قرأنا لكم

Les Désorientés, Amin Maalouf (Liban et France), Roman التائهون، أمين معلوف (لبنان وفرنسا)، رواية

, par Mohammad Bakri


Editeur


Amin Maalouf
Auteur(s) : Maalouf, de l’Académie française Amin
Collection : Littérature Française
Parution : septembre 2012
Les désorientés
Code ISBN / EAN : 9782246772712


Editions Drasset


« Dans Les désorientés, je m’inspire très largement de ma propre jeunesse. Je l’ai passée avec des amis qui croyaient en un monde meilleur. Et même si aucun des personnages de ce livre ne correspond à une personne réelle, aucun n’est entièrement imaginaire. J’ai puisé dans mes rêves, dans mes fantasmes, dans mes remords, autant que dans mes souvenirs.
Les protagonistes du roman avaient été inséparables dans leur jeunesse, puis ils s’étaient dispersés, brouillés, perdus de vue. Ils se retrouvent à l’occasion de la mort de l’un deux. Les uns n’ont jamais voulu quitter leur pays natal, d’autres ont émigré vers les Etats-Unis, le Brésil ou la France. Et les voies qu’ils ont suivies les ont menés dans les directions les plus diverses. Qu’ont encore en commun l’hôtelière libertine, l’entrepreneur qui a fait fortune, ou le moine qui s’est retiré du monde pour se consacrer à la méditation ? Quelques réminiscences partagées, et une nostalgie incurable pour le monde d’avant. »

A. M.

Editions Grasset


France Culture


12 septembre 2012


France Culture


En vidéo, Amin Maalouf, invité des Matins de France Culture le 12 septembre 2012, jour de la sortie de son livre "Les Désorientés" en France.



les matins - Amin Maalouf par franceculture


Lien direct vers la Vidéo d’Amin Maalouf


جريدة النهار اللبنانية


الأربعاء 10 تشرين الأول 2012- السنة 80 - العدد 24874
جريدة النهار اللبنانية
أدب فكر فن
غسان الحلبي


جريدة النهار اللبنانية


"التائهون" لأمين معلوف، أقرب كتبه إلى حياته الشخصيّة بطله يعيش حضارة مهزومة وشعبه يهوي إلى قعر الجحيم

آن الأوان للكبير أمين معلوف أن يتفرَّس، بكلِّ ما راكم من وعي ثقافيّ وقدرة كتابيَّة، في مآل العالَم الذي شبَّ فيه يانعًا حالِمًا شغوفًا بالقراءةِ والثقافة والنزوع إلى انتماء حضاريّ لا تقيِّده حدود الأمكنة والهويّات.

هذا العالم الذي هو اليوم أشبه بمركب هائم بلا وجهة محدَّدة في أعالي بحر الظّلمات، هو عالمٌ جانح نحو انحلال بربريّ مخلِّفًا وراءه في النسيان حلم الإنسانيَّة الَّذي ولده عصر الأنوار. "التائهون" حصيلة هذا التأمّل المحمول فوق حسٍّ روائيّ يستلهم الواقع الشخصيّ بأمانة راسخة لمضمون إنسانيّ شموليّ يصرّ معلوف على الشهادة له بكلّ ما أوتيه من حسّ انتماء إلى العالم بكلِّيته.

