مشاهدة فيلما “السقامات” و"للحب قصة أخيرة" بجودة عالية

, بقلم محمد بكري


محاولات التحايل على الموت والسخرية منه

ما بين «السقامات» و«للحب قصة أخيرة»


جريدة القدس العربي


جريدة القدس العربي
السنة السادسة والعشرون - العدد 8073 الاثنين 13 نيسان (ابريل) - 24 جمادي االثانية 1436هـ
محمد عبد الرحيم - القاهرة - «القدس العربي»


قليلة هي الأعمال السينمائية التي تناولت الموت وفلسفته، بعيداً عن كونه مجرد حادث عارض وفق عمل درامي. وربما أهم تجربتين في السينما المصرية تمثلتا في فيلمي «السقا مات 1976» عن رواية يوسف السباعي، التي أعاد صياغتها السينمائية كاتب السيناريو محسن زايد، الذي أضاف إليها الكثير من فلسفته ووجهة نظره في الموت، ومن إخراج صلاح أبو سيف، وفيلم «للحب قصة أخيرة 1984» من تأليف وإخراج رأفت الميهي. كلا الفيلمين يبحث معضلة مبهمة ومحاطة بجلال ورهبة الجهل بما بعدها/الموت، إضافة إلى الاقتراب من محظورات تمس المقدس الديني، وقبله الاجتماعي، خاصة في ظل حضارة قديمة تقدس الموت وتجعله هدفاً للحياة، حضارة لم تزل روحها وبقايا طقوسها حاضرة بقوة في فعل مرهوب يدعى الموت. هنا تتجلي معضلة مواجهة الميتافيزيقي، رغم كونه أحد الحقائق على الأرض/الموت، وكيف ستكون معالجة هذا الموضوع من خلال فيلم يُقدّم في الشرق وأفكاره، لنلاحظ مدى الاختلاف الكبير في معالجة مثل هذا الموضوع في الغرب والفكر الغربي، والتجارب الفنية والجمالية، الأمر أصبح يأخذ معنى السخرية من الميتافيزيقي، ليس فقط بجعله يسير على الأرض، بل مواجهته بالسخرية الشديدة، التي تحفز العقل لمراجعة ذاته ومفاهيمه حول الظواهر التي تقابله في الحياة.

سيرك في مقبرة

من السهل مواجهة السياسي والاجتماعي بالسخرية، أما الميتافيزيقي فأمر محفوف بالمخاطرة، لكن فيلم «السقا مات» جعل من الموت مزحة سخيفة لا تستدعي حتى الالتفات إليها، فقط هي الحياة، وإن كانت محكومة في نهايتها بفعل خفي مُرتعب يُطلق عليه.. الموت. فهو «جبان» لا يستطيع أن يظهر لك حين يواجهك، فقط يأتيك غفلة ليتسلل ويســــــرق روحك/ لص، ولا شأن لنا باللصوص، نحن أولاد الحلال، عشاق الحياة والفاعلون الوحيدون والموحدون في الوقت نفسه، هذه هي فلسفة الشخصية الأهم في الفيلم، شخصية شحاتة/فريد شوقي «مطيباتي الجنازات» العمر لحظة واللذة مذهب مقدس، سواء بالحشيش أو الطعام أو ممارسة الحب مع امرأة، ولكن أين النهاية أو الموت في وعي هذه الشخصية التي يرى صاحبها الذي اعتاد التعامل مع الموت ــ مصدر رزقه ــ أنه فعل يجبن عن مواجهة مَن يختاره، فلا يهم إذن وجوده من عدمه، وعيش الحياة هو الأجدى والأهم.

الخائف يواجه رعبه

شوشة/عزت العلايلي سقا الحارة، الذي فقد زوجته الشابة، بعدما تركت له طفلاً، عاش رعب الفقد، وتجسد له فعل الموت أنه الذي يحرمه من الحب والسكينة، وبالتالي تركه وحيداً ميتاً في الحياة. وبالمصادفة يتقابل شوشة مع شحاته، ويعرف مهنته، فيحاول الفرار منه، وقد جاء مندوب الموتى ليُجالسه على المقهى، لكنه يأنس له ولروحه المرحة، بل ويُسكنه إحدى حجرات بيته، لتبدأ المقارنة بينهما… مندوب الموتى الحي، وعامل السقاية/السقا الميت، العاجز عن مُصارحة جارته بالحب، ليستأنف الحياة من جديد، بينما شحاته يسعى من دون ملل للوصول إلى بائعة هوى شهيرة في الحارة، أصبحت هي شغله الشاغل.

