بصورةٍ جيدة في هذا الفيلم الذي حمل عنوان “سجي الليل” وشكل نجاحه الكبير تحولاً قوياً نحو القصص والأفلام “الميلودرامية” التي أصبحنا نسميها أفلام “الفواجع”. ولابد أن اعترف بان هذا الفيلم بالذات جعلني أقف على أرضٍ صلبة جداً، بل ودفعني دفعةً قوية جداً نحو النجاح.

ولو ان المسئولين عن دار سينما ريفولي في ذلك الحين تركوا الفيلم لاستمر عرضه لأسابيع أخرى. لكن، “ريفولي” كانت مخصصة للأفلام المصرية ولم يكن مسموحاً حتى للجمهور المصري بدخولها. لكنهم قبلوا مضطرين. ولقد تأثر الجمهور جداً بأحداث ذلك الفيلم المحزنة. والحمد الله أن المخرج بركات قد حذف أجزاءً من الموقف الأخير الذي يموت فيه بطل الفيلم ولو ان بركات لم يفعل ذلك لكانت سينما ريفولي قد غرقت في بحرٍ من الدموع.

المنزل رقم 13

في ذلك الوقت، إتجه المونتير كمال الشيخ هو الآخر إلى الاخراج السينمائي وهو تحول طبيعي. فمعظم من عملوا بالمونتاج تحولوا بعد ذلك إلى مخرجين سواءمن المصريين أو من العالمين، المخرج الجيد بدايته الصحيحة الغرفة المظلمة. أي غرفة المونتاج. ففي تلك الغرفة المظلمة ولد أحسن المخرجين. صلاح أبو سيف كان مونتيرا وهذا ايضا ما فعله كمال الشيخ الذي يتميز بعقليته المنتظمة والمرتبة جداً. الفيلم دائماً في ذهنه من الألف إلى الياء بكل دقائقه وتفاصيلة، وهكذا شاركت فاتن حمامة في بطولة أول فيلم يخرجة كمال الشيخ “المنزل رقم 13” وقد حقق نجاحاً كبيراً لأنه كما قلت لم يكن مألوفا لدى الجمهور. فالمتفرج يحب في العادة أفلام التشويق والإثارة لأن الغموض الفني المقصود الذي يُنفذ بشكلٍ جيد يجعل الجمهور مشدوداً أكثر إلى الشاشة. وذلك لأن الجمهور الذكي لا يحب الفيلم الذي تظهر نهايته من بدايته أو أحياناً من اسمه. بل يحب الفيلم الذي يحترم عقله ويتيح له الفرصة لكي يتخيّل ويبحث عن النهاية المجهولة. ويفسِح له مجال التساؤلات حول نهاية الفيلم ومصير البطل والبطلة. وكان ذلك أحد أسباب نجاح فيلم “المنزل رقم13” الذي اجتمع فيه الغموض والتشويق والقصة الجيدة والتنفيذ الدقيق.

عن موقع ايلاف على الإنترنت


ايلاف المحدودة للنشر جميع الحقوق محفوظة ايلاف المحدودة للنشر ترخص باستخدام هذه المقالة. لا يمكن إعادة نشر هذه المقالة دون التوافق مع شروط وبنود شركة ايلاف المحدودة للنشر.

تم نقل هذا المقال بناء على ما جاء في الفقرتين 4-2 و4-3 من حقوق الملكية الفكرية المذكورة في شروط الأستخدام على موقع إيلاف :

  • مسموح لك بنسخ أو تنزيل المقالات المنشورة على الموقع من أجل إعادة عرضها على مواقع أخرى بشرط أن تعرض تلك المقالات بنفس تنسيقها وشكلها.
  • يجب وضع رابط للموقع بين عنوان المقالة والفقرة الأولى منها.
  • كما يضاف البيان التالي في نهاية المقالة : ايلاف المحدودة للنشر جميع الحقوق محفوظة ايلاف المحدودة للنشر ترخص باستخدام هذه المقالة. لا يمكن إعادة نشر هذه المقالة دون التوافق مع شروط وبنود شركة ايلاف المحدودة للنشر.


الحلقة الخامسة


إيلاف


السبت 28 يناير 2017
إيلاف - أول يومية إليكترونية صدرت من لندن عام 2001
أحمد طه من القاهرة


"فتى الشاشة" يروي سيرة حياته (5\11)

عماد حمدي “الورقة الرابحة”: حبٌ ونجاح مع فتحية شريف


JPEG - 21 كيلوبايت


"إيلاف" من القاهرة : لمناسبة ذكرى وفاته، تُلقي “إيلاف” الضوء على مسيرة الفنان الراحل عماد حمدي الذي لُقِّبَ بـ"فتى الشاشة الأول" لأكثر من 20 سنة، من خلال عرض مذكراته التي صدرت بتوقيع الناقدة إيريس نظمي قبل أكثر من 3 عقود، علماً أن الراحل سجّلها قبل وفاته.
وفي الجزء الخامس يتحدث عن زواجه من الفنانة فتحية شريف ويسرد نشأة قصة حبهما في نقابة الفنانينن، بالإضافة لاستقالته من “استوديو مصر”.

إحتراف السينما

ويستمر “حمدي” بسرد مذكراته، ويقول: بدأ المونتير كمال الشيخ يتجه هو الآخر إلى الإخراج السينمائي. ولقد لمسنا من البداية اهتمامه بأفلام التشويق والحركة بكل ما فيها من غموض وإثارة. فهذا النوع من الأفلام لم يكن موجوداً بصورةٍ واضحة وقوية على الشاشة المصرية. وهكذا شاركت فاتن حمامة في بطولة أول فيلم يخرجة كمال الشيخ المنزل رقم 13 وقد حقق نجاحا كبيراً لانه لم يكن مالوفاً لدى الجمهور. ولقد تكرر معه ما حدث في دار سينما “ريفولي” عندما عرضنا فيها فيلم “سجى الليل” الذي كان أول فيلم مصري يستمر عرضه لأربعه أسابيع متواصلة في الدار السينمائية التي كانت مخصصة فقط للأفلام الأجنيبية وللجمهور الأجنبي. ولكن الأمر تكرر مع هذا الفيلم في دارٍ سينمائية أخرى هي سينما مترو. والعجيب أن عرضه استمر لمدة أربعة أسابيع تماماً، كما حدث مع فيلم “سجى الليل” في دار سينما ريفولي. ولقد أصبحت آنذاك مرتبطاً بالأعمال السينمائية الأولى لأكثر من مخرج جديد.

الورقة الرابحة

وهكذا شاءت الصدفة أن أكون مشاركاً في التجارب السينمائية الأولى للعديد من المخرجين الذين أصبحوا فيما بعد من كبار مخرجي السينما العربية. وتكرر ذلك الموقف أيضاً مع المخرج عاطف سالم الذي كان يعمل قبل ذلك مساعداً للمخرج حلمي رفلة حين عملت معه بفيلم الحرمان، ولعل اشتراكي في بطولة الأفلام الىولي لكثير من المخرجين هو الذي جعل أحد أصدقائي يسميني “الورقة الرابحة”. أو ربما هكذا تخيلوا أني أصبحت الورقة الرابحة والمضمونة في نظر أغلب هؤلاء المخرجين.

وأصبحت منهمكاً ومشغولاً باستمرار بأداء الأدوار الجديدة. أنتهي من هذا الفيلم لكي أستعد لفيلم آخر جديد. ولعل ذلك هو السبب الذي جعلني أشعر بالحاجة الشديدة للراحة والإستقرار. فسألت نفسي: ماذا بعد كل هذا العمل المتواصل؟ وماذا بعد كل هذا النجاج؟ فأنا لم أكن من هؤلاء الذين يبهرهم النجاح، فيفقدون عقولهم وإتزانهم ويبددون عواطفهم وصحتهم في الفراغ ويهدرون مشاعرهم الإنسانية في الحانات.

بدأت أشعر بحاجتي إلى الاستقرار داخل بيت مع زوجة اقدرها وتقدر ظروف وطبيعة عملي وتقف إلى جانبي لتخفف عني وتشاركني رحلة الحياة بكل أحداثها ومفاجآتها المؤلمة والسارة معاً. وأنا كنت في العادة أقضي سهراتي داخل نقابة الفنانين في شارع عماد الدين، حيث ألتقي مع زملائي من الفنانين والفنانات ونتحدث طويلاً في أمورنا الخاصة والعامة. ولقد كانت هذه السهرات ودية. وهناك رأيتها لم تكن بعيدةً عني، فهي فتحية شريف فنانة معروفة بل كانت نجمة فرقة الريحاني. صوتها جميل ومعبِّر تغني بتفوق أغاني وألحان سيد درويش وزكريا أحمد، وكان آخر أعمالها الفنية العرض الغنائي “عزيزة ويونس” الذي قُدِّمَ علي مسرح الأزبكية واشترك معها في بطولته يحيى شاهين وحسين رياض، فيما قامت هي بأداء دور عزيزة وأدت 16 لحناً غنائياً. علماً أنها بدأت نشاطها الفني بأداء “المونوتوجات” ولم يكن ذلك شيئا سهلاً.

مرحلة الإستقرار

كنت أعرف فتحية شريف قبل أن أراها لكني عرفتها أكثر من خلال جلسات ولقاءات نقابة الفنانين. عرفتها عن قرب كإنسانة أنها مثلي تميل إلى الإستقرار. كانت قد تزوجت وأنجبت بنتاً. لكن زواجها لم يستمر، فأصبحت وحيدة تعيش فقط للغناء والمشاركة بصوتها الجميل في العروض الغنائية الجديدة. وتكررت لقاءتي معها. وفي كل مرة كنا نشعر بحاجة كل منا إلى الآخر. هي تبحث عن الإستقرار العائلي وأنا أيضا بطبعي أحب الإستقرار والحياة العائلية.

طبعاً ستندهشون، لأن الفكرة العامة عن الفنانين هي أنهم لا يحبون الإستقرار، وكالطير يتنقلون من شجرةٍ إلى شجرة. لكن الفنان قبل كل شئ إنسان يحلم بالاستقرار، ويتمنى أن يكون له بيت وأسرة. على أي حال كان بطبعي الميل للحياة الأسرية المستقرة. وهذا ما جعلني أقترب من القرار الحاسم وهو قرار الزواج.

وتزوجت فتحية شريف في عام 1946 واستمرت حياتنا العائلية هادئة موفقة وزاد من تفاهمنا أنها فنانة مثلي وتقدِّر ظروفي وطبيعة عملي. الزوجة غير الفنانة تغضب وتثور إذا رن الهاتف وكانت المتحدثة فتاة أوسيدة معجبة تسأل عن الفنان الممثل، أو تعبِّر عن إعجابها بأدائه لأحدث أدواره، أو ربما تنتقد طريقة أدائه لأحد الأدوار بدافع الحب والخوف عليه. ومن الطبيعي أن الزوجة غير الفنانة لن تفهم كل ذلك وستشتعل في قلبها نيران الغيرة التي دمرت بيوتاً كثيرة كانت هادئة ومستقرة وسعيدة. لكن الحقيقة أن زوجتي لم تكن تغضب عندما تسأل عني معجبة. وكانت تحاول أن تخفف من خجلي الشديد وتقول لي أن ذلك طبيعي، فلماذا الحرج والخجل. فالممثل الناجح لديه عشرات المعجبين والمعجبات. وكانت تعطيني سماعة الهاتف وهي تبتسم بلا غضب وبدون ضجر أو غيرة حمقاء. ولأنها فنانة، كانت تشاركني معظم جلساتي مع بقية الممثلين والمخرجين. فعندما جاء المخرج عز الدين ذو الفقار لكي نتفق معاً علي الفيلم الجديد “أنا الماضي” كانت هي حاضرة معنا تشاركنا الحوار والرأي بكل الحب والمودة وبكل الحرص علي زوجها. وزاد من تقديري لها أنها بدأت تضحي بفنها من أجل حياتنا العائلية خاصة بعد أن أنجبت ابننا نادر الذي أضفى علي حياتنا مزيداً من الإستقرار.

وكنت أقول في سرّي: ماذا يريد الإنسان غير زوجة تقدِّر ظروفه وتخفف عنه متاعبه، وتقف إلى جانبه لتشاركه رحلة الحياة الشاقة الطويلة. فأحمد الله على تلك الزوجة التي تحاول بكل جهدها أن تسعدني، وتضحي من أجلي. فلقد توقفت عن ممارسة نشاطها الفني، وهي في قمة نجاحتها لكي توفر كل وقتها وطاقتها لرعاية إبننا نادر. ووجدت في نشاطي الفني تعويضاً عن حرمانها من العمل الفني الذي توقف بسبب الزواج. وأصبح نجاحي نجاحاً لها والحقيقة أني لم أجد الزواج عائقاً يعطلني أو يؤخرني ويبعدني عن العمل السينمائي. بل بالعكس كانت مرحلة ما بعد الزواج مليئة بالحماس وبالأمل وبالعمل. ولإنني أؤمن بالفأل الحسن، أصبحت مقتنعاً أن زواجي من فتحية شريف كان فالاً حسناً. فبعد الزواج انهالت علي عقود العمل في الأفلام الجديدة. وتوثقت علاقاتي بالمخرجين. فإلى جانب بركات والتلمساني وصلاح أبو سيف وكمال الشيخ وعاطف سالم، توثقت علاقاتي أيضا بضابط المدفعية الذي أحب السينما حباً رومانسياً رائعاً عز الدين ذو الفقار.

مع الضابط ذو الفقار

ولقد كان “عز” بالنسبة لي اكتشافاً لرجلٍ ضخم الجسم، لكنه رقيق المشاعر إلى أبعد الحدود. وكنت أرى فيه فنان وضابط. شخصيتان في جسدٍ واحد، لكونه يجمع الرقة إلى حد الشاعرية والإنضباط إلى حد القسوة. ومن لا يعرفه جيداً، يتصور أنه لم يستطع التخلص من جدية وجفاف ضابط المدفعية، لكن الذين عرفوه مثلي اكتشفوا فيه رقته المتناهية وشفافية روحه وعمق تفكيره. وذلك لأنه كان في أعماقه طيباً جداً وإنساناً جداً. وكان “إناء الماضي” هو أول الأفلام التي جمعتني بالمخرج عزالدين ذو الفقار. لقد أحببته وأصبح من القلائل الذين فتحت لهم قلبي وبيتي وتوثقت بيننا العلاقات الفنية والأسرية. واحترمت فيه أيضاً حرصه على أن يكتب بنفسه سيناريوهات أفلامه. وعندما يكون المخرج صاحب الفكرة وعارفاً بأدق تفاصيلها، فإن إحساسه بالفيلم يصبح أقوى. وتتحول القصة في ذهنه إلى شريط من الصور المتحركة. وبعد أول جلسة معه، تساءلت في حيرة كيف ضل ذلك الفنان طريقة إلى سلاح المدفعية. إنه صاحب عقلية سينمائية وكان لابد أن يتخذ قراره الحاسم بأن يعيش بقية أيام عمره في أنسب مكان في عالمه الحقيقي داخل بلاتوهات السينما.

واكتملت سعادتي عندما علمت ذات يوم بخير ترشيحي مع فريد شوقي وسامية جمال للإشتراك بالتمثيل في فيلم “الصقر” الذي كان مفروضاً ان يتم تصويره في إيطاليا. وأنا لا يمكنني أن أنسى ذلك الفيلم أبدا فبسببه كدت أفقد أحد أصابعي.

وداع استوديو مصر

وبقيت ثماني سنوات أعمل ممثلا سينمائياً نظير مكافآت تُدفع لي حسب ظروف الدور والعمل في كل فيلم جديد. لم يكن من السهل توقيع العقود معي لإني كنت ما ازال في وظيفة تابعة لاستديو مصر صحيح ان المكافاة التي كنت اتقاضاها قد ارتفعت من مائتي جنيه إلى 800و900 جينه لكن هذا الوضع القلق كان يجب أن يُحسم بشكلٍ نهائي. وكنت وقتذاك قد أصبحت نجماً سينمائياً معروفاً. واستمراري في العمل الوظيفي يسبب لي نوعاً من الحيرة. وذات يوم فوجئت باستدعائي من مكتب محمد بك رشدي رئيس “بنك مصر” الذي كان متزوجاً من إبنة طلعت حرب باشا. فذهبت للقائه في مكتبه. وقلت له أنا تحت أمرك. فبدأ يحدثني. لكني لاحظت في كلماته كثيراً من الحرج إلى أن قال لي في النهاية. لقد أصبحت الآن مشغولاً جداً بالتمثيل. وأعتقد أنه من الصعب أن تجمع حالياً بين الوظيفة والتمثيل. وعليك أن تختار، إما أن تحتفظ بالوظيفة وسنعطيك في هذه الحالة علاوة كنوعٍ من التعويض، وإما أن تستقيل وكان في جيبي في تلك اللحظة عدد من العقود التي وقعتها لتمثيل أدوار وأفلام جديدية تبلغ قيمتها خمسة آلاف جنيه. لكني سألته: وكم ستبلغ هذه العلاوة؟ أجاب: عشرة جنيهات وكانت الجنيهات العشرة في ذلك الحين مبلغاً كبيراً لا يستهان به. وكدت أقول له نعم سأستقيل. لكن حبي الشديد لاستوديو مصر أوقف الكلمات في حلقي.