1

تسهل مقاربة رواية "التائهون" كما تبدو لنا من مراجعة أولى. آدم، الشخصيَّة المحوريَّة في النص، المؤرِّخ المنجذب إلى كتابة سيرة أتيلا، هو أمين معلوف نفسه. لم لا؟ فآدم غادر البلاد منذ بداية الحرب إلى فرنسا، واستقرّ فيها، وأمضى إجازته الأولى هناك في الألب متعرِّضًا لنقد أحد أصدقائه من "حلقة البيزنطيين" الذين كانوا رفاقا في الجامعة، يلتقون ويتناقشون ويحلمون ويتمتّعون خصوصًا فوق "الترّاس" المشرف على الجبال في ذلك البيت القديم الجميل الذي تملَّكه صديقهم مراد من دون أن يكفّ عن دعوتهم إليه. هذا "المراد" كان أكثر الساخطين على آدم الذي تخلَّى عن بلاده، بل نسيها تمامًا كما نسي صحبه بالتأكيد هناك في أعالي القمم الأوروبيَّة وأشهرها.
البلد هو لبنان طبعًا، والحرب حروبه الذائعة الصيت التي كالفينيق تخمد وتنفجر بتواتُر دراماتيكي متواصل منذ أكثر من نصف قرن. البيئة بيئته، بجبالها وأناقتها وخصوصًا بتنوِّع منابت تلك العصبة التي تفاعلت بحيويَّة فائقة في معطيات عصرها مندفعةً إلى تحقيق الأحلام بقوَّة الحياة التي كأنَّها تعطيك بصيغتها اللبنانيّة "الفريدة" نشوة الحريّة والآفاق المفتوحة.
الشتات في أنحاء العالم لبنانيّ بالتأكيد، فعائلة نعيم اليهوديَّة رتَّبت رحيلها بهدوء من دون ثرثرة وحطَّت ركابها في البرازيل. وألبر الذي أنقذته عمليَّة خطفه من إقدامه على الانتحار، يمضي ساربًا إلى الولايات المتّحدة عاملا في مركز بحث من تلك المراكز التي لا تخرج من تحت خيمة البنتاغون. رامز وصديقه شبه التوأم رمزي، المتخرّجان من فرع الهندسة، المتوثبان للعمل حيث استأجرا مباشرة مكتبًا في مبنى مطل على البحر حصدته القذائف في الليلة الأولى في حياتهما العمليَّة، قرّرا بعد بكاء ثمّ ضحك هستيري المغادرة فورًا، وفُتِحت لهُما أبواب النجاح في الخليج حيث ذاع صيتهما وأثريا إثراء فاحشًا، وانتشرت مكاتبهما في القارات، لكنّ رمزي المتسائل عن جدوى كلّ هذا الغمار انتهت به الأيّام إلى النسك واختيار العزلة في الوادي المقدَّس راهبًا، كأنّ الدنيا لم تعلق لديه ببال.
المنافرة لبنانيَّة أيضًا بين آدم الذي لم تلوِّث يديه الحرب بل ظلّ راسخًا في تحصيل الثقافة، والاستزادة منها نمط حياة عمليَّة في أجواء تحرّر جسماني لا يلوك همّا، وبين مراد المتشبِّث بمفهوم التجذّر في الأرض الذي قاده، تحت وطأةِ نزاعٍ حول الإرث العقاري إلى الاحتماء بـ"كسلينغ" وقوّات الاحتلال التي قتلت أحد خصومه ليبقى تحت الحاجة إلى حمايتهم، ولكن أيضًا، ليصير وزيرًا وقادرًا على شراء مصرف بمئات الملايين من الدولارات، ممّا عمّق خلافه حول المفاهيم والارتكابات بينه وبين آدم. وهي الخصومة الوحيدة البارزة بين أصدقاء العهد القديم التي ترسّخت بينهما من دون علم رفاقهما بالتفاصيل.
لا جدوى من الإفاضة في إطالة اللائحة، لأنّ أمين معلوف يرمي كلّ ذلك في المهبّ عينه الذي منه وُلِدت الرواية. فآدم "أكثر الشخصيّات قربًا لي، لكنّها ليست أنا"، يقول الروائي في نقاش إذاعيّ عن كتابه. و"في روحي"، يقول أيضًا "البلد هو لبنان، لكنّ عند غيري يمكن أن يكون أيّ وطن، لذلك لم أسمّه، لا هو ولا عاصمته إطلاقًا." والشتات؟ أوه، لا يمكنك أن تنسبه إلى لبنان في عالَمٍ قاعدته الشتات والغربة. الحديث عينه يصحّ في المنافرة. أمّا الحرب فهي كلّية الحضور في النصّ الروائي، ولكن، ولا جملة كُتِبت عنها بشكل مباشَر، تاريخنا الأرضيّ مدجَّج بالحروب. و"كسلينغ" مصطلح استعملته مجلّة "تايم" في حينه للدلالة على المتعاملِين مع النازيّة، وكلّ جيش احتلال هو سلطة وصاية. هكذا، يريد معلوف لروايته أن تكون بلا "جذور"، هو يمتعض من دلالة هذه الكلمة، ثمّة أصول، نعم، ولكن نحن وُلِدنا "في العالم"، وغير مهمّ اسم المكان بالتحديد. لذلك، فإنّ المقاربة السهلة لا تعدو كونها شركًا ملتبسًا يُقحمك في الرؤية القلقة التي خرج بها معلوف من رحلة أوديسيَّة في بحار الأمكنة والثقافات وقراءة الكتب وتدبيجها بابًا لقراءة حقيقة العالم كما هو في الواقع.