ممارسة الحب بثمن الأرواح

تصل السخرية حدها الأقصى عندما يقارن شحاته ثمن الليلة التي سيقضيها مع المرأة/شويكار بعدد الأرواح التي سيسير بها إلى خطواتها الأخيرة ــ 50 قرشا تساوي 5 أرواح ستصعد لخالقها ــ ليدعو عزرائيل بأن يشد حيله قليلاً حتى ينال ليلته الموعودة، هنا تصبح المقابلة بين الميتافيزيقي والخيال، نال شحاته المرأة في خيالاته، وهو يستعد للذهاب إليها، خيالات تحت تأثير المخدرات، ليأتيه الموت ويخطف روحه، كان لابد من هذا الحل، لابد من أن يصل الرجل إلى ما يريده ولو حتى من خلال الحلم، بعدها لا يهم أن يأتي الموت أو لا يأتي، هنا ينتصب السيرك بالكامل، وتصل السخرية لأقصى درجاتها، فلا يستطيع الموت أن يصل إلى مندوب الموتى إلا وهو في حالة السعادة القصوى، وقد ضاجع المرأة وتنفس آخر نفس، ولو في الخيال، وقد اختار لحظة موته.

المواجهة بالحياة

يبدأ شوشة بالعمل محل شحاته، وارتداء بذلته وممارسة مهنته والسير في الجنائز، كتعويذة ضد الموت، لكنه لا يتحمّل، لأن روحه ليست في قوة روح المرحوم، ويتحقق حلمه بأن يتحول من مجرّد عامل سقاية يذهب إلى المنازل، إلى أن يصبح مسؤول حنفية المياه، ليبدأ حياة جديدة، ويعلم بالفعل أن الموت جبان، يرتعب أمام الأحياء، أو الذين يعرفون كيف يعيشون.

أوهام الوعي وخرافاته

يبدو للوهلة الأولى أن فيلم «للحب قصة أخيرة» هو فيلم عن الموت، الموت وطقوسه والإحساس به جاثم على روح الشخصيات وأفعالها، ومحاولات مستميتة للفرار منه بشتى الطرق. ربما هو أحد الحقائق أو أهمهما في وعي الإنسان، إلا أن الفيلم حاول بمعنى خفي أن يتعامل عقلياً مع فعل الموت، وأساطيره وغيبياته، المجهول المُحاط بموروثات وتخاريف كالتعاويذ، مجرّد شبح، ما أن نشعر بتفاهة ثقله، من الممكن الانتصار عليه، وهو أن نعيش الحياة كما هي، بلا تواطؤ مزعوم، ولا انتظار يُنهي الحياة قبل أن تبدأ.

العالم المغلق

جزيرة شبه منعزلة عما يحيطها «الورّاق» يتم الوصول إليها عن طريق إحدى المعديّات، هذه العزلة تفرض إيقاعها الخاص على الشخصيات وتكوينهم النفسي… المرأة صاحبة الأموال/تحية كاريوكا، ابنها المـــدرّس/يحيى الفخراني، المغضوب عليه لزواجه رغماً عنها من فتاة يحبها/معالي زايد، وبالتالي تمارس المرأة سلطتها بأن تمنع عنه ميراثه من الأب، وهكذا سلطة أولى نجدها، يتم التحايل عليها، أو حتى ادعاء عدم وجودها بنفيها/حالة السعادة بين الزوجين، من دون الاهتمام بالثروة. الابن مريض بالقلب ويترصده الموت إذن، والأم لا تريد التنازل عن تحكمها بحياته، وترى أن زوجته هي سبب المرض/شؤم .. لتبدأ الاختيارات داخل نفق الاعتقادات الغيبية، فعقل الأم يُرجع سبب مرض ابنها لزواجه من فتاة لا ترضاها، فلتكن فأل الشؤم إذن، ولتكن هي سبب إصابة الابن!

المقاومة بالتواطؤ

المدرس وزوجته وأمه/الطبيب وأمه/ الرجل المسِن وزوجته وابنهما المفقود، يخيم الموت وثقله على هذه الشخصيات، خالقاً حالة من التضحيات، ربما حقيقية وربما من جهة أخرى على سبيل الواجب، لكن الحياة لابد أن تُعاش في لحظات من الخِفة، التي تصبح أقوى تأثيراً على حياة هؤلاء. حالة التواطؤ هنا ضرورية كلما كانت هناك سُلطة قاهرة تحيط الجميع، إلا أن الإنسان لا يعدم البحث عن بدائل أو حلول، يسرق الحياة في لحظة، حتى لو كلفه ذلك حياته نفسها! بداية هذه الحالات حالة الرجل المسِن وزوجته، كل منهما يخفي عن الآخر خبر وفاة ابنهما الوحيد، المرأة تخفي عن زوجها وهو يعرف ذلك، لكنه يعلم أن الابن هارب، وحتى لا يعذبها بالانتظار ــ كما يتعذب هو ــ يصمت على معرفتها المغلوطة بوفاة الابن، وبالتالي يصبح الموت هنا راحـــة البال بالنسبة للأم، فالانتظار أشد قسوة، وهو ما يتحمله الأب وحده، هذه أعمق الحالات وأكثرها قوة بين شخصيات الفيلم، ورغم كونها طرفاً ثانوياً في السرد/الحكاية، إلا أنها تنجو بثقلها من مجرد تنويعة عابرة لطقس الفيلم العام. الحالة الأخرى هي حالة الطبيب/شبه العاجز جنسياً، الذي يظل بجوار والدته المريضة، تاركاً زوجته وأطفاله لتعيش بعيدة عنه في مكان آخر، بعيداً عن هذا الوباء/المكان المعزول، فقط تأتي لزيارته من حين لآخر، وكل منهما لا يجد سوى عبارات الاعتذار، هي تؤكد له الحب، وهو يعتذر عن شبح الزوج الذي يمثله في حياتها. أما العلاقة الرئيسية التي جاءت أكثر مباشرة مما سبق، فهي إخفاء رفعت لحالة مرضه، والطلب من الطبيب بإيهام زوجته بأنه سليم تماماً، حتى يطرد عنها قلق انتظار الموت ــ الانتظار هنا على العكس من انتظار المس2ِن لعودة ابنه ــ وأن تعيش الحياة كباقي خلق الله، وكأنها أبد.
الجنس والموت