فأنني أشعر أنني ولدت وكبرت في استوديو مصر. عرفت فيه معنى النجاح والأمل والإصرار. وعشت فيه أهم الذكريات والأحداث، رئيساً للحسابات ثم مديراً للانتاج. ثم مديراً للتوزيع. وكنت أشعر بأن هذا الاستوديو مثل بيتي تماماً. ولا شك أن فراقه سيؤلمني ويضجرني. كنت أتمنى أن أظل محتفظاً بالوظيفة حتى لا يتم حرماني من هذا المكان الذي أشعر بأنه ليس فقط بيتي بل جزءاً هاماً وخاصاً من حياتي. لكن رئيس “بنك مصر” كان ينتظر مني القرار النهائي، ولابد في النهاية من تضحية. إما أن أضحي بوظيفتي أو بفني. فقلت بنفسي لا لا. وأجبته: “يا افندم اعفيني من الوظيفة ساستقيل”.

وأعطوني مكافأة قدرها 400 جنيهاً بمجرد الإنتهاء من إجراءات الإستقالة وكانت لحظة مؤثرة جدا تلك التي ألقيت فيها النظرة الأخيرة على تلك الغرفة الحبيبة التي عشت فيها أجمل الذكريات واندفعت خارجاً حتي أبكي. وداعاً أيها الباش كاتب العزيز يا من تعيش في شرايني في دمي. وداعاً يا مدير الإنتاج وداعاً يا مديرالتوزيع. مهما يحقق الإنسان من نجاج، فإن الأيام الأولى في حياته تظل مهبط الذكريات. أيام الأحلام المستحيلة وانتظار الغد المجهول. فلولا وظيفة الباش كاتب في استوديو مصر، ماكنت اقتربت من عالم السينما ولا عشت أحداثه ومشاكله وتفاصيله. ولربما كنت قضيت بقية أيام حياتي وراء مكتب في مصلحة حكومية. ولذلك سأظل وفياً لوظيفة الباش كاتب التي لولاها ما كنت اندفعت في طريق الاضواء، وما كنت وصلت إلى الشاشة الفضية لاصبح واحداً من نجومها. آه لو كنت أستطيع أن آجمع بين الوظيفة والتمثيل ليس حباً في المال، ولكن وفاءً للوظيفة التي ساعدتني.

مع حمامة ويسري

واستمرت حياتي الأسرية هادئة بعد أن عرفت معنى الإستقرار مع زوجتي فتحية وابني نادر الذي كنت آراه يكبر أمامي كل يوم. فقد كنا أسرةً صغيرة تعيش وسط جوٍ من التفاهم والثقة المتبادلة، واستمر نشاطي الفني في التصاعد يوماً بعد يوم. وتكرر ظهوري مع فاتن حمامة ومديحة يسري. فالعمل مع فاتن مريح لكونها إنسانة ملتزمة جداً تحترم عملها. لكن ربما كانت مديحة يسري مناسبة ولائقة أكثر من ناحية الشكل للظهور معي خاصة إني لم أكن صغير السن. ففاتن كانت تبدو أصغر مني سناً بشكلٍ لافت. أما مديحة فكانت تعطي الإحساس بأنها سيدة وأنها من ناحية الشكل مناسبة أكثر للظهور أمامي في الأفلام.

رياح التغيير

وكان يمكن أن تستمر حياتي هادئة هكذا لسنواتٍ عديدة قادمة – لولا ذلك القطار الذي توقف فجاة في محطة منتصف العمر فانطلقت مع صفارته وضجيجه رياح التغيير التي هبت دون توقع على حياتي الهادئة أقصد التي كانت هادئة. والتفاصيل في الحلقة القادمة.

عن موقع ايلاف على الإنترنت


ايلاف المحدودة للنشر جميع الحقوق محفوظة ايلاف المحدودة للنشر ترخص باستخدام هذه المقالة. لا يمكن إعادة نشر هذه المقالة دون التوافق مع شروط وبنود شركة ايلاف المحدودة للنشر.

تم نقل هذا المقال بناء على ما جاء في الفقرتين 4-2 و4-3 من حقوق الملكية الفكرية المذكورة في شروط الأستخدام على موقع إيلاف :

  • مسموح لك بنسخ أو تنزيل المقالات المنشورة على الموقع من أجل إعادة عرضها على مواقع أخرى بشرط أن تعرض تلك المقالات بنفس تنسيقها وشكلها.
  • يجب وضع رابط للموقع بين عنوان المقالة والفقرة الأولى منها.
  • كما يضاف البيان التالي في نهاية المقالة : ايلاف المحدودة للنشر جميع الحقوق محفوظة ايلاف المحدودة للنشر ترخص باستخدام هذه المقالة. لا يمكن إعادة نشر هذه المقالة دون التوافق مع شروط وبنود شركة ايلاف المحدودة للنشر.


الحلقة السادسة


إيلاف


الأحد 29 يناير 2017
إيلاف - أول يومية إليكترونية صدرت من لندن عام 2001
أحمد طه من القاهرة


"فتى الشاشة" يروي سيرة حياته (6\11)

عماد حمدي “القرار الصعب”: طلقت زوجتي لأرتبط بـ"شادية"


JPEG - 42.7 كيلوبايت
عماد حمدي وشادية


"إيلاف" من القاهرة : لمناسبة ذكرى وفاته، تلقي “إيلاف” الضوء على مسيرة الفنان الراحل عماد حمدي الذي لُقِّبَ بـ"فتى الشاشة الأول" لأكثر من 20 سنة، من خلال عرض مذكراته التي صدرت بتوقيع الناقدة إيريس نظمي قبل أكثر من 3 عقود، علماً أن الراحل سجلها قبل وفاته.
وفي الجزء السادس من سيرته يتحدث عن قصة حبه مع الفنانة شادية ويكف نشأة هذه القصة داخل قطار الرحمة بعد ثورة 23 يوليو.

اللقاء مع شادية

ويتابع “حمدي” سرد مذكراته، ويقول: حدث أن أعلنت ثورة 23 يوليو ورأى الفنانون أن يقوموا بتلك المظاهرة الفنية تعبيراً عن ترحيبهم بإعلان الثورة. وكان المفروض أن نركب هذا القطار، قطار الرحمة لكي ينطلق بنا من أسوان حتى القاهرة متوقفاً في كل محطات السكة الحديدية. وتقرر أن ننزل من القطار في كل محطة لكي نقدم هذه الحفلات الغنائية مساهمةً في جمع التبرعات. وكان قد حدد لهذه الرحلة فترة زمنية قدرها 24 يوماً وكان قدري هو تقديم المطربين والمطربات الذين سيقدمون أغانيهم أمام الجمهور

وأذكر أنه عندما توقف القطار في محطة سوهاج اندفعت مسرعا إلى داخل المدينة أسأل كل من يقابلني، من فضلك أين مسكن باش مهندس السكة الحديد، وتصور بعض الناس الذين سألتهم أنني أحد أقرباء الباش مهندس وأنني أرغب في زيارته رغم أني لا أعرفه ولا أذكر حتى اسمه. لكني كنت أريد فقط أن أرى البيت الذي يقيم فيه، فهنا في سوهاج رأيت مع أخي التوأم عبد الرحمن نور الحياة لأول مرة، أريد أن أرى ذلك البيت الذي كان يعيش فيه ابن الباش مهندس السابق لسكك حديد الوجة القبلي، وبالطبع لم ادخل بيتنا. أقصد البيت الذي كان يعيش فيه أبي وأمي منذ سنوات بعيدة. لكنني اكتفيت فقط بالتأمل من بعيد لدرجة أن الرجل الذي قادني إلى البيت ظل واقفا يتطلع نحوي بدهشة شديدة ولعله كان يسأل نفسه لماذا يسأل عن البيت إذا كان لاينوي الدخول إليه.

وبدأت أساهم بتقديم المطربين والمطربات للجمهور في كل محطة جديدة يتوقف فيها القطار قطار الرحمة، وكان من بين المطربات المشاركات في حفلات قطار الرحمة الغنائية المطربة شادية التي قدمتها أكثر من مرة في معظم البلاد التي قدمنا فيها هذه الحفلات الغنائية وتبادلنا عبارات المجاملة ثم كلمات الشكر ثم تعبيرات التقدير. ويوماً بعد يوم توطدت علاقتنا وطالت فترات الحديث بيننا سواء في القطار أو داخل دور السينما التي كنا نقيم فيها هذه الحفلات الغنائية كلما توقف القطار في محطةٍ جديدة. وعندما توقف القطار في آخر محطة في القاهرة شعر كل منا برغبة قوية في رؤية الآخر مرة ومرات أخرى كثيرة.

حيرة وقلق

كان موقفي حرجاً وشائكاً. فأنا كنت متزوجاً وحياتي هادئة ومستقرة ولدي طفل أحبه. ورغم ذلك، كله لم أقدر على مقاومة هذه الدعوة الحارة القادمة من أعماق نفسي التي تدفعني دفعاً للذهاب للقاء شادية. عشت صراعاً نشب فجاة في داخلي. صراعٌ بين الزوج الوقور الذي يريد أن يتجنب العواطف التي توشك أن تهب فتقتلع جذور استقرار حياته الزوجية وبين مشاعر الشباب المتأججة التي لا تعترف في معظم الأحيان بالعقل أو المنطق وتندفع هائجة غير عابئة بشيء. وكنت أشعر بأن الشاب الذي في داخلي هو الذي يوشك أن ينتصر علي منطق الزوج الوقور. فرحت أتساءل: “أي قوة مجهولة تلك التي تغيّر مسار سفينة حياتي فتجعلها تتجه نحو مرفأ آخر وشاطئ غير الشاطئ الذي كنت أنوي أن أستقر عليه حتى لحظات الممات. أي قوة تلك التي تحركنا في الإتجاه الآخر المضاد؟.

إنتصار القلب

قد يكون الإنسان ذكياً وواعياً ومدركاً لأمورٍ كثيرة ويعرف ما الذي يريده بالتحديد وفي أي اتجاه يسير. ورغم ذلك تتجه سفينة حياته إلى شاطئٍ آخر غير الذي يريده. فيجد نفسه مستسلماً لرياح المقادير التي تحركت نحو الشاطئ المجهول. فهل هي الرغبة في تحدي النفس أم تحدي المنطق والزمن والمجهول؟ لم تتوقف تساؤلاتي: ما الذي أصاب عقلي وقلبي منذ أن ركبت ذلك القطار الذي اسمه قطار الرحمه؟ وكأنني مسلوب الإرادة أسير كالمنوّم مغناطيسياً لا أقاوم ولا أنوي المقاومة. بل مأخوذاً بما يحدث لي. ولقد حاولت الخروج من معركة القلوب التي ينتصر فيها الحب دائماً. لكن الظروف شاءت أن يتم ترشيحي لبطولة فيلم جديد وأمام شادية. ولقد جمعنا فيلم”أقوى من الحب" الذي يخرجه عز الدين ذو الفقار ويجري تصوير أحداثه في الاسكندرية. وهكذا عدنا من جديد لنركب معا قطار الرحمة الذي لم يكن يتحرك هذه المرة فوق القضبان الحديدية بل كان ينزلق فوق رمال الإسكندرية الناعمة ولا تستطيع قوة أن تمنع اندفاعه نحو المجهول الغامض. كنت أؤدي في ذلك الفيلم دور ضابط مبتور الذراع متزوج من طبيبة مديحة يسري كانت تعاملة بجفاء وفي الوقت الذي اختفى فيه الحب داخل بيت الزوجية وبينما هو متعطش للكلمات الودودة الرقيقة والعواطف الدافئة، تظهر في حياته هذه الإنسانة الأخرى شادية التي تُغدقه بحنانها وحبها بلا حدود. لقد ظهرت فجأة في ليل حياته المظلم لكي تعيد إليه البهجة المفقودة والأمل الضائع. ويبدو أن قصة الفيلم العاطفية قد ألهبت مشاعرنا وأشعلت نار الشوق في أعماقنا.

والعجيب أنني لست من هؤلاء الرجال الذين يغازلون الفتيات والسيدات ويلاحقونهن باصرار. وكنت أستغرب ما يحدث لي. كانت صحتي جيدة فأنا أبدو أصغر من عمري بعشر سنوات لأنني لم أسرف في تبديد طاقتي وشبابي خلال فترة المراهقة كنت مولعاً بالألعاب الرياضية ولم يكن عندي وقت أضيعه في هذه المعاكسات التي تشغل المراهقين عادةً في مثل ذلك العمر. ومضت المراهقة لكني ظللت أبدو دائماً لمن يراني أصغر من عمري الحقيقي بعشر سنوات ورغم صحتي الجيدة ومشاعري الشابة لم أكن أسعى أبداً لمعاكسة ومطاردة الفتيات. ربما كنت أنطلق من موقفي هذا من مبدأ أخلاقي وكنت أسأل نفسي دائماً هل أقبل أن يحدث مع واحدة من أخواتي؟ لكني وجدت نفسي في موقفٍ لا أُحسد عليه. فأصبحت رجلاً متزوجاً وقع في الحب ولا يستطيع أن يهرب منه ولا أن يجد حلاً.

قرار الإنفصال

لم أجد أمامي غير هذا الحل الوحيد “الإنفصال عن زوجتي فتحية” التي كنت دائماً صادقاً في مشاعري معها ولم أمارس معها الكذب ولا أستطيع أن أخدعها. فقلت بنفسي: لماذا لا اعترف بالأمر الواقع بأن مشاعري نحوها قد تغيّرت أو علي الأقل لم تعد قوية. وكان لابد أن أفترق عنها لأنني لا أجيد لعبة المراوغة والخداع، ولا أستطيع أن أتحمل كل هذا العذاب النفسي. النهايات تكون دائماً مؤلمة ومدمعة. فالبدايات تكون في العادة سهلة، أما لحظات النهاية فتكون دائماً مختلطة بالآلام والدموع. لكن، أهم شيء بيننا كان اتفاقنا على المحافظة على إبننا نادر وحمايته من الآثار السلبية لتلك التجربة.

وبعد ثماني سنوات من الحياة الزوجية انفصلت عن زوجتي فتحية شريف وفي عام 1953 وفي الإسكندرية بالتحديد، وبعد انتهائنا من تمثيل فيلم “أقوى من الحب” تزوجت شادية وحكايتي مع شادية طويلة وعجيبة. فبعد زواجي منها فكرت للمرةِ الأولى بخوض تجربة الإنتاج. صحيح إني عملت من قبل مديراً للإنتاج في استديو مصر لكني في تلك المرة أردت أن أنتج لحسابي الخاص بأموالي وبجهودي الكاملة. وشجعتني على تنفيذ تلك الفكرة خبرتي الإنتاجية التي كنت قد اكتسبتها خلال فترة عملي بـ"استديو مصر".

نقلةٌ نوعية بأعمال شادية

كانت شادية حتي ذلك الوقت متخصصة في تقديم الأدوار الخفيفة في الأفلام ذات الطابع الكوميدي الغنائي وكانت عادة ما تقدم بعض الأغاني ضمن أحداث تلك الأفلام التي شاركها في بطولتها كمال الشناوي واسماعيل ياسين. ولكن تلك الأدوار الخفيفة التي أظهرتها فتاة مرحة خفيفة الظل قد حققت لشادية قدراً من النجاح لكن لم تعبِّر عن كل طاقاتها الفنية. وكنت أشعر أن في أعماقها كنوزاً فنية خافية تحتاح فقط لمن يكتشفها. إنها أكبر بكثير من تلك الأدوار الخفيفة التي اعتادت تقديمها. ليس ذلك دفاعاً عن زوجتي أو تعصباً لها. فكل زوج يدافع عن زوجته التي اختارها شريكةً لحياته. ويرى فيها كل المزايا وكل المعاني الجميلة. وأنا مثل أي زوج محب لزوجته. كنت أجد في شادية دائماً الإنسانية الرقيقة المهذبة إبنة الأصول التي جاءت من بيتٍ طيب ولم تأتِ من الشارع.

لكن رأيي فيها كفنانة لم يكن عاطفياً أبداً. بل كان إحساس فنان قبل أن يكون إحساس الزوج. فأصبح من بين أهداف حياتي الجديدة أن أرى شادية في المكان المناسب اللائق بها وأن يعرفها الناس كما لم يعرفوها من قبل ممثلة تقدم الأدوار الكبيرة التي تحتاج لممثلة كبيرة. لمطربة تمثل وتغنّي. لذلك عقدت العزم علي ان اخوض تجربة الانتاج السينمائي مهما كانت نتائجها وعواقبها، وأول اسس النجاح اختيار القصة المناسبة التي بدونها لا يكون للعمل السينمائي الناجح معنى.

مغامرة الإنتاج

لم أكن اشعر بأنها مغامرة بل كنت أحاول بهدوء أن أضمن لإنتاجي السينمائي الأول أفضل الظروف وأن أستفيد بقدر الإمكان من تجاربي السابقة في “استوديو مصر” ويكفيني ويرضيني جداً أن أغطي تكاليف الإنتاج وأن أقدم أفلاماً أفخر بها عندما أقول أنها من إنتاجي. أفلام لا أخجل منها ولا أخفض رأسي أسفاً عندما يسألون عن منتجها.

ووفقني الله في العثور على قصتين جيدتين، “شاطئ الذكريات” و"ليلة من عمري" وشرعت عملياً في الخطوات العملية للإنتاج. كنت أشعر أن شادية قلقة. فدورها في شاطئ الذكريات يختلف عن أدوارها السابقة وأيضا في “ليلة من عمري”. ولأنني ممثل كنت أحترم ذلك القلق الذي يلازم الممثلين والممثلات خاصةً عندما يخوضون تجربة فنية جديدة.

