“نزهة الأشواق في أخبار المتيمين والعشاق” بتحقيق سعيد الغانمي الصادر حديثاُ عن منشورات دار الجمل... إخراج التراث من الوضاعة


جريدة المدن الألكترونيّة
الثلاثاء 26-01-2021
المدن - ثقافة

JPEG - 75.2 كيلوبايت
مرح القصور

يواظب المترجم والباحث العراقي سعيد الغانمي، على إغناء المكتبة العربية من خلال إخراج بعض النصوص التراثية (المخطوطات) من درف الخزائن وصناديق المحفوظات ودهاليز الإنترنت، وجعلها في متناول القارئ، مع جهد في تحقيقها وتقديمها، وتبيان جادة الصواب فيها وتأويلها خارج منظومة الرأي التقليدي أو الاعتباطي أو النمطي...

في جديده “نزهة الأشواق في أخبار المتيمين والعشاق”(منشورات دار الجمل)، لمؤلف مجهول، يقول الغانمي إن التراث العربي السردي بقي “يعاني الإهمال طويلاً، بحيث يفتقر أي باحث في هذا التراث إلى أبسط الأفكار الأولية عن تاريخيته، أو عن تفحص أوجه العلاقة بين النصوص السردية، بل تغيب أبسط المعلومات حتى عن نسخ المخطوطات السردية وأماكن توافرها”. والحق أنه، عدا عن المطبّات التي تواجه المحقّق، وهي كثيرة ومتشعبة، هناك أنماط التلقي الهزيلة. فسبق للناقد المغربي عبد الفتاح كيليطو أن قارن بين حال العرب في العصور الوسيطة، حين لم يكونوا مهتمين حتى بكتاب “ألف ليلة وليلة”، بل كانوا يعتبرونه كتاب هذر، في حين أقبل عليه الغرب وترجمه ليصبح في موضع آخر، وهكذا الكثير من النصوص التراثية، بل أمهات النصوص التراثية تنتظر مستشرقاً أو مستعرباً حتى يلقي الضوء عليها، لتكون الشغل الشاغل للبحاثة والرحالة والقراء. جزء كبير من التراث الشعبي التراثي، بقي في خانة الهوامش، لم يوظف كنواة في الرواية العربية الحديثة، ولم يقدم للقارئ بطريقة معاصرة، ولم يدخل في متون الدارسات التأويلية والسرديات التي قد تستنتج منه مرايا لعوالم وأزمنة وأنماط حياة غابرة.. فصورة الجواري ليست واحدة، وكذلك الغلمان وحياة القصور وهارون الرشيد وحتى الأساطير الشعبية...

والغانمي يدب الصوت الثقافي لإعادة النظر في هذا التراث السردي، بمنظور حديث “لا يرى فيه مجرد خزين شعبي مبتذل (وضيع)، بل أن يعيد النظر فيه، ويكشف عن أوجه تعبيره عن عصره ومجتمعه بمعزل عن الكبرياء الزائفة التي كان يتقنع بها المعتمد (الرفيع) السابق”. ويعتبر الغانمي أن كتاب “نزهة الأشواق..” هو مثال من بين كثير مما استبعد تحت لافتة الأدب الشعبي (الوضيع)، لأنه لا يتجاوب مع معايير المعتمد الأدبي (الرفيع). فهو لا ينطوي مثلاً على مفردات “وحشية” من (غريب اللغة)"، و"أغرب في كلامه: أتى بالغريب البعيد عن الفهم" (المعجم الوسيط)، ولا على “قوالب لفظية صقيلة، كما هو الحال في الشعر العربي التقليدي، بل إن الشعر فيه يقع في مرحلة وسطى بين البيان الهزيل أو الرتيب والتعبير الغنائي التلقائي العامي”، وهو ما يسمونه اليوم “اللغة البيضاء”...

ويكشف كتاب “نزهة الأشواق”، عند تحليله نقدياً، طبقات تاريخية متعددة لا تخفى على نظر الناقد الحصيف. إذ تنتمي الأزمنة التاريخية لجميع قصص الكتاب إلى العراق حتى نهاية القرن الثالث الهجري. وتشهد لغة السرد فيه على أنها كانت اللهجة البغدادية في ذلك العصر. لكن الكتاب ما برح يتعرض لطبقات زمنية أخرى أضافتْ إليه مادة أدبية من ناحية، كما هو الحال في نصوص الدوبيت التي أضيفتْ في القرن السابع الهجري تقديراً، أو في مسخ بعض التسميات العراقية والمظاهر اللهجيّة التي لم يفهمها النساخ المتتابعون للكتاب ممن لا ينتمون إلى البيئة العراقية".