يؤصل الميهي لمعنى الحياة ويُجسده في الفعل الجنسي/الملاذ الوحيد للتحايل والإفلات من شبح اسمه الموت يترصد الجميع، سواء من خلال ممارسة فعلية، أو من خلال طقس دال، كمشهد وفاة المِقدِسة دميانة أكبر معمري الجزيرة، وفي الوقت نفسه هناك حفل زفاف في الجزيرة، فلا بد من خلق الحياة واستمرارها، ولو على ســـبيل إحلال طقسي بين الموت والزواج. الأمر الآخر هو الفعل الجنسي بين رفعت المريض وزوجته سلوى، الفعل الذي آمـــنهُ من خـــوف، وجعله يشعر بالاكتمال، وقـــد أصبـــح وامرأته جسداً واحداً، هنا يخشى الموت الاقتراب، يرتعب، حتى لو سيختطف روح صاحبه بعــد ذلك. بينما الناجي الوحيد، وفي مشهد من أقــوى وأفضل مشاهد الفيلم هو ممارسة الفعل الجنسي بجوار جثة… الطبيب يمارس الجنس مع إحدى الغجريات بجوار جثة أمه، وقد تخلص من عبء المــوت الجاثــم على وجوده، وقد تحرر منه بهذا الفــعل، العــلاقة الدالة مباشرة هنا، ولا تحتمل أي تأويلات، خاصة أن عدم شرعية الموت ــ يرفض السيناريو تماماً التعايش والتعامل معه ــ تقابله علاقـــة عابـــرة بين رجــل وامرأة التقيا مُصادفة. فالطبيب هو النــــاجي الوحيد، لأنه لم يكتف بالتحايل على الموت، وكف عن التواطؤ المزمن، بل وصل إلى حد الاستهانة به، ليخرج من التجربة سليماً تماماً، يتنفس الحياة، وقد أصبح جديراً بها.

أحاديث الخرافة

بما أن الخوف من فعل خفي/الموت، يسقط العقل إذن، وما من وسيلة إلا محاربته بالخرافة، سواء مقام أحد الأولياء الذي لم يستطع حتى إنقاذ نفسه، أو الطواف حول تخاريف وأوهـام تبدو أنها الملاذ الوحيد، ولا عاصم سواها، تذهب الزوجة لأحد الشـيوخ، المعروف عنه شفاء المرضى، وقد جاء لزيارة الجـــزيرة من خال أحد الموالد/حفلات صخب الوهم والمعتــقد الشعبي القاصر، تذهب لتجد عجوز مشوّه، لا حيلة له، فقـط وهم تجسد في نفوس ضعـيفة، لا تستطيع مواجـهة الحياة، وعند موت الزوج، تذهب للانتــــقام من هـــذا العجـوز/الوهم، فلا تجده، فقــط تقـــوم بتحطــيم الكرسي الذي كان يجلس علـــيه، لتجد أدوات لتدخين المخـــدرات/الحشـيش، دلالة على تغييـب العقل والعبث به في أقصى مراحله، فبـدون الاعتـماد على العقل والفعل الإنساني ومـواجهة هذه الخرافات، سـيمتد حديث الخـرافة إلى الأبد، وهـــو صراع آخر بين العقل والوعي الجمعي، الذي يُقــدس الخرافة، ويعلّق عليها أفعال أصحـــابه ومقدراتهم ومصائرهم.

عن موقع جريدة القدس العربي

عن موقع جريدة القدس العربي الجديد

المقال في جريدة القدس العربي بالـ pdf


صحيفة القدس العربي هي صحيفة لندنية تأسست عام 1989.



مشاهدة فيلم السقا مات




مشاهدة فيلم للحب قصة أخيرة


عرّف بهذه الصفحة

Imprimer cette page (impression du contenu de la page)