كانت شادية تتصور أن أدوارها الخفيفة الغنائية هي أنسب الأدوار لها ولا تتصور نفسها أبداً إلا وهي تؤدي دوراً خالياً من المرح. ولا تتخيل نفسها بطلة لفيلم خالٍ من الأغاني الناجحة التي تقدمها. لكن مع مرور أيام التصوير، بدأ قلقها يزول بالتدريج. ثم كانت الشهادة التقديرية التي حصلت عليها من الجمهور الواعي الذي أُعجِبَ بدوريها الجديدين. فقد كان الفيلمان بداية لمرحلة جديدة في حياة شادية، انتقلت فيها من الأدوار الخفيفة إلى الادوار الجادة الكبيرة في التراجيدية المؤثرة. من هنا كان اتجاهها لأدوارها الأخرى ذات القيمة الفنية الكبيرة مثل دورها في فيلم “موعد مع الحياة” إلى جانب فاتن حمامة ودورها فيما بعد بفيلم “المرأة المجهولة”، وكان هذا التحول أحد الجوانب الإيجابية في حياتنا الزوجية.

لقد عشنا معاً النجاح المشترك. وكان شيئاً رائعاً، أن أنجح أنا وأن تنجح زوجتي ليصبح نجاحنا المشترك قوة لنا نحن الإثنين معاً.لكن الحب الزائد عن الحد سلاح ذو حدين. وفجأة، توقف قطار الرحمة، قطار السعادة. توقف في منتصف الطريق قبل الأوان، قبل أن يصل إلى محطتة الأخيرة. فأقسي شيء هو أن يضطر المسافر للتوقف في منتصف الرحلة ان ينزل في محطة لا يرغبها، أن ترسو سفينته في ميناء لا يتوقعه وعلى شاطئٍ موحش لا يميل للنزول الاضطراري فيه. ولقد كان الأمر مؤلماً ومحزناً. لكن هذه القرارات تكون أحياناً ضرورية لاستمرار الحياة.

فأنا ما زالت أذكر لقائي الأول مع شادية داخل قطار الرحمة المتجه إلى أبعد بلاد الوجه القبلي في المحطة الأولى. وتعارفنا في المحطة الثانية، وإعجابنا في المحطة الثالثة. وعندما شعرت بحاجتي قلت أنه موعدي مع السعادة وتركت زوجتي الأولى أم نادر ليس لأن الزوج الذي له أولاد يتخذ قرار الإنفصال عن زوجته بسهولة ودون ألم، بل بالعكس، لقد كان أصعب قرار اتخذته. لقد اعتبرته تضحيةً كبرى. فقرار الإنفصال إذا لم يكن صحيحاً يدمر صاحبه. فلقد كانت حياتي مستقرة مع زوجتي الأولى فتحية شريف. وكان كل شيء هادئاً حتى ظهر ذلك القطار العجيب قطار الرحمة الذي هزني حتي الأعماق وزلزل روحي.

إنفصالٌ جديد

لكني لم أكن أنتظر النهاية بمثل تلك السرعة الخاطفة. فبعد ثلاث سنوات فقط، كنت أتصور أني سأقضي بقية سنين العمر إلى جانبها في عامى1956 أثناء الإعتداء الثلاثي على مصر، حدث الإنفصال بيننا. وكتبت الصحف وقتها كلاماً كثيراً. قالوا أن الغيرة هي السبب، قالوا وقالوا...، لكن هل تُعتَبَرغيرة الزوج على زوجته جريمة؟ التفاصيل في الحلقة القادمة.

عن موقع ايلاف على الإنترنت


ايلاف المحدودة للنشر جميع الحقوق محفوظة ايلاف المحدودة للنشر ترخص باستخدام هذه المقالة. لا يمكن إعادة نشر هذه المقالة دون التوافق مع شروط وبنود شركة ايلاف المحدودة للنشر.

تم نقل هذا المقال بناء على ما جاء في الفقرتين 4-2 و4-3 من حقوق الملكية الفكرية المذكورة في شروط الأستخدام على موقع إيلاف :

  • مسموح لك بنسخ أو تنزيل المقالات المنشورة على الموقع من أجل إعادة عرضها على مواقع أخرى بشرط أن تعرض تلك المقالات بنفس تنسيقها وشكلها.
  • يجب وضع رابط للموقع بين عنوان المقالة والفقرة الأولى منها.
  • كما يضاف البيان التالي في نهاية المقالة : ايلاف المحدودة للنشر جميع الحقوق محفوظة ايلاف المحدودة للنشر ترخص باستخدام هذه المقالة. لا يمكن إعادة نشر هذه المقالة دون التوافق مع شروط وبنود شركة ايلاف المحدودة للنشر.


الحلقة السابعة


إيلاف


الإثنين 30 يناير 2017
إيلاف - أول يومية إليكترونية صدرت من لندن عام 2001
أحمد طه من القاهرة


"فتى الشاشة" يروي سيرة حياته (7\11)

عماد حمدي “الصياد الحزين” : لا أنسى صراخ إبني في السينما


JPEG - 31.4 كيلوبايت
الفنان الراحل عماد حمدي


"إيلاف" من القاهرة : لمناسبة ذكرى وفاته، تلقي “إيلاف” الضوء على مسيرة الفنان الراحل عماد حمدي الذي لُقِّبَ بـ"فتى الشاشة الأول" لأكثر من 20 سنة، من خلال عرض مذكراته التي صدرت بتوقيع الناقدة إيريس نظمي قبل أكثر من 3 عقود، علماً أن الراحل سجلها قبل وفاته.
وفي الجزء السابع يتحدث عن سبب الطلاق بينه وبين الفنانة شادية وكيف تسبب “أولاد الحلال” في الإيقاع بينهما، بالإضافة إلى المشاكل النفسية التي تعرض لها بعد انفصاله عنها بسبب حبه الشديد لها رغم أن زيجتهما استمرت فقط ثلاث سنوات.

الغيرة القاتلة

إن غيرة الزوجة علي زوجها أوغيرة الزوج علي زوجته شئ طبيعي وعادي لا يستحق كل تلك الدهشة. ولا أريد أن أخوض كثيراً في الأسباب التي دفعتنا إلى الطلاق بعد زواج ثلاث سنوات فهذه أمور تخص الزوجين وحدهما ومن حق كل انسان أن يحتفظ بتفاصيل حياتة الخاصة المهم أن الطلاق قد حدث.

وظلت الصحف تكتب كثيراً عن حكاية طلاقنا وكأنها لا تجد أي حكايات أخرى تتحدث عنها دون مراعاة لمشاعري الخاصة وحالتي النفسية التي ساءت جداً بعد انفصالي عن شادية. ولولا الصيد لكنت قد أصبت بأخطر الأمراض. لكن، هواية صيد السمك كانت منقذي الوحيد. وذلك لأن صيد السمك ينسي المرء همومه ويقضي علي الشعور بالوحدة، الصياد دائما في حالة انتظار وهو في حاجة باستمرار إلى قدرٍ كبير من التركيز الذهني حتي لا يفلت الصيد في لحظة شرود. فالذي يصطاد السمك يتعلم من البحر التأمل والصبر بالإضافة إلى أن الهواء المتجدد ينعش روحه المعذبة خاصةً إذا كان قد خرج من أزمةٍ نفسية غير عادية.

صيد السمك

وبعد انفصالي عن شادية ركبت سيارتي واتجهت إلى الاسكندرية والقيت بهمومي وأحزاني وسط ذلك البحر الذي ليس له نهاية لقد أفادني الصيد كثيراً في أزماتي العاطفية وخاصةً في الأيام التي أعقبت انفصالي عن شادية. والحقيقة أني أخذت هواية صيد السمك عنها. فهي كانت قد ارتبطت بهذه الهواية منذ كانت طفلة صغيرة تعيش مع والدها في أنشاص وحول البيت الذي عاشوا فيه هناك كانت توجد الترع وتنتشر بكثرة. ومن هنا تولدت هذه الهواية في نفسها وعندما تزوجتها كانت تمارس هواية صيد السمك وأصبحت أخرج معها لأشاركها هذه الهواية لدرجة إني أصبحت مرتبطاً بها أكثر منها. والغريب أن تعلقها بتلك الهواية بدأ يتضاءل في الوقت الذي ازداد تعلقي أنا بها لتصبح هوايتي الأولى المفضلة، هي تنساها وأنا اعتبرها خلاصي، فهي علمتني فن الصبر، فن صيد السمك.

لكن يجب أن اقول الحقيقة شادية لم تكن أبداً مادية. ليست من اللاتي يجرين وراء الماديات. لقد كانت المشاعر الإنسانية الصادقة أهم عندها من كل شيء. شادية إنسانة خجولة – لكن تنقصها الجرأة وهذا ما يسبب لها أحيانا بعض المتاعب. شادية إنسانة يحبها من يعرفها. صوتها هادئ ورقيقة بطبعها. تلك هي الحقيقة التي لا أستطيع إخفاءها او إنكارها، لقد افترقنا. لكني لا أحمل لها أي حقد أو ضغينه بل أحتفظ لها بكل التقدير.

توقف قطار ما بعد منتصف العمر في محطة الفراق وأطلق صفارة الوداع. واندفعت طيور الفرح مذعورة مهاجرة إلى أرض الأحزان البعيدة بحثاً عن النسيان لعلها تجد هناك السعادة المفقودة والأمل الضائع مع العمر الذي يسرع خطاه بغير تمهل او انتظار. وأقولها صريحة: لقد اكتشفت الحقيقة في وقتٍ متاخر كما يحدث دائماً بعد فوات الاوان، كان أولاد الحرام وارء انفصالنا سامحهم الله.

الهروب إلى العمل

في الحقيقة، لم يكن الصيد لساعاتٍ طويلة الدواء القوي للشعور بالوحدة. ولم يكن التعويذة السحرية التي توصلني لطريق النسيان. لقد كان من الطبيعي أن لا أقضي كل وقتي في الصيد مع الأسماك. فالحل السليم الوحيد هو الإنهماك في العمل والاإشغال بأدوار وأفلام جديدة. فالعمل الفني متعة ويُنسي الهموم الشخصية. لقد حاولت أن أعود من جديد إلى عالمي الذي أجد نفسي فيه في الاستديوهات، والبلاتوهات. فأنا أكاد أذوب في الشخصيات التي أؤديها. أنفعل بحياتها وأعيش مواقفها. فانسى مؤقتاً همومي الخاصة. وأعود آخر الليل مرهقاً لانام وأصحو في الصباح التالي لأعيد الدورة من جديد لأدور من جديد في دائرة النسيان.

كانت عودتي إلى الاستديوهات ثقيلة في بداية الأمر. لكني تماسكت لم تهزني النظرات الشامتة ولا الإبتسامات الصفراء. لم أتاثر بكلمات الحاقدين الشامتين ومضيت متفانياً في أداء أدواري الجديدة التي بدأت تاخذ طابعاً جديدا مختلفاً. لقد ظللت “الفتى الأول” لفترةٍ طويلة أمام فاتن حمامة ومديحة يسري وشادية وبقية ممثلات السينما المعروفات. “فتى أول” من نوعٍ مختلف. “فتى أول” في الأربعين لديه وقار الكبار. لا يعتمد على صغر سنه وجمال ملامحه. أذكر مثلاً دوري في فيلم “بين الاطلال” الذي أخرجه عز الدين ذو الفقار وشاركتني في بطولته فاتن حمامة. وهو من الأفلام التي حققت نجاحاً خرافياً ولم يقل أحد أن الدور لم يكن مناسباً لي لأن الشخصية تمرّ بمراحل مختلفة بطريقة مقنعة، وأثناء تصوير ذلك الفيلم توثقت علاقتي بالضابطين السابقين عز الدين ذو الفقار ويوسف السباعي.

إتصال السباعي

لم أكن قد التقيت بيوسف السباعي من قبل وأذكر ذات يوم وبينما كنا نستعد للبدء في تصوير فيلم “إني راحلة” دق التليفون ورفعت السماعة وسمعت صوتا مهذبا حاولت أن أميّزه لكنه كان صوتاً غير مالوف بالنسبة لي. قال: إزي الصحة؟ أجبت: الحمدالله؟ فأردف: أنا يوسف السباعي. فقلت: أهلا وسهلاً فرصة سعيدة. فأردف: أنا سعيد لأن انت بالذات اللي هتمثل دور البطولة مع الفنانة مديحة يسري اختيار سليم فعلا، ايه رايك نتقابل؟ قلت: بعد التصوير. فسارع مجيباً: لا قبل التصوير والأفضل أن نلتقي اليوم، عايز أتكلم معاك عن شخص رواية “إني راحلة” خصوصاً الشخصية اللي هتمثلها إنت بالذات ضروري أشوفك.
شعرت بالدهشة فلم يكن مألوفاً في ذلك الحين أن يطلب مؤلف القصة بطل الفيلم ليتحدث معه عن دوره في الفيلم قبل البدء في التصوير. وتكرر نفس الموقف عندما بدأنا نستعد لتصوير فيلم بين الأطلال. فذهبت إليه وظل لساعاتٍ يُحدثني عن البعد السينمائي لشخصية البطل التي سأؤديها وعن تفاصيل الرواية كلها. وأثناء التصوير جاء إلى الاستديو أكثر من مرة ليشاهدنا ونحن نقدم أعماله الأدبية علي الشاشة. كان حريصاً على عمله. ليس هدفه فقط أن يوقع العقد ولا يهمه فقط أن تظهر روايته على الشاشة. كان يهمه أولا أن تظهر على الشاشة بالصورة اللائقة التي يتمناها. والحقيقة أنه كان لطيفاً في إبدائه لملاحظاته حتى عندما كانت له بعض الإنتقادات التي كان يقدمها هامساً كما يفعل المهذبون. وكدت لا أصدق أنه كان ضابطاً في سلاح الفرسان. فالضباط عادةً بحكم حياتهم العسكرية يكونون جادين أكثر من اللازم إلى حد الغلاظة، لكن “السباعي” أخذ من الأديب الفنان رقته وأدبه وإنسانيته. فكان رجلاُ رقيقا وأديباً كبيراً. كان يشعر نحوي بالإرتياح وأنا أيضاً كنت أبادله نفس شعور الإرتياح.

دموع ولدي نادر

المهم أن “بين الأطلال” حقق نجاحا كاسحاً. ولا أنسى أبداً تلك الليلة التي ذهب فيها إبني نادر إلى دار سينما ديانا ليشاهد الفيلم الذي أظهرني في مشهده الأخير وانا أحتضر وأموت وفجأة ووسط الصمت المخيم على دار السينما، ومن شدة التأثر سمع الجمهور صوتاً يصرخ: “لا لا بابا ماماتش بابا ماماتش”! وكان ابني نادر هو الذي يصرخ. فبعدما رأى والده يموت على الشاشة ظنها الحقيقة بحكم صغر سنه. وحاول الحاضرون أن يهدأوا من روعه، وأن يفهموه بأن ما يراه علي الشاشة ليس إلا تمثيلاً. لكنه لم يصدق ولم يتوقف عن البكاء إلاعندما رأني عائداً إلى البيت، فصرخ من الفرح وراح يقبلني ودموع الفرح تسيل على خديه.

وداع الفتى الأول

ولقد لاحظت فجأة أنني لم أعد شابا كما كنت الشعرات البيضاء تسللت الي رأسي التجاعيد، أصبحت واضحة فوق وجهي لكن المخرجين لم يقتنعوا بذلك وظلوا يصرون علي ترشيحي لأدوار الرجل العاشق الذي تهواه النساء وكان لابد أن أقول Stop. وقلت لنفسي: لقد مضى زمن “الفتى الاول” لا أريد أن أؤدي بعد الآن أدوار “الفتى الأول” على الشاشة.

كنت أستطيع أن أذهب للخارج، لأجري عملية شدّ وجه في إنجلترا بالذات. حيث يتم هناك ببراعة إخفاء تجاعيد الوجه وبصمات الزمن الواضحة. كنت أستطيع أن أخفي شعري الأبيض بصبغة سوداء لن تكلفني أكثر من بضعة قروش. ولكن ما قيمة ذلك كله، ولماذا نقف ضد حركة الطبيعة ومنطق الأشياء. وكنت أحاور نفسي فأقول: من الصعب أن تعترف المرأة بأنها دخلت مرحلة الشيخوخة، والنساء لهن أعذارهن المقبولة. ولكن لماذا يفعل الرجل ذلك وماهي اعذاره، وما معني أن يخفي الرجل حقيقة عمره؟ ولماذا يتوارى خلف الأصباغ التي لن تنجح في خداع الآخرين؟ ماذا سيقول عني الجمهور الذي ظل يراني على الشاشة منذ ما يقرب من عشرين عاما. وماذا سيقول عني وهو يراني متمسكا بأدوار “الفتى الأول” التي لم تعد تناسبني. بالطبع سيسخر الجميع مني، فلماذا أجعل نفسي أضحوكة في أعينهم؟ و لماذا أبدو متصابياً. فالناس لن يصدقوني في تلك الحالة. وعندما لا يصدق الناس ممثلاً، تكون قد أتت نهايته. لقد شعرت بأن أحاسيسي ستكون مزيفة مصبوغة مثل شعري ومشدودة مثل جلد الوجه. فقلت: لالا لن أصبغ شعري ولن أشد جلد وجهي. سأبقي كما أنا بدون إدخال أي تحسينات أو تعديلات. فإلى متي سأظل أقول للبطلة “شايفة القمر يا ليلى”؟ وهذا لا يعني أني اخجل من أدواري التي أديتها في تلك المرحلة. بل بالعكس. فأنا أعتز بدوري في فيلم “أقوى من الحب” وأدواري في “شاطئ الذكريات” و"ليلة من عمري" و"إني راحلة" و"بين الاطلال"، وكيف أنسى فيلم “موعد مع الحياة” كيف أنسى الموقف العجيب الذي تعرضت له أثناء تصويره.