ومما يدل على قدم الكتاب أننا نجد بعض نصوصه تتطابق أو تشرف على التطابق مع كتب من القرن الرابع الهجري. فقصة إبراهيم بن المهدي موجودة في “مروج الذهب” للمسعودي، تمثيلاً. وهناك نصوصٌ أخرى توجد في كتب أدب أخرى مثل “العقد الفريد”. لا مؤلف واضحاً للكتاب، وإن ذكر عنوانه بعض المراجع، والأرجح هو “مجموعة من الحكايات النصوص السردية التي ترتبط بسلسلة كتب حكايات العشاق من طراز مصارع العشاق وتزيين الأشواق ونزهة الاشواق. ورغم أن هذه الكتب ترتبط في موضوعاتها، وربما تتشابه في مادتها، والنقل عن بعضها البعض أيضاً، فإن لكل شخصيته الخاصة. هذا فضلاً عن أن بعض نصوص الكتاب دخل في مدونة ألف ليلة وليلة، يقول المؤلف:”لا نستطيع تحديد الأزمنة التي دخلت فيها هذه الحكايات في الكتاب". ودخلت بعض نصوص الكتاب في أعمال متأخرة عنه مثل كتاب “اعلام الناس” للإتليدي، وهكذا فإن اشتراك الكتاب في بعض الحكايات مع كتب أخرى “يمكن ان يكشف لنا عن تاريخيّة بعض الحكايات في السّرد العربيّ وكيفية نموها وازدهارها في كتب الأدب المختلفة”.

الجزء الأكبر من نصوص الكتاب هي حكايات العاشقين والمتيمين، الذين “تتعرّض قصص حبّهم للانقطاع، إما بسبب وشايّة أو تدخّل متطفّل أو سوء فهم، ثم يلتئم شملهم وينتظم عقدهم من جديد”. غير أن هناك عدداً من الحكايات البغدادية التي تمتاز بروح احتفالية مرحة “تتسم بانقلاب الأدوار. وتضفي هذه الروح الاحتفالية عليها لمسة من المرح الاحتفاليّ الذي يسمح للخليفة بأن يتحوّل إلى تلميذ لدى صياد بائس، أو ان يعبث به حمالٌ متشرّد”.

ومما يستحق الانتباه في الكتاب، بحسب المؤلف، “أن لغته في اللغة العامية البغدادية في القرن الرابع الهجري”. حين “يتناول هؤلاء عن لغة المعتمد الأدبيّ الراسخ، ويركبون اللهجة العاميّة للتعبير عمّا كانت الطبقات الشعبية والبسيطة تتداوله”، ولا سيما عند اللجوء الى لغة الشطار والعيارين والملاحين وأصحاب الحرف.

أحسب أن الكتاب، وقد أصبح بين أيدينا، يحتاج الى قراءة أنثروبولوجية تبين أنماط تفكير ناس القصص والجواري ومكامن الفرح والحيلة والكيد ومنطق السيد والعبد في حياتهم وحياتهن..

سعيد الغانمي

كاتب ومترجم عراقي يعيش في أستراليا . ولد العام 1958 في العراق. حصل على إجازة من قسم الترجمة ـــ كلية الآداب في جامعة الموصل العام 1982. له أكثر من ستِّين كتاباً مطبوعاً ما بين مؤلَّف ومترجم. “الكنز والتأويل” (1994)، “ملحمة الحدود القصوى” (2000)، “ينابيع اللغة الأولى” (2009)، “حراثة المفاهيم” (2010)، “فاعليَّة الخيال الأدبي” (2015). ومن ترجماته “العمى والبصيرة” لبول دي مان"، “العرب والغصن الذهبي” لستيتكفيتش، "ترجمة النفس: السيرة الذاتية في الأدب العربي.

رابط : مقال محمد حجيري على موقع المدن

أخبار أخرى

عرّف بهذه الصفحة

Imprimer cette page (impression du contenu de la page)