كان البعض يتصور إني سكير كبير بل وتمادوا في تخيلاتهم وتصوروا إني من مدمني المخدرات أيضا، قد يكون السبب اني ظهرت كسكير في بعض أفلامي لكن ذلك ليس صحيحاُ تماماً فليس شرطا أن يكون الممثل حشاشاً حتي يستطيع أن يعبِّر عن إنفعالات شخص يدخن الحشيش. فأنا لا أنكر أني أتناول بعض المشروبات الكحولية، ولكن ليس للدرجة التي تفقدني وعيي.

وحدث مثلاً ذات مرة أن رشحني المخرج عز الدين ذو الفقار لأداء دور أمام فاتن حمامة في فيلم “موعد مع السعادة” وكان المفروض أن أبدو سكيرا في بعض مشاهد الفيلم ولم أكن سكيراً في الواقع. بل كانت المرة الأولى التي سأودي فيها دور السكير الذي يفقد وعيه تماماً وينسى كل تصرفاته. وفكرت أن أجرب بنفسي أن اتناول الشراب بنفس أحاسيس السكران وحتي أؤدي دورالسكير علي الوجه الأكمل وبالفعل أحضرت زجاجة ويسكي وظللت أشرب وتصورت إني قد أصبحت في الفورمة وإني بهذه الطريقة سأعرف كيف اؤدي دور السكير بأفضل صورة، سأعرف كيف أندمج في الدور اندماجاُ كاملاُ وكانت أفلام عز الدين ذو الفقار مشهورة بالحوارات الطويلة فجمل الحوار فيها ليست قصيرة سريعة بل معظم المشاهد طويلة.

المهم أن وقت التصوير كان قد حان وأنا في غاية الاندماج ليس في التمثيل ولكن في تناول الويسكي ووقفت أمام الكاميرا وكان المفروض أن أقول الحوار الذي كان مكتوباً في ثلاث صفحات ولم أتذكر كلمةً واحدة. حاولت أن أسترجع ما قرأته وحفظته ولكن بلا جدوى. ضاع الكلام من ذهني وأصبح لساني ثقيلاً بطيئاُ في حركته. وحاولت أن أندمج ولكن بلا فائدة وتطلع نحوي المخرج عز الدين ذوالفقار مندهشاً. وسألني: إنت شارب. قلت : أيوه. فسألني مجدداً : ليه؟ أجبت:علشان أندمج في الدور! فقال لي: وعايز تمثل! قوم قوم روح علي البيت بكرة تجيلي فايق.
وخرجت من الاستديو وأنا غارق في خجلي وعرقي. كان منظري يدعو للرثاء. وكان درساً لا أنساه أبداً.

في الحلقة المقبلة، يسرد “حمدي” قصة اللقاء مع نادية الجندي و قصة حبه لها.

عن موقع ايلاف على الإنترنت


ايلاف المحدودة للنشر جميع الحقوق محفوظة ايلاف المحدودة للنشر ترخص باستخدام هذه المقالة. لا يمكن إعادة نشر هذه المقالة دون التوافق مع شروط وبنود شركة ايلاف المحدودة للنشر.

تم نقل هذا المقال بناء على ما جاء في الفقرتين 4-2 و4-3 من حقوق الملكية الفكرية المذكورة في شروط الأستخدام على موقع إيلاف :

  • مسموح لك بنسخ أو تنزيل المقالات المنشورة على الموقع من أجل إعادة عرضها على مواقع أخرى بشرط أن تعرض تلك المقالات بنفس تنسيقها وشكلها.
  • يجب وضع رابط للموقع بين عنوان المقالة والفقرة الأولى منها.
  • كما يضاف البيان التالي في نهاية المقالة : ايلاف المحدودة للنشر جميع الحقوق محفوظة ايلاف المحدودة للنشر ترخص باستخدام هذه المقالة. لا يمكن إعادة نشر هذه المقالة دون التوافق مع شروط وبنود شركة ايلاف المحدودة للنشر.


الحلقة الثامنة


إيلاف


الثلاثاء 31 يناير 2017
إيلاف - أول يومية إليكترونية صدرت من لندن عام 2001
أحمد طه من القاهرة


"فتى الشاشة" يروي سيرة حياته (8\11)

عماد حمدي: “الأيام الصعبة” وقصة زواجه بـ"نادية الجندي"


JPEG - 43.1 كيلوبايت
عماد حمدي مع زوجته نادية الجندي وابنه


"إيلاف" من القاهرة : لمناسبة ذكرى وفاته، تلقي “إيلاف” الضوء على مسيرة الفنان الراحل عماد حمدي الذي لُقِّبَ بـ"فتى الشاشة الأول" لأكثر من 20 سنة، من خلال عرض مذكراته التي صدرت بتوقيع الناقدة إيريس نظمي قبل أكثر من 3 عقود، علماً أن الراحل سجلها قبل وفاته.
وفي الحلقة الثامنة يتحدث عن لقائه بالفنانة نادية الجندي وارتباطه بها مستعرضاً مراحل العلاقة بينهما في السنوات الأولى وأيامه الصعبة بتراجع أعماله.

حب في البلاتوه

ويتابع “حمدي” سرد مذكراته قائلاً: إختارني المخرج حسن الإمام للمشاركة في بطولة فيلم “زوجة من الشارع” الذي كان يُفترض أن يتم تصويره في بلدة اج. وشعرت بالحماس لهذا للفيلم خاصةً بعد أن عرفت أن هدي سلطان وكمال الشناوي سيشاركانني البطولة فيه. فأنا عملت من قبل مع كمال الشناوي وأعرف مدى حبه لفنه ورغبته المخلصة في تقديم الجديد المتطور. وهدى سلطان هي ممثلة ومطربة لها في نفسي قدراً كبيراً من الإحترام. ولقد سمعت أيضا أن هناك ممثلة جديدة اسمها نادية الجندي ستظهر في الفيلم.

لم أكن قد سمعت باسمها من قبل، لكنني كنت دائماً مع إتاحة الفرص للوجوه الجديدة لكن دون إنكار خبرات الأجيال السابقة من الممثلين والممثلات. ورأيت نادية الجندي لأول مرة في بلده أجا. لاحظت أنها شابة وجميلة وشديدة الحيوية. ومن خلال العمل أمام الكاميرا والظهور في مشاهد مشتركة كأن لابد أن يكون بيننا حوارات وتعليقات. وكأي ممثلة جديدة فإنها كانت بحاجة إلى توجيهات وإرشادات من سبقوها في ذلك المجال. وأنا بطبعي لا أبخل أبداً بالتوجيهات المخلصة، وكنت أقدّمها دائماً للممثلين الجدد الذين يعملون معي. ولقد كان طبيعياً أن أقدم تلك التوجيهات للممثلة الجديدة نادية الجندي.

وفي فترات الإستراحة ما بين التصوير، بدأت أفكر بعمق في حياتي الموحشة التي أصبحت مثل صحراء قاحلة ليس فيها غير كثبان الرمال لاخضرة لاماء لاحياة. والظمأ يكاد يقتلني والشعور الحاد بالوحدة يلاحقني. أنشغل بحياة الاستديوهات في النهار ولكن عندما يأتي الليل الموحش أشعر بالاكتئاب. حيث لا أجد حولي من يحادثني، أو يسمعني، أو يرد على تساؤلاتي ولا من يسمع ندائي. وكنت أقول لنفسي: ماذا يفعل رجل وحيد لو داهمه المرض فجأة؟

ست سنوات عشتها وحدي بعد انفصالي عن شادية أصبحت أشعر أكثر من أي وقت مضي بحاجتي الي شريكة وأنيسة تبدد وحشة البيت والليل وتعيد إلي حياتي شيئاً من الحياة. فبعد سن الأربعين تشتد حاجة الإنسان إلى شريكة لحياته تؤنس أيامه ولياليه وتخفف عنه وحدته وهمومه. لكنني سألت نفسي: لماذا تنتابني كل تلك الهواجس بعد أن رأيت الممثلة الجديدة نادية الجندي.

نعم بدأت اتخيلها شريكةً لحياتي. والغريب أنني لم أفكر كثيراً في احتمال عدم حدوث تقارب بسبب فارق العمر. فالعواطف الجارفة تحجب العقل، تمنعه حتى من التفكير السليم. لكن هكذا كانت بداية قصة الزواج الثالث مع انتهاء فيلم “زوجة من الشارع”. عدت إلى البيت بزوجة، وبعد عامٍ من الزواج أنجبت نادية ابننا هشام.

العودة إلى المسرح

دق التليفون وسمعت الأستاذ سيد بدير وهو يدعوني للقائه في مكتبه الجديد الذي انتقل إليه مؤخراً بعد أن أصبح مديراَ لمسارح التليفزيون، ذلك المشروع الفني الكبير الذي لا تكف الصحف عن الحديث عنه منذ فترة بعيدة لم أسمع صوته. العمل المتواصل يحرم المرء من متعة اللقاء مع الأصدقاء. إن علاقتي بالاستاذ سيد بدير قديمة جداً منذ أن كنت هاوياً بفرقة “أنصار التمثيل والسينما” التي كان هو أحد المسؤولين عنها. وفي الموعد المحدد للقاء كنت أجلس أمامه فبادرني قائلاً: مارأيك لو نتعاون معاً؟ سألته بماذا؟ فأجاب: بالتمثيل طبعاً. فقلت: أنت تعرف مدى حبي للمسرح. فقال: إذن فانت موافق؟ فقلت: ليس لدي أي مانع. وكانت انطلاقة مسرحية جديدة بثلاث مسرحيات الأولى “خان الخليلي” التي أخرجها حسين كمال، والثانية “خطيئة حواء” وأخرجها جلال الشرقاوي، والثالثة" الرجل والطريق" وأخرجها محمود الشريف. لقد كنت سعيداً بهذه التجربة التي أعادت لعقلي كل الذكريات الرائعة القديمة وملأت نفسي بحماس الشباب. لقد ذكرتني ببداياتي وخطواتي الأولى علي خشبة المسرح، وكان حلمي الكبير أن أشارك في بطولة إحدى المسرحيات، وأن أحقق نجاحاً مسرحياً كبيراً. ولقد شاءت الظروف أن تُحقق لي هذه الأمنية، ولكن بعد سنواتٍ طويلة، وبعد أن أصبحت نجماً سينمائياً.

ورغم إني لم أواصل العمل مع فريق التليفزيون المسرحي لعدم تمكني من السفر لعرض هذه المسرحيات أمام جمهور المحافظات البعيدة بسبب انشغالي وارتباطي بعقودٍ وأدوار وأفلام سينمائية جديدة، إلا أن علاقتي بالمسرح لم تنتهِ عند هذا الحد. بل تجددت عندما بدأت أعمل على مسارح هيئة المسرح التي يسمونها مسارح القطاع العام. لكن الظروف التي واجهتني بعد ذلك جعلتني أبتعد عن المسرح رغم حبي الشديد له.

توقيتٌ خاطئ

وحدث مثلاً أن رشحني المخرج كمال ياسين لدور البطولة في مسرحية للاستاذ توفيق الحكيم اسمها “شاهين ما مات”. ولم أتردد لحظة واحدة في قبول الدور. فالنص جيد والشخصية التي سأؤديها من الشخصيات تمتع وتشبع الممثل وبدأنا البروفات، وكان يشاركني في بطولة المسرحية سميرة محسن وحسن عابدين ومجموعة أخرى من الممثلين الجيدين. وفوجِئت أن الوقت المحدد لعرض المسرحية هو شهر “مايو”. شهر انشغال كل البيوت بالإمتحانات فكل طالب مشغول بالإستعداد للإمتحانات وكل أسرة مشغولة بالطبع بأبنائها الذين تحرص علي نجاحهم بل وتفوقهم. فسألت: أي طالب ذلك الذي سيشغل نفسه بمشاهدة إحدى المسرحيات مهما كانت جيدة ورائعة خاصة قبل بدء الإمتحانات بأيام قليلة، وأي أسرة تلك التي ستترك ابنها في تلك الظروف العصيبة وتذهب لقضاء ليلة ممتعه تاركة إياه مع قلقه ومخاوفه؟

وحدث ما توقعته. فذات ليلة وجدت في صالة المسرح عشرة متفرجين فقط. وكانت المفاجآة غير سارة لأي ممثل. وهذه هي نتائج التوقيت الخاطئ لعرض مسرحية جديدة في شهر الإمتحانات. وفي تلك الليلة قررت ألا أتعامل مع فرق القطاع العام، لكن حنيني للمسرح عاودني مجدداً. وبعدم إصراري على عدم التعامل مع فرق هيئة المسرح، لم يكن امامي سوي فرق القطاع الخاص. فحدث أن وافقت على المشاركة في بطولة مسرحية اسمها “كله عاوز من كله”. وعندما بدأ عرضها في الاسكندرية، كانت أمواج البحر تغطي علي كل شيء. فالمسرح الذي نقدم فيه المسرحية قريب جدا من الشاطئ لدرجة أن أصواتنا كانت تضيع وسط أحداث هدير امواج البحر بل وصل الأمر إلى حد أن الممثلين أنفسهم لم يتمكنوا من سماع بعضهم البعض على الخشبة. كما أن مستوى المسرحية الفني لم يكن لائقاً بخبرتي، ناهيك عن متاعب السفر. فكان لابد أن أعود في كل يوم إلى القاهرة بسبب ارتباطات قديمة بالعمل في بعض الأفلام السينمائية في الليل. أمثل في الإسكندرية وعند منتصف الليل أبدا رحلة العودة إلى القاهرة لكي أشترك في تمثيل الفيلم الذي كنت مرتبطًاً به. ثم أعود في المساء إلى الإسكندرية وهكذا ولم أكن أعرف النوم إلا في القطار لكن حتى النوم داخل القطار. لقد كان نوماً قلقاً مرهقاً. فبمجرد أن أغمض عيني وأغفو قليلاً حتي أسمع صوت المفتش تذاكر .تذاكر يا حضرة، ثم يأتي مفتش آخر لدرجة إني فكرت في تعليق لافتة فوق صدري مكتوب عليها" والله العظيم معايا تذكرة".

لا أحد يمكنه أن يقدر ظروف الفنان في تلك اللحظات. وأذكر إني وصلت إلى محطة سيدي جابر ذات مرة قبل رفع ستار المسرح بدقائق قليلة وكان من الصعب أن أعثر علي تاكسي. فحاولت أن أستعطف أي سائق تاكسي، ولكن بلا جدوى. وكان الوقت يمر والستار يوشك أن يرفع والتاكسيات كلها مشغولة ولا تريد أن تتوقف أوحتى تتمهل قليلاً. فوجدت"أاتوبيس" مزدحم بالركاب. فاندفعت أجري نحوه وتعلقت ببابه، عرفني “الكمساري” فصاح قائلاً: أستاذ عماد :مش معقول! فأجبته:" أعمل إيه ورايا مسرح في الشاطبي". لكنه اعتذر قائلاً: “إحنا مش رايحين الشاطبي ..رايحين الورديان”، فقلت : أنا متأسف مكنتش أعرف. وبدات أستعد للنزول في أول محطة. لكن، يبدو أن “الكمساري الطيب” قد ترفق بحالي فأراد أن يقدم لي خدمة إنسانية. فقد لمحت في عينيه تعاطفاً معي. فقلت له : أنا في عرضك عايز أوصل المسرح بأي صورة بأسرع ما يمكن. وذهب الكمساري نحو السائق، وهمس في أذنه ببضع كلمات ونظر السائق نحوي ثم هز رأسه ووجدت الأتوبيس يغير اتجاهه ويسير في اتجاهٍ آخر، وبدا السائق يزيد من سرعة الأتوبيس ونظر الركاب إلى بعضهم البعض مندهشين وتعالت التعليقات المستنكرة “على فين يا اسطى الطريق مش من هنا ماشي علي كيفو وشعرت بالحرج الشديد. وقلت”الحمد الله أن الركاب لم يعرفوني جيداً". فهم لم يفهمو أنني السبب في ذلك التغيير المفاجئ لخط سير الأتوبيس وأخيراً وجدت نفسي بالقرب من المسرح، واندفعت أجري ونسيت أن أشكر ذلك" الكمساري الطيب" الذي قدّم لي خدمةً إنسانية لن أنساها أبداً.

إهانةٌ بالغة

وإذا كنت لم أنس “كمساري الإسكندرية” الطيب، فإنني لا أنسى أيضا ذلك الرجل الذي أهانني إهانة بالغة لن أنساها أبداً. فالانسان بطبعة لا ينسى من مدوا له يد العونو من وقفوا إلى جانبه في لحظات الشدة وأيام العذاب، ولا ينسى أيضاً من حاولوا إذلاله ومن تعمدوا إهانته. كانت صناعة السينما قد بدأت تمر بظروف صعبة قبل نهاية الستينات. أغلقت الاستديوهات أبوابها واطفأت أضواءها وأصبح معظم الفنانين في حالة انتظار عقود العمل التي لا تأتي أبداً.ف أكبر الفنانين عرفوا البطالة. وكان هناك طاقات فنية نادرة أصبحت معطلة في أحد تلك الأيام. وفي أيام الكساد السينمائي شاءت الصدفة أن أصدم بسيارتي دون أقصد طبعاً سيارة أخرى لم تكن نتائج التصادم فادحة. لكن صاحب السيارة رفض التفاهم وأصر على اتخاذ الإجراءات الرسمية التي تُتبع عادًة في مثل تلك الأحوال. وحكمت له المحكمة بمبلغ أربعمائة جنية ولم يكن في جيبي ولا في بيتي ذلك المبلغ. ورغم ذلك تمسك صاحب السيارة بموقفه المتشددو ظل يرفض التفاهم حتى علي طريقة تسديد الغرامة كان يريد المبلغ كاملاً وبأسرع ما يمكن مهدداً بأنه سيوقع الحجز على بيتي،و لم يكن يمزح بل كان جاداً جداً وصارماً جداً إلى حد القسوة غير الإنسانية. فقلت له:أالا يمكن الإنتظار قليلاً؟ قال : لا. قلت: أمهلني فرصة. فأجاب: لن أنتظر أكثر من ذلك. فقلت: ظروفي المادية لا تسمح الآن بدفع المبلغ. فقال: إذن سينفذ حكم المحكمة بالحجز على بيتك.

وحكيت له حكاية تصادم سابقة مع سيارة شخص غير مصري. وقلت له لقد كان هذا الشخص كريماً جداً معي فعندما اكتشفت شخصيتي تنازل بلطف عن مطالبه ورفض أن ياخذني مني أي تعويض، الأجنبي فعل ذلك وأنت أيها المصري لا تريد أن تقدر ظروفي، لكن قلبه لم يلن. ولم يتاثر لحظةً واحدة. وقلت في محاولة أخيرة لإنهاء الموقف، ليست معي الآن أي مبالغ نقدية. البيت فيه أشياء كثيرة خذ ما يساوي قيمته أربعمائة جنية وعرضت عليه راديو وكاسيت وبعض التحف، لكنه قال بطريقة أذهلتني وحيرتني: أنا عايز بدلك! تصوّرت إني لم أسمع جيداً. فعدت أستوضح: عايز إيه؟ فقال: البدل! قلت: مستحيل، حتعمل إيه ببدلي؟ فقال : مش عايز غير البدل بتاعتك!

قلت له: خد أي شئ تاني أمامك تحف ثمينة إختار منها قيمة المبلغ. لكنه قال باصرار يدعو للدهشة، مش خارج من هنا بدون البدل. وإلا حاخليهم ينفذوا الحجز علي البيت، يا البدل بتاعتك، يا الحجز.

عودة الذكريات

وبطريقة السينما في استرجاع الماضي الفلاش باك تذكرت أيام الرخاء والثراء في حياتي تذكرت الخمسينات واسطبل الخيول الذي الذي كنت أقتني فيه 35 جواداً من أفضل خيول السباق.لقد استعادت ذاكرتي الأيام التي كنت أتعامل فيها مع الكبار فرغلي باشا وعبود باشا. لم يكن المال هدفاً بل مجرد وسيلة للحياة. ولكن بعد أن انحسر الإهتمام بهواية سباق الخيل. بدأت أفقد اهتمامي بتربية الخيول حتى أن مدرب الخيول وهو يهودي من مواليد بولاق كان يمتلك حصاناً واحداً عندما بدأ الإشراف على تدريب الخيول التي كنت أمتلكها، لكنه أصبح يمتلك إسطبلاً مليئا بالخيول. خيوله هو في الوقت الذي كنت أبيع أنا فيه خيولي. هكذاهي الحياة وكان ذلك المدرب اليهودي يستوقفني دائماً في الشواع ثم يشير نحو حصان يجر عربة حنطور أو يجر بعض الأحمال الثقيلة، قائلاً: أنظر يا استاذ عماد ألا تتذكر ذلك الحصان. اقول : لا طبعاً. فيقول : إنه حصانك كان عندنا في الإسطبل قبل ما تبيعه.

وانظر إلى الحصان الذي يجري مرهقاً متعباً والحوذي يلاحقه بالسوط الذي يهوي علي جسده الضعيف فاشعر وكان السوط يهوي على جسدي أنا. وكأن الضربة موجهه إلى قلبي. وأقول بنفسي: “ما أشبهني بذلك الحصان كان مثلي يعيش في رخاء وثراء ثم أصبح فجأة يتلقي ضربات السياط. وأصبحت أنا اتلقى تلك الإهانة من صاحب السيارة الذي يتعمد إذلالي، ويطلب ملابسي. كان مثلي مثل ذلك الحصان، لا يشكو الحاجة أو الحرمان فأصبح هزيل الجسد من قلة الطعام وأصبحت أنا قليل الابتسام من قلة المال وإنعدام الإنسانية”.

السفر إلى لبنان

وذات يوم زارني صديق قادم من بيروت، قال لي: يا أستاذ عماد عايزك تسافر معايا بعد يومين لأننا محتاجينك في فيلم لبناني. ولقد كان السفر للخارج صعباً في ذلك الوقت. ويحتاج إلى قرارات وإستثناءات وإجراءات معقدة. فاحترت ماذا أفعل، هل أبقي هكذا بدون عمل؟ النشاط الفني حياة الفنان بدون أدوار وأفلام، وبدون فن تصبح حياته بلا معنى. فقلت بنفسي: إنهم يريدونني في لبنان وأنا هنا بدون عمل وغير قادر حتي علي السفر والصديق اللبناني ينتظرني ويريد أن يسافر بعد يومين وخطرت في ذهني فكرة، لماذا لا اذهب لمقابلة شعراوي جمعة وزير الداخلية الوحيد في ذلك الوقت القادر علي منح تأشيرات السفر، وشجعني أخي رؤوف الذي كنت أعتبره دائما واحداً من أنقى وأقدر ضباط الشرطة. قال لي رؤوف، ماذا ستخسر؟ لاشيء، أطلب مقابلة وزير الداخلية وسنرى ما يحدث.

وبالفعل في الموعد المحدد، كنت أدخل غرفة مكتب وزير الداخلية شعراوي جمعة. قلت له يا سيادة الوزير أنا في مشكلة. جالي طلب للعمل في لبنان والسفر ممنوع. ونحن هنا لا نعمل وظروفنا المادية صعبة. أرجو أن تسمحوا لي بالسفر مع زوجتي، ولم يرد شعراوي جمعة ولم يعلق بكلمة واحدة. كانت ملامح وجهه جامدة بلا تعبيرغير تعبير الصرامة والعبوس قلت لنفسي ربما كان صمته نوعاً من عدم الرضا والإقتناع. وبهدوء شديد رفع شعراوي جمعة سماعة التليفون وحادث شخصاً آخر. أعتقد أنه سكرتيره الخاص، لم يقل غير جملة واحدة، “عايز الأستاذ عماد وزوجته يسافروا دلوقت حالاً”.

كانت الساعة وقتها الحادية عشرة صباحاً وصديقي اللبناني مسافر في اليوم التالي مباشرةً وانا ليس عندي جواز سفر جاهز لكن المستحيل حدث وبأسرع مما أتصور جواز سفر لي وجواز لزوجتي والتصريح بالسفر، كان كل شيء جاهزاً في ساعاتٍ محدودة. وفي صباح اليوم التالي 25 مايو 1967 كنت وزوجتي نادية الجندي نجلس داخل الطائرة المتجهة إلى لبنان. لكن في بيروت كانت تنتظرني أحداث أشد غرابة. لقد خسرت كل شئ فيها. والمزيد في الحلقة التالية.

عن موقع ايلاف على الإنترنت


ايلاف المحدودة للنشر جميع الحقوق محفوظة ايلاف المحدودة للنشر ترخص باستخدام هذه المقالة. لا يمكن إعادة نشر هذه المقالة دون التوافق مع شروط وبنود شركة ايلاف المحدودة للنشر.

تم نقل هذا المقال بناء على ما جاء في الفقرتين 4-2 و4-3 من حقوق الملكية الفكرية المذكورة في شروط الأستخدام على موقع إيلاف :

  • مسموح لك بنسخ أو تنزيل المقالات المنشورة على الموقع من أجل إعادة عرضها على مواقع أخرى بشرط أن تعرض تلك المقالات بنفس تنسيقها وشكلها.
  • يجب وضع رابط للموقع بين عنوان المقالة والفقرة الأولى منها.
  • كما يضاف البيان التالي في نهاية المقالة : ايلاف المحدودة للنشر جميع الحقوق محفوظة ايلاف المحدودة للنشر ترخص باستخدام هذه المقالة. لا يمكن إعادة نشر هذه المقالة دون التوافق مع شروط وبنود شركة ايلاف المحدودة للنشر.


الحلقة التاسعة


إيلاف


الأربعاء 1 فبراير 2017
إيلاف - أول يومية إليكترونية صدرت من لندن عام 2001
أحمد طه من القاهرة


"فتى الشاشة" يروي سيرة حياته (9\11)

عماد حمدي “أيام النكسة” : زواجٌ خاسر مع نادية الجندي


JPEG - 34.2 كيلوبايت
عماد حمدي ونادية الجندي


"إيلاف" من القاهرة : لمناسبة ذكرى وفاته، تلقي “إيلاف” الضوء على مسيرة الفنان الراحل عماد حمدي الذي لُقِّبَ بـ"فتى الشاشة الأول" لأكثر من 20 سنة، من خلال عرض مذكراته التي صدرت بتوقيع الناقدة إيريس نظمي قبل أكثر من 3 عقود، علماً أن الراحل سجلها قبل وفاته.
وفي الجزء التاسع يتحدث عن تواجده في بيروت إبان نكسة 1967 وحصوله على أموال كثيرة في وقت أغلقت فيه البنوك أبوابها. ويسرد خسائره المالية وبزواجه وطلاقه من نادية الجندي.

أيام بيروت

ويتابع “حمدي” سرده للذكريات فيقول: بيروت الجميلة، بيروت حياة والفن والجبل، السهر والأصدقاء والصخب وراحة النفس والأعصاب. وعثر لنا الصديق اللبناني على شقةٍ مريحة أقمنا فيها وأعطاني عربون قدرة خمسة آلاف ليره لبنانية. ولكن بعد أيام، اختفى هذا الصديق اللبناني. سألت عنه في أماكن تواجده وأخيراً عرفت أنه سافر بعيداً عن لبنان. فتعجبت أنه لم يخبرني. ولكي أطمئن نفسي، قلت ربما يكون سفره طارئاً ومفاجئاً وحتما سيعود. لكن بعدها بيوم أو يومين، اتصل بي المنتج طنوس فرنجية وقال لي، نحن علي استعداد لعمل فيلم سينمائي جديد ووجودك هنا ووجود مجموعة أخري من الفنانين المصرين في بيروت فرصة لكي نستفيد بطاقاتكم الفنية هل عندك مانع؟، قلت لا. فالمهم أن يكون العمل السينمائي معقولاً. وفهمت منه أن الفنانة سميرة أحمد ومحمد سلمان مرشحان للعمل في نفس الفيلم وعرفت أيضا أن منتجه أمير سعودي.

وفي اليوم التالي كان اللقاء مع محمد سلمان الذي قال لي سنبداُ بعد ستة أيام تصوير الفيلم الذي سيموله سمو الأمير ولم يكن كلامه مجرد وعد عابر بل أعطاني عربوناً وأعطى نادية الجندي أيضاً عربوناً مقابل اشتراكنا في بطولة ذلك الفيلم المنتظر.

مفاجأة بائع الصحف

وبدأت أتهيئ نفسياً للعمل ومرّ اليوم الاول من شهر يونيو ثم اليوم الثاني والثالث والربع ولم يعد باقيا سوى يومين فقط لنبدأ بعدهما تصوير الفيلم الذي ينتجه سمو الأمير السعودي. ولكن ذات صباح استيقظت فجأةً من نومي علي دقات على باب الشقة. ولقد كانت دقات قوية لحوحة عصبية. فسألت نفسي: من يكون ذلك المزعج الذي يدق بابنا في هذا الوقت المبكر. وفتحت الباب ووجدت أمامي بائع الصحف وقبل أن ألومه على ذلك الإزعاج غير المبرر قال بصوتٍ مرتعش: “ستاذ..أستاذ.. أنت نايم ومش دريان، قلت مندهشاً: دريان بإيه، أجاب: بالنكسة! سألته: نكسة إيه؟ فقال: اللي حصلت في بلدكم في مصر!

وطار النوم من عيني. حاولت أن أتماسك، لكن ما سمعته من بائع الصحف كان حقيقة عرفتها كل الدينا. إنه شعور مؤلم أشعرني بالعذاب. فذلك اليوم لازمني كإنسان شعر أن بلده في خطر، في محنة، وهو بعيد لا يستطيع أن يفعل شيئاً. لقد كنت أعيش شعور العاجز الذي يكتفي بقراءة وسماع الأخبار المؤسفة وبتوجية الدعوات المخلصة، لعل الله ينقذ بلاده العزيزة من كل شر ومكروه.

تداعيات النكسة

فجأة تحولت بيروت الجميلة إلى مصيدة، إلى غرفة انتظار لا أستطيع أن أغادرها. وقد تأثرت الحياة في لبنان بما حدث في مصر وبدأنا نشعر بالآثار المترتبة على نكسة عام 1967. فقد صدر قرار بأنه ليس مسموحاً لأي لبناني أن ينفق كل يوم سوى مبلغ محدد. ورغم أن لبنان بلد البنوك والتعامل بالشيكات، أصبح التعامل مع البنوك والحياة الاقتصادية كلها تحت تأثير ما حدث في مصر. الإنفاق لم يعد كما كان وحتى إصدار الشيكات فقد قيمته لأن السيولة النقدية تأثرت. أصبحت الأموال مكدسه في البنوك. وخروجها من البنوك لم يعد سهلاً. وفجأة شعرت بأنني أصبحت من الأثرياء. من كبار الأغنياء في بيروت. لقد أصبحت أغنى من الأمير السعودي نفسه منتج الفيلم الذي يمتلك أموالاً طائلة في بنوك لبنان، لكنه غير قادر على إخراج الأموال من البنوك بسبب الظروف المُفاجِئة التي حدثت بعد النكسة التي حدثت في مصر، بينما أنا أمتلك وحدي ألوف الليرات في جيبي عربون فيلمين. لكني كنت أنفق بحذر لأني أرى أمامي الاثرياء يستدينون ولا أحد يعرف متى ستنتهي تلك الظروف الإستثنائية التي جعلت الجميع غير قادر علي مغادرة بيروت وغير قادر أيضاً على صرف أمواله من البنوك. وزاد من تعقيد الأمور فرض حظر التجول. وهل لبيروت معنى بدون تجول، بدون حركة، بدون لقاءات وزيارات، فعدت بعدها إلى القاهرة.

العودة إلى القاهرة

وعدت أفكر في الإنتاج السينمائي كنت قد أنتجت فيلمين لشادية”شاطئ الذكريات" و"ليلة من عمري". وليس غربياً أن يفكر الزوج في إنتاج فيلم لزوجته. فما المانع إذا كانت زوجته ممثلة اختارت فن التمثيل. وهكذا بدات أستعد لإنتاج فيلم “بمبة كشر” لزوجتي نادية الجندي. وهو فيلم إستعراضي غنائي من إخراج حسن الامام يتطلب نفقات غير عادية مجاميع راقصات مغنيات استعراضات وملابس وديكورات تختلف عن ملابس وديكورات الأفلام العادية.

خسائر وأرق

ولم أبخل بشيء. فقد كنت أريده فيلماً استعراضياً ناجحاً. وحتى أتحاشي متاعب الضرائب كتبت الفيلم باسمها لقد بلغت تكاليف انتاج فيلم بمبة كشر أكثر من خمسين ألف جنيه. وأصبح معروفاً أنه من إنتاج نادية الجندي. لقد كان اتفاقنا أن تاخذ هي نسبة معينة من الإيرادات، والمفروض أن الثقة موجودة في اتفاقات الأزواج. فلم أتوقع أنه من الضروري أن يكتب الزوج أوراقاً ويحضر شهوداً بعقدٍ مع زوجته. فقد كان اتفاقاً بين زوج وزوجته لا يحتاج لكل تلك الإجراءات التي تُتخذ عادةً بين الغرباء. وبدأ العرض وحقق نجاحاً كبيراً واستمر عرضة لأسابيع عديدة وحقق إيرادات معقولة. والحقيقة أن فيلم “بمبة كشر” هو الذي قدم نادية الجندي للناس كبطلة للفيلم الإستعراضي تجيد الرقص والغناء والتمثيل. ورغم أن ذلك هو الذي صنع اسمها ودفعها في طريق الفن خطواتٍ واسعة، ورغم ذلك كلة لم آخذ مليماً من إيرادات الفيلم الذي أنتجته باسم زوجتي وأردت أن أتحاشى متاعب الضرائب فخسرت كل شيء. وصدقوني لم أحزن بسبب خسارة المال، فالمفروض أن يضحي الزوج من أجل زوجته وأن يفعل ما يريحها وما يساعدها على تحقيق النجاح الذي تريده. لم أكن نادماً على ما أنفقته طالما أن الفيلم قد نجح وحقق الهدف وطالما أني قدمت خدمةً لزوجتي التي اخترتها أثناء عملي في فيلم “زوجة من الشارع” ولكن تجربة إنتاج فيلم “بمبة كشر” تركت في نفسي آثارا لايمكن إزالتها أبداً.
وهناك تفاصيل أخرى لا أحب أن أخوض فيها. لكن كل تلك الظروف بالإضافة إلى الفارق الكبير في العمر جعلت الخلافات تنشأ بيني وبين نادية الجندي التي عشت معها أطول فترة زواج، وهي ثلاثة عشر عاماً. لكن الحقيقة هي أن الاستمرارية لم تكن موجودة. فلقد انتهى العمر الإفتراضي لحياتنا الزوجية قبل ذلك بكثير. فالانسان يظل يتحمل ويتحمل حتى تاتي لحظةً معينة يصبح فيها غير قادر على التحمل أو الإنتظار

إنفصال

ولقد أخذت حقيبة وضعت فيها بعض ملابس ثم تركت بيت الزوجية وعند منتصف الليل كنت أدق جرس باب بيت أخي الذي نظر إلي منزعجاً، وقال: إيه يا عماد فيه إيه؟ فقلت بوجوم: لالا مفيش حاجة! كنت أحاول أن أبدو هادئاً لكن أخي توأمي الذي هو جزء من كياني فهمني دون أن أتكلم. وشعر بأني لا أرغب في الكلام، فاحترم صمتي. لم يشأ أن يزيد من آلامي. فلم يطلب أية تفاصيل وانشغل بترتيب المكان الذي سأنام فيه لاني لم أكن قادراً على شيء.
كنت أشعر بإرهاق شديد ونمت نوماً عميقاً، وكأني لم أنم من شهورٍ طويلة. وبقيت في بيت أخي 6 أيام متواصلة، ثم ذهبت إلى المأذون القريب من البيت في حي الزماك وأتممت إجراءات الإنفصال ووصلتها ورقة الطلاق.

لم أندم على شيء. لا على الإنتاج السينمائي الذي كلفني آلالاف ولا على شقة الزمالك، شقة تمليك كانت في الأصل شقتين حولتها إلى شقةٍ واحدة من تسع غرف لا يقل ثمنها حسب أسعار الثمانينات عن ربع مليون جنيه كتبتها أيضا باسمها، لكني لم أكن نادماً. فالمال يأتي ويذهب. وإذا اكتشف الإنسان في حياته الخطأ يجب أن يصححة. اذ اكتشف أن حياته الزوجية لم تحقق له الاستقرار الذي كان يريده، فلماذا يتمادي في تعذيب نفسه وتعذيب من يعيشون حوله، ولماذا الاستمرار؟ أهو حب في تعذيب النفس، وحب للالم؟!

راحة البال

واقتنعت أن راحة البال تساوي كل أموال الدينا. كنت أريد فقط راحة البال. فالحياة الزوجية الفاشلة قد تدفع بعض الأزواج إلى الجنون وإلى الانتحار، لكني والحمد لله خرجت من تلك التجربة سليم العقل ولم أفكر أبداً في إلقاء نفسي من أقرب نافذة. راحة البال هي الكنز الذي لا نكتشفه في الوقت المناسب. وأعظم شيء هو أن ينام المرء كل ليلة مرتاح البال. فالأرق أسوأ صديق. وعندما يلازمنا الأرق ويقيم في غرف نومنا تصبح الحياة عذاباً لا يطاق. فما أهمية أن يكون الإنسان صاحب ملايين وهو يتقلب كل ليلة في فراشه، وكأنه يتقلب مثل الجمر على النار.

خرجت خالي الوفاض وكأني أبدأ حياتي من جديد. لكن، لا يهم الطعام والشراب. فهذ ليس مشكلة. المهم هو راحة البال. والله كريم قادر على كل شيء. وما يريحني هو أنني كنت حسن النية حتى في الأخطاء التي وقعت فيها. فليذهب كل شيء وليبقى فقط شعوري بالرضا عن نفسي. سيقول عني الناس أنني رجل مزواج لكن هذا القول يظلمني كثيراً. فمن هو الذي يحب الطلاق؟ وهل هناك من لا يتمني أن يعيش تجربةً زوجية واحدة مستقرة سعيدة؟ لكن، لكل إنسان ظروفه.

ونحن لسنا أول إثنين في العالم تنتهي حياتهما الزوجية بالطلاق. ولن نكون آخر إثنين يفعلان ذلك. والأفضل لنا ولإبننا هو أن ننفصل بهدوء وبدون إزعاجات لامبرر لها. فالمهم ألا نكون سبباً في إصابة الولد بعقدة نفسية، ويجب ألا يتحمل هو نتائج الأخطاء التي وقعنا بها. فقلت لها: نريد أن نفترق أصدقاء دعيه يعيش معك لا أريد ان أحرمه منك فهو وحيد. وأنا اعلم أنك لا تستطعين أن تعيشي بدونه. إنني استطيع أن ازوره باستمرار في المدرسة المهم ألا نشعره بأي نقص أو حرمان. ولقد كانت عاقلة في تلك اللحظات. ولأول مرة أراها تفضِّل العقل على العاطفة.

خبرٌ عادي

عندما انفصلت عن شادية ظلت الصحف والمجلات تكتب لفترة طويلة وكان انفصالنا حدث هام يستحق الكلام والتعليقات والتاويلات والتفسيرات لماذا وقع الانفصال، وهل هناك احتمال للتفاهم وللعودة وما هو دور أولاد الحلال من الوسطاء والاصدقاء، كان انفصالي عن شادية اشبه بالمفاجاة غير السارة التي صدمت اغلب الناس حتي الناس العادين من الخارج الوسط الفني، إناس لا اعرفهم معرفة شخصية كنت القاهم في الاماكن العامة فيسألونني بحب ومودة امتي ترجوا لبعض يا استاذ عماد.

لكن عندما حدث انفصالي عن نادية الجندي لم تكتب الصحف أكثر من خبر موجز عن واقعة الإنفصال. وكأن أحداً لم يندهش لما حدث. وكأن تلك النهاية كانت منتظرة، ومتوقعة، ولم تكن هناك مفاجأة أو صدمة أو استغراب أو حتي مجرد سؤال لماذا حدث الإنفصال؟

لست مزواجاً

وهكذا عشت تجربة الزواج ثلاث مرات المرة الأولى مع المنولوجست المعروفة فتحية شريف عام 1946 والمرة الثانية مع شادية 1953 والمرة الثالثة مع نادية الجندي عام 1961 وأرجوكم لا تظلموني مرة أخرى قائلين إنني رجل مزواج. فكم كنت أتمنى أن أعيش تجربة زواج واحدة مستقره. لكن فارق العمر كان مسؤولاً عن الفشل الذي أصاب زيجتين منهما. الفارق الكبير في العمر يجعل الزوجين منفصلين متباعدين ليس بينهما تفاهم أو اقتراب. وليس بينهما أسلوب واحد، ولا تفكير بلغةٍ مشتركة. فيصبح كل منهما وكأنه يعيش بجزيرة معزولة ويصبح التلاقي مستحيلاً وصعب التحقيق.

نصيحة

ويا أبنائي الشبان الراغبين في الزواج. خذوا هذه النصيحة المخلصة من زوجٍ سابق عاش التجارب. لا تتزوج يا ابني من تصغرك بعشرين عاماً لأنك ستتزوج الأرق والخلافات. وستتزوج الهموم والمتاعب. وسيصبح هدفك الوحيد أن تتحرر من القيود، أن تكون طليقاً حراً مرتاح البال والضمير حتى لو خسرت كل أموالك التي جمعتها بعرق الأيام وسهر اليالي وتعب السنين. والمزيد في الحلقة القادمة.

عن موقع ايلاف على الإنترنت


ايلاف المحدودة للنشر جميع الحقوق محفوظة ايلاف المحدودة للنشر ترخص باستخدام هذه المقالة. لا يمكن إعادة نشر هذه المقالة دون التوافق مع شروط وبنود شركة ايلاف المحدودة للنشر.

تم نقل هذا المقال بناء على ما جاء في الفقرتين 4-2 و4-3 من حقوق الملكية الفكرية المذكورة في شروط الأستخدام على موقع إيلاف :

  • مسموح لك بنسخ أو تنزيل المقالات المنشورة على الموقع من أجل إعادة عرضها على مواقع أخرى بشرط أن تعرض تلك المقالات بنفس تنسيقها وشكلها.
  • يجب وضع رابط للموقع بين عنوان المقالة والفقرة الأولى منها.
  • كما يضاف البيان التالي في نهاية المقالة : ايلاف المحدودة للنشر جميع الحقوق محفوظة ايلاف المحدودة للنشر ترخص باستخدام هذه المقالة. لا يمكن إعادة نشر هذه المقالة دون التوافق مع شروط وبنود شركة ايلاف المحدودة للنشر.


الحلقة العاشرة


إيلاف


الخميس 2 فبراير 2017
إيلاف - أول يومية إليكترونية صدرت من لندن عام 2001
أحمد طه من القاهرة


"فتى الشاشة" يروي سيرة حياته (10\11)

عماد حمدي “المشهد الأخير” : مرحلة الإكتئاب والعزلة


JPEG - 64 كيلوبايت
عماد حمدي في أحد أدواره الأخيرة


"إيلاف" من القاهرة: لمناسبة ذكرى وفاته، تلقي “إيلاف” الضوء على مسيرة الفنان الراحل عماد حمدي الذي لُقِّبَ بـ"فتى الشاشة الأول" لأكثر من 20 سنة، من خلال عرض مذكراته التي صدرت بتوقيع الناقدة إيريس نظمي قبل أكثر من 3 عقود، علماً أن الراحل سجلها قبل وفاته.
في الحلقة قبل الاخيرة يتحدث عماد عن طلاقه من الفنانة نادية الجندي ولماذا لم يندم على وقوع الطلاق بالإضافة إلي اخر أدواره الفنية.

بداية جديدة

ويكمل “حمدي” سرده لمذكراته، فيقول: هذه الحياة لم تكن غربية عني ولست غريباً عنها. بقيت خمسة أعوام وحيداً بعد انفصالي عن شادية قضيت منها عاماُ كاملاً في فندق وحياة الفنادق لفترات طويلة تصيب المرء بحالة اكتئاب. الفنادق للزيارات السريعة والاقامة القصيرة نوع من التغير يحتاجه البعض أحياناً، يعودون بعده الي حياتهم العادية داخل بيوتهم ووسط أولادهم، ومهما كانت الفنادق فخمة وأنيقة وحديثة فإننا لا نجد فيها أبداً دفء العواطف الأسرية. فمهما كان البيت متواضعاً فإنه يظل دائما نبع الدفء الذي لا يجف أبداً. لكني خسرت بيتي الذي أنفقت على تأثيثه وتجهيزة بكل ما أملك من مال، لكنني كسبت ما هو أهم وأبقى كسبت راحتي وحريتي.

لكنني هذه المرة، وبعد انفصالي عن نادية الجندي لم أكن بحاجة للهروب والانزواء بعيداً عن عيون الآخرين. فالعادة حينما يمر الانسان بمحنة قاسية يحاول أن يبتعد وينعزل لكي ينفرد بنفسه ولكي يتحاشي نظرات الفضوليين والشامتين. لكني هذه المرة لم أكن بحاجة لذلك كله لسببٍ بسيط، وهو أنني لم اخرج من تلك التجربة الزوجية الثالثة منهاراُ ولا نادماُ ولا حزيناُ. لقد علمتني الحياة أن من يخسر المال أسعد من الذي يفقد نفسه وحريته. وعلمتني تجارب الدنيا العجيبة أن الانسان من المهم أن يعرف كيف يتخذ ذلك القرار في التوقيت المناسب وأعتقد أنني اتخذت قراري في التوقيت الصحيح والملائم. فلماذا أتوارى عن العيون، ولماذا اهرب من الناس؟ وكنت أقول لنفسي: أستطيع تعويض المال. وما يجري يمكن نسيانه. واندمجت بسرعة في العمل وواصلت رفض الأدوار التي لم تعد تناسب عمري فقدمت أدوار مرحلة النضج.

أدوار الشيخوخة

هذه المرحلة – مرحلة الشيخوخة هي أيضاً بالنسبة لي أهم وأخصب سنوات عمري. إنها سنوات النضج والإكتمال. ولقد قدمت فيها أنجح وأهم أدواري. وقد كانت بداية هذه المرحلة بالنسبة لي بفيلم “المرأة المجهوله” الذي أديت خلاله مرحلتين مختلفتين من العمر الزوج الذي كان شاباً، ثم نفس الزوج بعد أن أصبح عجوزاً. ومن المهم أن نهتم بكتابة الأدوار التي تناسب الممثلين المتقدمين في العمر، كما يحدث في الخارج. فحتى ذلك الممثل الذي أصيب بالشلل أعدوا له حلقات خاصة ولم يتركوه بلا عمل. بل أشعروه بحاجتهم إليه وافتقارهم لأدواره، فعوضوه نفسياً عما حدث له. وبالطبع لو كان ذلك الممثل المشلول مصرياً لالقوا به في أحد المستشفيات ولا اعتقد أن واحداً من كتاب القصة السينمائية كان سيفكر في كتابة دوراً خاصاً له يراعي ظروفه الصحية، ويستفيد من طاقاته الفنية، بل كان سيعيش بقية أيام حياته وحيداً دون كلمة مواساة أو باقة ورد وستصبح نهايته المحتومة مجرد خبر صغير في صحيفة تُعلِن رحيله، وتُعلِن أيضا أن أحد الذين زاملوه وعملوا معه لم يظهر في جنازته ليودعه الوداع الأخير.

ثرثرة فوق النيل

ومن أدوار مرحلة النضج التي أعتز بها دوري في فيلم “ثرثرة فوق النيل” الذي كان يتطلب مني أن أكون مدخناً للحشيش وأن أظهر في أكثر المشاهد غائباً عن الوعي. وكان معروفاً عني أني لا أعرف أي نوع من المخدرات، لم استعملها ولم أفكر في استعمالها، لكنني قبلت التحدي. أردت أن أتحدى نفسي وأؤدي دوري بإتقان. وهو دور الشخص الذي يتعاطى المخدرات وأنا الذي لم أعرفها في يوم من الأيام. وقال لي البعض يجب أن تجرب بنفسك حتي تستطيع أن تؤدي الدور بالصورة السليمة، وعرضوا علي أن أذهب معهم إلى إحدى الغرز لكي أشارك الجالسين في القعدة، ورفضت، لكن كان هدفي أن أعرف تصرفات الحشاش طريقة كلامه وحركته وتعبيراته وما هو الفرق بين الحشاش وبين السكران، وعرفت ان الذي يتعاطي الحشيش يتكلم بهدوء ولكن ليس بطريقة السكران الذي الذي لا يستطيع ان يتكلم، وعرفت أيضا أن الذي يتعاطي المخدرات تبدو عيناه تائهتين لا تنظران إلى شيءٍ محدد.

واذكر أن بعض الزملاء المشاركين في تمثيل أدوار الفيلم قد أدوا كما يؤدي السكران وليس كما يؤدي من يتعاطي المخدرات بينما أديت أنا كما يؤدي الحشاش رغم أني لا أعرف المخدرات ولم أذقها أبداً في يوم من الأيام، وأعتقد أن أفضل مرة أديت فيها دور السكير كانت في فيلم “سونيا والمجنون” وبالتحديد في مشهد السلم بعد انتهائي من أداء ذلك المشهد لاحظ المخرج حسام الدين مصطفى أن شاربي المستعار لم يكن مثبتا بطريقة طبيعية وكان لابد أن نعيد تصوير المشهد مجدداً بسبب الشارب. وكان صبعاً أن أندمج مجدداً بنفس إحساس المشهد الذي صورناه ورغم ذلك قلت لهم. لا يهم سأودي المشهد مجدداً سأعود سكيراً كما كنت.

وفي فيلم “أسياد وعبيد” الذي أخرجه علي رضا أديت دور موسيقي أصيب بالشلل وهو دور يحتم علي من يؤديه أن يظل جالسا فوق مقعد متحرك وهكذا ظهرت في كل المشاهد صامتاً جالسا فوق المقعد المتحرك لم أقل غير ثلاث كلمات ورغم ذلك كنت سعيداً بذلك الدور. فقد اتاح لي فرصة التعبير بوجهي وبعيني أنه أفضل في رأيي من أدوار البطولة المطلقه كثيرة الكلام وقليلة التعبير.

أنا وأخي مجدداً

التشابه بيننا يصل إلى حد التطابق. فالملامح الخارجية متطابقة وطريقة التفكير أيضا متطابقة. أنا جزء منه وهو جزء مني، ونحن الاثنان نكمل بعضنا البعض. وجهان بملامح واحدة وعقلان بتفكيرٍ واحد. تلك كانت علاقتي القوية جداً بأخي عبد الرحمن الذي عاش حياته في مجال السلك الدبلوماسي وزيراً مفوضا وتنقل في بلاد كثيرة وعاد أكثر من مرة إلى الهند والإتحاد السوفياتي، وتشيكوسلوفاكيا. كنا متشابهين في كل شئ حتى في عدم استقرارنا في حياتنا الزوجية، وعندما أحيل للمعاش كان يحلو له أن يقضي أغلب الأيام عندي نجلس لنتكلم ونتساير ونلعب الكوتشينة. فاذا غلبني يشعر أنه فاز علي نفسه وإذا غلبته أشعر أني فزت على نفسي. ثم يعود إلى بيته في المساء، وعندما داهمتني متاعب القلب ونصحني الأطباء بضرورة البقاء في معهد القلب لأكون تحت رعاية وإشراف الأطباء المتخصصين كان أخي عبد الرحمن معي دائماً يسال عني ويتابع حالتي ويرفع من معنوياتي.
وذات يوم وبينما كنا نلعب كالعادة الكوتشينة في شقتنا توقف فجأة عن اللعب قائلاً: حاسس إني متضايق التنفس مضايقني، وأخذته فورا الي معهد القلب مجدداً. وفي الطريق إلى إمبابة كنت أدعو الله هامساً أن يبعد عن قلبه متاعب قلبي، أن يحميه من كل مكروه، ذلك القلب الطيب الذي تحمل آلامي. كان يوم شم النسيم ولم يكن الدكتور عوض موجود بالمستشفي ولأني زبون قديم في معهد القلب فقد اهتم الطبيب النوبتجي وبدأ فحص أخي لكنه كان فحصاً ظاهرياً وبعد انتهاء الفحص قال : مفيش حاجة قلبه طبيعي.

وأثناء عودتنا إلى بيته، قلت لأخي عبد الرحمن، إطمئن سأخذك للدكتور عوض بعد الظهر حتن تطمئن أكثر وخلع أخي عبد الرحمن ملابسه وقال سأستريح قليلاً، وفضلت أن اتركه يستريح علي أن أعود له بعد ساعتين لاصطحبه معي للدكتور محمد عوض وما أن وصلت لمسكني وقبل أن أفتح الباب سمعت رنين التليفون ودق قلبي المتعب دقات خائفة مذعورة وأسرعت رافعاً السماعة وسمعت من يقول لي : أحضر معك أنبوبة أكسجين أخوك تعبان.

رحيل توأم الروح

وبسرعة عدت إلى هناك من جديد إلى بيت أخي الذي تركته منذ قليل ووجدت حوله بعض الأطباء من جيرانه وأصابني الوجوم عندما رأيتهم يدلكون قلبه وقال لي أحد الأطباء أنفخ في فمه واندفعت نحو أخي ووضعت فمي علي فمه، شفتاي علي شفيته، وبكل ما تبقي في من قوة نفخت، لكنها كانت قبلة الموت القبلة الأخيرة قبلة الوداع...يا لسخرية القدر، هو صاحب القلب السليم يموت قبلي، أنا صاحب القلب العليل، فلتبك يا قلبي، فلتنزف دموعاً ودماً وحسرة، لقد رحل أعز الأعزاء، وأحب المحبين، كيف تستمر حياتي بدونه، بدون نصف عقلي ونصف روحي ونصف قلبي.

إكتئاب

بعد رحيل أخي التوأم عبد الرحمن لم اعد متمسكاً بالحياة ولا راغباً فيها. فالسهر خارج البيت، لم يعد يستهويني. وحتى حياة الاستديوهات لم تعد تسعدني وتشجيني، أصبحت أميل للوحدة والإنطواء، أفضل الإنفراد بنفسي لأكون المتفرج الوحيد علي شريط الذكريات الذي لا يتوقف، شريط يحوي كل المفارقات وكل الغرائب والأعاجيب لو شاهدناها في الأفلام لما صدقناها ولقلنا أن كاتب القصة يميل إلى المبالغة.

إن الواقع يكون أحيانا أغرب من الخيال، أحداث أطول فيلم تمر أمامي، أحداث حياتي، لحظات القوة ولحظات الضعف، أيام الثراء، وأيام البؤس، ليالي السهر والصحبة، وليالي الإكتئاب والوحدة، ذهبت إلى أكثر من طبيب، لم أعد اشكو فقط من قلبي العليل، فقد أصبح جسمي الهزيل هدفاً لكل الأمراض أصبحت أعاني من حالة اكتئاب نفسي لا أعرف متي سينتهي.

كان أخي الاكبر عبد الرحمن يمرض إذا مرضت، ويشفى إذا شفيت. يفرح عندما أفرح، ويحزن عندما أحزن، كان يشعر بالآمي حتى لو باعدت بيننا آلاف الاميال. توأمان متشابهان في كل شئ حتي في عدم الإستقرار العائلي. فهو لم يعرف الإستقرار في حياته الأسرية. وأنا ايضاً لم أنعم أبداً بذلك الإستقرار العائلي، ولم يخالفني إلا مرةً واحدة عندما ترك الدنيا قبلي وتركني وحدي اللهم لا اعتراض، هذه حكمتك وهذه إرادتك وماذا يملك المخلوق الضعيف أمام مشيئتك.
آخر أدواري الفنية

سواق الأوتوبيس

إتصل بي المخرج السينمائي الجديد عاطف الطيب الذي رشحني للمشاركة في تمثيل فيلم “سواق الأتوبيس”. أعجبتني قصة الفيلم ودور الأب الذي سأوديه والمعنى الهام الذي يؤكده الفيلم الوفاء الذي أصبح نادراً في هذا الزمان. العلاقات الأسرية التي فقدت حرارتها وأصالتها. العلاقات الإنسانية التي تضيع وتختفي وسط عالمٍ مشغول فقط بالماديات، كل إنسان أصبح جزيرة منفصلة عالماً مغلقا كل إنسان يرى فقط مصالحه الخاصة. ومن أجل تحقيق المصالح الشخصية يهون كل شيء. ووسط ذلك العالم المادي المشغول بجمع المال ضاع احترام الأبناء لآبائهم وضاع حب الأخ لأخيه، الجشع والطمع كادا يقتلان كل العواطف الأسرية والعلاقات الإنسانية.

في ذلك الفيلم، يحاول الإبن أن ينقذ والده من الإفلاس. لقد عاش الوالد العجوز شبابه وكهولته داخل مستودع الأخشاب الذي يعرضونه للبيع في المزاد. لقد ترك فيه كل ذكريات الماضي وكل آمال المستقبل، ويحاول الإبن الوفي سواق الأتوبيس أن ينقذ أباه فيسرع إلى بقية الأهل والأقارب مستنجداً بهم طالباً معونتهم لكن أحداً لم يهتم. لم تهتز ضمائرهم، لمأساة الأب المسكين، وانشغلوا بالصفقات. في النهاية ينجح الأبن في إحضار المبلغ المطلوب لأن في اللحظة التي ينقذ فيها مستودع الأخشاب من البيع في المزاد وفي اللحظة التي يدخل فيها غرفة الأب لكي يسلمه دليل الوفاء يفاجئ بأن الاب قد مات، فارق الحياة وهو يشعر بجحود أهلها وقلة وفائهم وإنعدام إنسانيتهم، قتلته الصدمة. ولقد أعجبني المغزى الإنساني الذي يقدّمه الفيلم، الوفاء المفقود في عالم مادي جداً ماتت منه القيم الإنسانية. ورغم شعوري بالإجهاد والإرهاق أثناء فترات التصوير، إلا أني كنت أحاول أن أتماسك حتى ينتهي التصوير على خير، ضغطت على نفسي حتى صوروا المشهد الأخير الذي أظهر فيه ميتاً.

المشهد الأخير

العجيب أنه كان يلازمني شعور غامض بأن هذا المشهد سيكون آخر مشهد به وآخر مشهد أظهر فيه علي شاشة السينما، مشهد رجل يموت ويودع أسفاً على ضياع الوفاء وتحسراً على إنهيار العلاقات الإنسانية دوماً من انشغال الناس بجمع المال لدرجة الجنون. كان يلازمني شعور بأنني أؤدي آخر أدواري وبأن فيلم سواق الأتوبيس سيكون آخر الأفلام التي سأقوم بتمثيلها .لكن حدث بعد ذلك أن رشحني المخرج علي عبد الخالق للمشاركة في تمثيل فيلم “العار” الذي أعجبتني فكرته وقصته وتحاملت علي نفسي وذهبت إلى الاستديو. لكن شعوري بالإرهاق كان يزداد. ورغم ذلك تماسكت بقدر الإمكان فالحقيقة أنهم أخجلوني برقة مشاعرهم لدرجة أن كاتب القصة والسيناريو محمود أبو زيد كان من شدة تهذيبه يوصلني إلى بيتي ويعاملني بأدبٍ زائد. وقلت لنفسي أنهم يعرفون حالتي الصحية المتدهورة، هذا سر عنايتهم الفائقة بي. وبصراحة بدأت أشعر بالخجل من كثرة عنايتهم بي وحرصهم الزائد على راحتي أثناء إحضاري إلى الاستديو أوعند إعادتي الى البيت. ومر أول يوم تصوير بسلام ورغم حالتي الصحية المتدهورة فقد أديت المطلوب مني لكن كانت المفاجأة في اليوم التالي أن الجزء الذي تم تصويره قد احترق في المعمل وكان لابد من إعادة تصويره مجدداً. لكني قلت لهم، أنا آسف يا جماعة مش حاقدر أكمل، قالوا وما الحل، قلت شوفوا ممثل تاني مش قادر أكمل. وبالفعل، لقد اختاروا ممثلاً آخر غيري وكانت تلك آخر مرة أدخل فيها استديو وبلاتوهات السينما. لقد صدق إحساسي وكان المشهد الذي أموت فيه أثناء تصوير فيلم “سواق الأتوبيس”، آخر أدواري رجل عجوز يودع الدينا أسفاً على اختفاء الوفاء وآخر مشهد أؤديه في فيلم “العار”. لقد احترق قبل أن يراه الناس، وكأنني أنا الذي أحترق وأختفي مودعاً عالم السينما مودعاً الأضواء التي تحرق كل الفراشات التي تحوم حولها.

عن موقع ايلاف على الإنترنت


ايلاف المحدودة للنشر جميع الحقوق محفوظة ايلاف المحدودة للنشر ترخص باستخدام هذه المقالة. لا يمكن إعادة نشر هذه المقالة دون التوافق مع شروط وبنود شركة ايلاف المحدودة للنشر.

تم نقل هذا المقال بناء على ما جاء في الفقرتين 4-2 و4-3 من حقوق الملكية الفكرية المذكورة في شروط الأستخدام على موقع إيلاف :

  • مسموح لك بنسخ أو تنزيل المقالات المنشورة على الموقع من أجل إعادة عرضها على مواقع أخرى بشرط أن تعرض تلك المقالات بنفس تنسيقها وشكلها.
  • يجب وضع رابط للموقع بين عنوان المقالة والفقرة الأولى منها.
  • كما يضاف البيان التالي في نهاية المقالة : ايلاف المحدودة للنشر جميع الحقوق محفوظة ايلاف المحدودة للنشر ترخص باستخدام هذه المقالة. لا يمكن إعادة نشر هذه المقالة دون التوافق مع شروط وبنود شركة ايلاف المحدودة للنشر.


الحلقة الحادية عشرة


إيلاف


الجمعة 3 فبراير 2017
إيلاف - أول يومية إليكترونية صدرت من لندن عام 2001
أحمد طه من القاهرة


"فتى الشاشة" يروي سيرة حياته (11\11)

عماد حمدي “الباحث عن الوفاء” : وحدة قاتلة مع شريط الذكريات


JPEG - 49.4 كيلوبايت
الفنان الراحل عماد حمدي


“إيلاف من القاهرة : لمناسبة ذكرى وفاته، تلقي”إيلاف" الضوء على مسيرة الفنان الراحل عماد حمدي الذي لُقِّبَ بـ"فتى الشاشة الأول" لأكثر من 20 سنة، من خلال عرض مذكراته التي صدرت بتوقيع الناقدة إيريس نظمي قبل أكثر من 3 عقود، علماً أن الراحل سجلها قبل وفاته.
في الحلقة الأخيرة يستعرض شريط ذكرياته ويتحدث عن الوحدة القاتلة والألم النفسي الذي سببته له نادية الجندي بتفريقها بين ابنيه نادر وهشام.

متاعب نادية الجندي

ويكتب “حمدي الحلقة الأخيرة” من مذكراته التي اختصرتها “إيلاف” بإحدى عشر حلقة، ويقول: تفرق الأصدقاء وما عادوا يسألون عني. فمن سيتحمل مريض القلب الذي فقد شبابه وحيوته وضحكاته ولم يعد قادراً علي الإبتسام. ومن سيتحمل إنساناً يشكو الإكتئاب النفسي. أنا الآن لا أمتلك شيئاً حتى الشقة المتواضة التي أسكن فيها، تجلب لي المتاعب أيضاً. لقد تركت لنادية الجندي شقة تمليك في الزمالك مكونة من تسع حجرات، كانوا أصلا شقتين ضممناهما لبعضهما لتصبح شقة مجهزة بأفخر الأثاث. وكنت قد أحضرت ورق الحائط وقماش التنجيد من الخارج، ولم أبخل عليها بشيء. وضعت بعد ذلك كل ما معي من مال في فيلم أنتجته لتكون هي بطلته “بمبة كشر”. وخرجت من البيت وأنا لا امتلك شيئاً سوي حقيبة واحدة بها بدلتان. خرجت بلا شيء، لكنها بعد ذلك، لم تتركني أعيش بقية أيامي في هدوء. فكانت تأتي إلي لتتشاجر معي وتلمح بأنها يمكن أن تستولي حتى علي هذه الشقة المتواضعة التي أسكن فيها مع إبني وزوجته وأمه وأولاده. وتلمح إلى أنها يمكن أن تستولي عليها لابنها أقصد ابننا هشام. وكنت أستغرب سائلاً نفسي: ألا يكفيها كل ما تركته لها. لقد حاولت المستحيل لكي أخلق حالة سلام بين إبني من زوجتي الأولى فتحية شريف نادر وبين ابني هشام من نادية الجندي. لكن محاولاتي كانت تبوء بالفشل، لان الأم تلعب دوراً مهماً في تلك الحالات. فالأم العاقلة تنصح ابنها بأن يكون عاقلاً وحريصاً على علاقته بأخيه. ولا تملأ قلبه حقداً. ولا تنمي فيه نزعة الكراهية. ولا تشحنه باستمرار بالكلام المستفز فتدفعه للاحتكاك الدائم بأخيه ليضيع معنى الأخوة. لكن إبني نادر كان واعياً ومدركاً لما يحدث حوله، ويعرف أن المشاجرات المفتعلة لن تنسية أن له أخاً من أبيه يجب أن يحرص عليه يسترضيه إذا غضب ويقترب منه اذا تباعد ويقف بجانبه إذا مرض.

العلاقة بين الأخوة

وكنت أقول لإبني: حاول أن تستفيد يا إبني مما حدث لي الآن ألا تجد فيه العبرة. غاب من حولي كل الأصدقاء. الجميع تركوني ولوكان أخي الأكبر في حالته الطبيعية ولو كان أخي التوأم موجوداً ولو أن أخي الأصغر رؤوف علي قيد الحياة ما كنت شعرت بتلك الوحدة القاتلة. إنك يا ابني نادر لا تستطيع أن تبقى طول النهار بجانبي. أنت جديد في عملك ولا بد أن تثبت وجودك وكفاءتك كمصور في وكالة أنباء الشرق الأوسط. ومن غير المعقول يابني أن تتخلى عن عملك وعن حياتك الخاصة لكي تتفرغ لي. لا تهمل عملك لا تضيع وقتك. أنا لا أحتاج شيئاً. كما تراني أبقى طول النهار ممدداً فوق سريري في سنين الصحة والعافية كنت أملاء البيت حركة ومرحاً وحياة. بل وكنت أحرص على دخول المطبخ، لاتفنن في إعداد الأطعمة الشهية. كانت هواية أيضا من هواياتي الأخرى القراءة وتربية الخيول وصيد السمك. لكني الان غير قادر علي الوصول إلى باب المطبخ إلا بصعوبة ومشقة. وأين هي المعدة السليمة التي تتحمل وتستقبل تلك الأطعمة. وأين هي الرغبة في تناول الطعام، إذا كنت فقدت الرغبة في الحياة، فكيف أشعر بالرغبة في الأكل. كنت اقول ذلك كلة لابني نادر لكني أشعر بأنه غير مقتنع. فقلبه لا يطاوعه ووفاؤه لابيه يمنعه من الغياب الطويل. كان يعرف أني أصبحت في حاجة إلى المساعدة والمساندة في زمن اختفى فيه الصديق وقلت فيه المروءة، ولم أعد أسمع غير كلمات المواساة التي تأتيني عبر اسلاك التليفون الذي نادراً ما يدق ويناديني كما كان يحدث أيام المجد والصحة والثراء. حين كان رنينه لا ينقطع، ويشعرني بأنني حي، وبأن الناس يذكرونني. لكن التليفون أصبح صامتاً بجانبي، قليل الرنين وكأنه يرثي لحالي يشاركني صمتي ووحدتي، وها هو التليفون أخيراً تعود إليه الحياة يعود إليه رنينه القديم.

تحية وفتحية

وأثناء فترة تواجدي في مستشفي المعادي تحت إشراف الأطباء بعد جلطة المخ التي أصابتني لمست من جديد شهامة الزملية الفنانة تحية كاريوكا كانت تعالج هناك من السمنة الزائدة التي لاحقتها بعد أن كانت ذات يوم من فاتنات الخفة والرشاقة، لم تتركني تحية كاريوكا أعاني وحدي متاعب أيام الإصابة بالجلطة. بل كانت إلي جانبي تطعمني بيدها وتتابع حالتي الصحية ساعةٍ بساعة، وليس ذلك بغريب من تحية كاريوكا فالشهامة من طباعها وكل الوسط الفني يعرف ذلك. وهي كانت تقف دائما إلى جانب كل مريض وكل الذين تفاجئهم الكوارث غير المتوقعة.
بعد فترة العلاج عدت من جديد إلى شقتي المتواضعة أنتظر رنين التليفون، أنتظر كلمة مجاملة تشعرني بوجودي، وكالعادة عاد إبني نادر من عمله لكي يسأل عني ويعرفني بأخبار الدينا. فأنا لم أعد قادرا على قراءة الصحف، لكن إبني نادر لم يكن وحده وكانت معه أمه، زوجتي الأولى فتحية شريف لم تأت لكي تسأل عني بل جاءت لكي تبقى إلي جانبي في أيامي الأخيرة في الحياة. ومن شدة تأثري كدت أبكي ونظرت إلى نادر معاتباً، لماذا يا نادر تتعب أمك خاصةً وقد هاجمها مرض القلب، لكنها قالت لي : “من زمان وأنا عايزة أجي يا عماد إزاي أسيبك وحدك في الظروف دي من هنا ورايح ما تحملش هم احنا معاك جنبك على طول”.

ولم أعد اشعر باني وحدي أصبحت أجد من يقدم لي كوباً من الماء ومن يساعدني على الوقوف. ومن يحميني من الوقوع على الأرض ومن يخفف عني آلامي. زوجتي الأولى الوفية فتحية شريف التي شهدت معي أيام نجاحي الأولي عرفتني، والأضواء تغمرني وجاءت تواسيني بعد انحسار الأضواء وابتعاد الأصدقاء.

عيد ميلادي : المفاجأة السارة

أربعون ضيفاً وضيفة دخلوا بيتي فجاًة دون انتظار أو توقع، وفي يوم عيد ميلادي السبعين، فاشفقت علي قلبي من شدة المفاجأة ومن انفعالاتي التي لم أنجح في إخفائها. ما أجملها تلك اللحظة التي يدق فيها باب انسان وحيد وعندما ينفتح الباب يجد أمامه من كاد يسئ الظن بهم من كان يتصور أنهم قد نسوه، لم أعد قادراً على الذهاب إليهم فجاءوا هم لي. تذكروا، رفيقاً قديما تخلف في الطريق ولم يعد قادراً على استكمال الرحلة فتوقفوا وعادوا إليه يواسونه وينعشون قلبه المريض بدفء المحبة ونور الأمل.

لقد كانت هذه الوجوه التي لم أراها منذ فترةٍ بعيدة. المنتج المعروف مطيع زايد الكاتب الصحفي لويس جرجس وزوجتة الفنانة سناء جميل، سهير رمزي ووالدتها، أنور عبد الله وزوجته سعاد حسين، يوسف شعبان والكاتب الصحفي مفيد فوزي الذي كان يحمل في يده جهاز تسجيل، وبعد دخول الضيوف الأربعين دخل أربعة رجال يحملون تورته كبيرة وخروفا مشويا وأنواعاً من الأطعمة وحتي الملاعق والشوك والسكاكين أحضرها معهم الضيوف الذين لم أكن انتظرهم، ولأن المقاعد لم تكن كافية فقد جلس اغلبهم علي الارض، إلتفوا حولي فبددوا وحدتي، وفرت الكابة هاربة من جلسة الأحبة وتبادلت ابتسامة مع ابني نادر، كنا أربعة فقط ضمن احتفالنا الهاديء المتواضع نادر وزوجته وأمه وزوجتي الأولى فتحية شريف وحفيدي عماد الذي جاءت بعده حفيدتي مريم التي ولدت في 7يناير فسميتها باسم السيدة العذراء مريم.

ولكننا بعدما كنا أربعة أشخاص أصبحنا أربعين. وبعد أن كنا صامتين هادئين أصبحت الشقة صاخبة بالضحكات وبالتعليقات وتذكرت عيد ميلادي السبعين الذي تصادف أن نشرت صحيفة الجمهورية خبراً عنه. ويومها لم يتوقف رنين التليفون وسأل عني زملاء لم يسألوا عني أبداً من قبل ومنهم السيدة زوز نبيل مثلاً، والزميل حسن يوسف، لكن تذكرهما لي والأضواء بعيدة عني قد أسعدني وأراح قلبي المريض.

وامتدت سهرة الأربعين ضيفاً حتي الصباح. كانوا لا يريدون أن يفارفقوني وكنت لا أريد أن أفارقهم، لكن خوفهم من أن يرهقوني، وخوفي من تعطيلي لهم، أنهى احتفال عيد ميلادي السبعين. فأنا كنت قعيد الفراش والمرض، لا ينتظرني عمل، ولا تشغلني مسؤوليات، لكن محبتهم يجب ألا تنسيني بأن لديهم أعمالا سيؤدونها في الصباح، وبينما كانوا يصافحونني مودعين، كنت أسال نفسي هل ياتري سنلتقي مرة أخرى؟

وعدت من جديد لحياة الصمت والوحدة والاكتئاب ورغم الجهود التي يبذلها إبني نادر وزوجتي الأولى فتحية شريف ورغم ارتياحي لرؤية حفيدتي مريم إلا أن شريط الذكريات لم يكن يتوقف. فيعيد إلى ذاكرتي الأصدقاء والأطباء الذين كانوا من أيام النشاط والعمل والثراء، ونسوا طريق بيتي ورقم هاتفي، في أيام العجز والوحدة والإكتئاب. كنت أسأل نفسي: هل أطلبهم وأعاتبهم؟ ثم أجيب نفسي: لا....ساحاول أن أجد لهم أعذارا، سأبحث عن مبررات تقنعني، ربما موانعهم قوية وحتى لو لم تكن المبررات كافية، يجب أن اقتنع فأشد ما يعذبني الجفاء ونكران الصديق ونسيان العزيز.

مذكرات أخي

وعندما كنت أشعر بأن النوم يعاندني أعود إلى مذكرات أخي التوأم عبد الرحمن الذي سجل فيها تجاربه الطويلة في مجال العمل الدبلوماسي، البلاد التي عمل فيها والشخصيات الهامة التي التقى بها والمواقف الغربية التي تعرض لها، مواقف هامة في حياة الناس، وأيضا في حياة الشعوب. لقد سجل أخي تلك التجارب بأسلوبه الأدبي الجميل في كتاب مذكرات دبلوماسي غير مدونه. ولن اقول أن تلك الرحلات والتجارب تشبة ما كتبه أنيس منصور. فرحلات الكاتب المعروف كانت تشمل العالم كله تقريباً، لكن مذكرات أخي تشمل البلاد التي عاش فيها لفتراتٍ طويلة، والتي لم يكن يراها بعينٍ سائح يقوم بزيارات سريعة وخاطفة بل هي مذكرات إنسان عاش طويلاً في مواطن الأحداث، فرأى ما تحت السطح وما لا يراه السائح المتجول في أنحاء الدينا.

وعندما أكون وحدي وعندما لا أجد من يقرأ لي بسبب ضعف بصري، أعود إلى شريط الذكريات الذي لا ينتهي أبداً، لأرى ما في الناس وأحاول ألا افتش عن القبح في نفوسهم، إن كل اصدقاء الوسط الفني أعزاء وأعتقد أنهم يبادلونني نفس الأحاسيس والمشاعر الودية خاصة الزملاء القدامى رفاق رحلة العمر داخل البلاتوهات وعلى الشاشة. لن أذكر كل الأسماء لأني أخشى أن أنسى سهواً واحداً منهم. إنني أحمل لهم في نفسي كل الحب والإعتزاز. وليس معنى ذلك أن كل أصدقائي الفنانين من القدامي والعجائز فقط من أبناء جيلي الذين عاصرتهم وعاصروني. بل هناك كثير من الفنانين الجدد الذين أحمل لهم الود العميق محمود ياسين ونور الشريف وحسين فهمي ومحمود عبد العزيز. إن لكل واحدٍ منهم طابعه الخاص المميز. فالفرق واضح مثلاً بين محمود ياسين وحسين فهمي ليس فقط من ناحية الشكل والملامح بل من ناحية الشخصية وطريقة الأداء. لكن، لكل واحد منهما شخصيته المختلفة وطريقة أدائه المختلفة. والأمر نفسه بالنسبة لنور الشريف الذي له شخصيته المحددة ولونه المميز. أما محمود عبد العزيز فهو الوسط بين الإثنين محمود ياسين وحسين فهمي، ولا أريد أن أقول أن هذا الجيل أفضل من جيلنا وأن جيلنا أفضل من جيلهم، فكل جيل له مزاياه وظروفه الخاصة. فمن مزايا جيلهم أنه جيل المسرحية قبل أن يظهر على خشبة المسرح أو شاشة السينما وحسين فهمي تخرج في مهد السينما قبل أن يظهر على شاشتها.

رصيدي 450 فيلماً

لقد أرغمتني الظروف علي العمل في خمسة أفلام دفعةً واحدة وفي وقتٍ واحد. ولقد حدث ذلك الموقف مرتين فقط في حياتي كلها التي قدمت خلالها 450 فيلماً. ولقد كانت المرة الأولى في بدايات انتشاري الفني عندما فوجِئت بأن أغلب المخرجين الكبار القدامى يرشحوني لبطولة أفلامهم، ولم أكن استطيع الرفض. كنت حريصاً علي علاقاتي الطيبة بهؤلاء المخرجين الكبار. وكنت أيضا أمر بمرحلة إثبات وجود “الفتى الأول” الذي اسمه عماد حمدي. وأعددت لنفسي جدولاً دقيقاً ينظم لي وقتي ويضمن لي التنسيق المطلوب، بحيث لا يؤثر عملي في فيلم علي فيلمٍ على آخر. ووضعت الجدول أمامي مواعيد 24 ساعة، لا وقت يضيع ورغم إني وزعت الجدول علي المخرجين الخمسة الذين كنت أتعامل معهم ذهبت متاخراً عن موعدي المحدد لتصوير فيلم كان يخرجه المخرج الكبير محمد كريم الذي كان معروفاً بدقته وانضباطه في العمل لدرجة مدهشة لكن الله سلم، ومر الموقف بسلام ولم يصرخ المخرج الكبير محمد كريم غاضباً. بل أنه لم يعاتبنأ لانه كان يعرف مدى حرصي على مواعيدي. لقد أدرك أن ظروفاً اضطرارية خارجة عن إرادتي هي التي تسببت بتأخيري غير المقصود وحرصت بعد ذلك على أن ألا أكرر ذلك الموقف.

جيل عاوز يقبض

لكن شاءت الظروف بعد مرور أكثر من ربع قرن أن أعيش من جديد نفس الموقف والمشاركة في خمسة أفلام بوقتٍ واحد. وحدث أن ذهبت متاخراً عن موعدي ربع ساعة فقط. وفوجئت بالمخرج الذي لم يكن كبيراً ولم يكن مشهوراً بل كان حتى وقتٍ قريب مخرجاً مساعداً. فوجئت به يصرخ في وجهي بطريقةٍ عصبية مستفزة وتمالكت نفسي وأنا في غاية التعجب وتذكرت الكبير القدير محمد كريم، وقلت سبحان الله الاستاذ الكبير تسامح ونصف المخرج لا يريد أن يتسامح، يريد فقط لأسباب نفسيه أن يستعرض نفسه داخل الاستديو أمام بقية العاملين ليثبت وجوده الذي فشل في إثباته بعد ذلك على الشاشة.

الحقيقة أنني لم ارتكب ذلك الخطأ إلا مرتين فقط في حياتي كلها، مرتين فقط، انشغلت فيهما بتصوير خمسة أفلام في وقتٍ واحد، ولكن مهما كان الفنان دقيقاً ومنضبطاً في مواعيده إلا أنه رغماً عنه سيضطر للذهاب متاخراً لأحد تلك الافلام، فيعرض نفسه لسخافات غير مرغوبة، ويعرض نفسه أيضا لحالة من عدم التركيز الذهني قد تؤثر على مستوى أدائه، وقد تؤثر أيضا على صورته في أذهان محبيه من جمهور السينما. لقد شاهدت منذ أيام فيلم “شاطئ الذكريات” على شاشة التليفزيون وشعرت بالفخر والإعتزاز لأني منتج ذلك الفيلم، ولأني مشارك في بطولته مع بقية فنانيه شكري سرحان وشادية وعبد الوارث عسر وتوفيق الدقن والسيد بدير. وبصراحة كان أهم ما يجمعنا روح الأسرة الواحدة التي لم أكن أشعر بها في أيامي الأخيرة داخل استديوهات السينما. وكان يجمعنا أيضاً، ذلك الصدق الرائع صدق العمل وصدق الأداء والرغبة الموحدة في تقديم فن سينمائي حقيقي لكني للأسف، قد شعرت بأن أغلب الجيل الجديد من الممثلين “جيل عايز يقبض”. إن الواحد منهم لايسأل عن قيمة الدور بل عن قيمة الأجر، ولا يقول ما هي القصة بل يسأل كم الأجر في الحلقة؟ وكم عدد الحلقات التي سأظهر فيها. وينشغل بعملياتٍ حسابية. وعندما يتأكد من أن دخله المادي في المسلسل معقول، يوافق على العمل، ويحرص علي الظهور في كل حلقة حتى إن لم يكن وجوده ضرورياً من الناحية الفنية. بل ويحقد على الذين يظهرون في جميع حلقات المسلسل. إنه للأسف إنطباعي الذي كونته في الفترة الأخيرة عن جيل ممثلي وممثلات التليفزيون أقولها وأنا حزين ..."جيل عايز يقبض".

شريط الذكريات

كلما تحرك شريط الذكريات فانه يتوقف دائماً أمام نفس المشهد الذي أصبح يلح على ذهني الحاحاً عجيباً. كنت أيامها أعيش مسلسل المرض الطويل، تصلب الشرايين وجلطة القلب ثم جلطة المخ ومتاعب الأعصاب. وبعد اعتكافٍ طويل في البيت أرسل لي المخرج حسام الدين مصطفى لكي أعمل معه في فيلم “سونيا والمجنون” لكي أؤدي دوري، والد سونيا الأب الذي كان ممثلاً معروفاً ثم دارت الأيام ليصبح مهملاً في زوايا النسيان، لا يجد من يذكره ولا من يواسيه، ولا من يحمي ابنته من السقوط، فتضطر لبيع جسدها لكل عابر طريق لكي تعيش وتبقي عائلتها في عداد الاحياء.

أعجبني الدور، تعاطفت مع الممثل الذي كان لامعاً فاصبح منسياً، الذي كان ثريا فأصبح معدما، الممثل الذي كان شاباً وسعيداً فأصبح صديقاً للكابة والامراض، لن أنسى ذلك المشهد الذي لم يشاهده المتفرج على الشاشة لأنه قد حذف، ذلك المشهد الذي كان أولادي في الفيلم يتسابقون علي مساعدتي في ارتداء البدلة الجديدة التي سأعود بها إلى الأضواء مجدداً، في دور جديد أو بمناسبة عودة الأضواء لي في فيلمٍ جديد بعد خصامٍ طويل. لكن سعادتي بالدور تضيع عندما يعتذرون لي فجاة عن أداء الدور، فاخلع بدلتي لأشتري بثمنها زجاجة ويسكي أغرق فيها أحزاني وبحوارٍ رائع مع مانولي الذي يعمل في البار.
تعاطفت جداً مع تلك الشخصية في فيلم “سونيا والمجنون” بل وتوحدت معها، وجدت نفسي في تلك الشخصية إنني مثل والد سونيا، كنت مشهوراً وكنت غنياً وكنت وكنت ثم وجدت نفسي فجأة أعيش علي هامش الحياة علي حافة الدينا، لكني فوجئت وأنا أشاهد الفيلم بعد انتهاء التصوير بأن المخرج حذف مشاهد كاملة وشعرت بأن الشخصية التي أحببتها اختفت وبأني اختفيت معها وقلت للمخرج حسام الدين مصطفي لماذا حذفت كل تلك المشاهد لقد ضاعت الشخصية، وفوجئت برده الصاعق، تضيع الشخصية لكن مستحيل أضيع الأبطال نجلاء فتحي ومحمود ياسين.

لم أعد نجماً

في تلك اللحظة بالذات أدركت الحقيقة الغائبة عني، إني لم أعد نجماً ولا ممثلاً أول. أصبحت مجرد ممثل، كان كبيراً وكان شهيراً وكان في يوم من الأيام “الفتى الأول” وكان حاصلاً على أكبر الجوائز.. وكان وكان وكان طبعاً فعل ماضي! ونحن ننسى الماضي بسرعة. في ذلك اليوم بالذات شعرت أنني زائد عن الحاجة، وخرجت من الاستديو لأعود إلى بيتي، لأنتظر من جديد كلمة النهاية.

اعتذار

وكما يحدث في كل فيلم تأتي دائماً كلمة النهاية، وفي كل مسرحية يسدل الستار وفي كل مسلسل تأتي الحلقة الاخيرة، إنني انتظر نهاية الرحلة الشاقة الطويلة ولست نادماً علي أي طريق سلكته ولا علي أي قرار اتخدته. هذه حياتي، وهذه أخطائي أخفيها وأداريها، ليس لي في البنوك حساب، وليست في جيبي دفاتر شيكات، وليس في بيتي غير ما يكفي يومي، ورغم ذلك أعتبر نفسي صاحب أكبر رصيد 450 فيلماً، تلك هي تركتي، ذلك هو رصيدي الوحيد، فاعذرني يا ابني العزيز نادر، واعذرني ياحفيدي عماد واعذريني يا حفيدتي الحبيبة مريم، فأنا لم اترك لكم العمارات والعقارات والعقارت والأطيان. لم أودع لكم في البنوك جنيهاً واحداً لكني أعتقد انكم ستغفرون لي برصيدي الفني، لأفلامي وهو رصيد أعتز به ولا أخجل منه، صنعته بالتعب والعرق والمعاناه الطويلة، ورحل عماد حمدي في 28 يناير 1984 بعد مسيرة فنية حافلة.

عن موقع ايلاف على الإنترنت


ايلاف المحدودة للنشر جميع الحقوق محفوظة ايلاف المحدودة للنشر ترخص باستخدام هذه المقالة. لا يمكن إعادة نشر هذه المقالة دون التوافق مع شروط وبنود شركة ايلاف المحدودة للنشر.

تم نقل هذا المقال بناء على ما جاء في الفقرتين 4-2 و4-3 من حقوق الملكية الفكرية المذكورة في شروط الأستخدام على موقع إيلاف :

  • مسموح لك بنسخ أو تنزيل المقالات المنشورة على الموقع من أجل إعادة عرضها على مواقع أخرى بشرط أن تعرض تلك المقالات بنفس تنسيقها وشكلها.
  • يجب وضع رابط للموقع بين عنوان المقالة والفقرة الأولى منها.
  • كما يضاف البيان التالي في نهاية المقالة : ايلاف المحدودة للنشر جميع الحقوق محفوظة ايلاف المحدودة للنشر ترخص باستخدام هذه المقالة. لا يمكن إعادة نشر هذه المقالة دون التوافق مع شروط وبنود شركة ايلاف المحدودة للنشر.

عرّف بهذه الصفحة

Imprimer cette page (impression du contenu de la page)