2

آدم يعود إلى "أرض الحنين"، ليس بدافع الشعور المرتبك، وإنّما، لأنّ صديقه مراد، الذي اختلف معه في حياته، طالب به وهو على فراش الموت. عاد آدم بعد ثلاثين سنة انقطاعًا عيانيّا، لكنّ مراد سبقه إلى الموت. آن الأوان في لحظة وجوديَّة ليضع المؤرّخ ذاكرته على الطاولة. لديه "ملفّ" مراسلات الأصدقاء طوال عقود الفراق، والمناسبة الحزينة الملائمة التي تدفعه لمراسلات فوريَّة جديدة عبر اللابتوب والإيميل، والمكان الرائع بصيغة فندق جميل ناءٍ تديره "سيّدة القصر"، زميلته القديمة من شلّة الأصدقاء إياهم : سميراميس. و... ستّة عشر يومًا جعل الروائي من كلِّ يوم منها عنوانا لفصل من فصول حكايته.
عرف معلوف بحسّه السرديّ الجميل أن "يفخّخ" حكاية كلّ فرد من مجموعة الأصدقاء القدامى، الحالمين المحتفلين بالحياة، الذين رمتهم ظروف الحرب في سائر أنحاء المعمور متفرّقين، بأحداث هي في الآن عينه إشكاليّات عالمنا الذي بات "بلا وجهة". تقنيّة السرد هذه قادرة أن تمتصّ حسّ المؤرّخ والمثقّف والروائي والإنسان لتحكي مأساة العالم الآن. فالمؤرخ يدرك أن الزمن الذي عرفه شابّا يانعًا متوثّبًا بأحلامه وشغفه بالحياة هو زمن مضى، ليس بمعنى الوقت، بل بمعنى شكل العالم وروحه. والمثقف قادر الآن، بشَعره "الشبيه بأمواج البحر في الجزيرة الأطلسيّة" وقد خطّه الشيب برقّة، أن يتفرّس الفجوة الفاصلة بين الكتب التي رافقته مجمل حياته وحالة العالَم الآن. والروائي لا يتردّد باستثمار كلّ عدَّته في أن يستلهمَ سيرة حياته ذاتها، وحياة أصدقائه، وطاقة البدْع (فِكشن)، وقوَّة الحديث حين يكون حميمًا ومعبِّرًا وغائصًا في خبايا النفس وصندوق أسرارها. الإنسان الذي يجد روحه بنأي عن "الهويّات القاتلة" وأوهام الحلول في "جذور" مزعومة، ليستخدم المنطق وقوة الجدل ليرى الحقيقة وسع الطاقة، وليكتشف اضمحلال ما كان يتوهّمه حقائق في ما مضى من الزمان.
استولت فكرة استدعاء الجمع من أماكن الشتات ليكون اجتماع، بعد القيام بواجب التعزية لتانيا أرملة مراد، يستذكر فيه الأصدقاء حكاياهم وانشغالاتهم وخيباتهم وأفكارهم بعدما عركوا الحياة وعركتهم. دعوة كانت حافزًا لفتح "الملف"، والكتابة إلى هذا وذاك، ما هيّأ مناسبة للبوح العميق. نعيم وقدر يهود الشرق بالرحيل بعدما صار وجودهم القديم في البلاد العربية مصدر خطر على حياتهم وأرزاقهم. وآدم ليقول إنّ وجود إسرائيل أخّر العرب، ومنع مصالحة الغرب والشرق، وولّد صراعًا أعاد الإنسانيّة إلى الوراء نحو التعصّب الفئويّ (هويّات)، والتعصب الديني وصراع الحضارات. ورامز الذي حقّق ثروة خياليّة وهو سعيد بذلك، لكنه حزين في العمق لأنّ "شعبي في قعر الجحيم. أعيش حضارة مهزومة. البترول نقمة على العرب. المال موفور بكثرة لكنّه خلّف وراءه جيش عبيد". ونضال الذي صار أصوليّا حاقدًا على غرب "استعمرنا وقتلنا وهيَّأ الظروف لاغتصاب فلسطين"، وآدم يحاول جاهدًا متعَبًا ولكن بإصرار لمحاججته بأنّ الخطأ ليس فقط من الآخرين بل من تخلّفنا وضعفنا واختلافاتنا أيضًا. طبعًا هذه عناوين، في حين أنّ الراوي يضمِّن سرده حوارات يشدّها عصب متوتّر وجدليّ يحاول فهم الذات كما الآخر بالقوّة نفسها.
أمّا رمزي، المتنسّك، الذي خلّف وراءه صديق العمر وثروة وفيرة وصار اسمه باسيل، كان الصديق الذي توجب زيارته في الدير النائي. يقول آدم : "ما جئت لأحاججه، جئت لأصغي إليه باحترام، دون مقاربة الخفَّة "cynisme". وهي زيارة أتاحت لآدم حين عودته إلى غرفة الكتابة، تأمّلا في مفهومه للدين، وفي المسيحيّة الشرقيّة، وهو المؤرّخ الذي درس الحضارتين الرومانيّة والبيزنطيّة، واطلع على ظروف نشأة النظم الرهبانية. يقول : "لا أشعر بعدم إيماني إلا عند سماع الوعظ من رجل دين. في مأتم أرتجف وأشعر بحاجة لأن أرنّم. أنا بين الإيمان وعدمه كما أنا بين وطنَيّ". يعترف في مثل إحساس عميق بأنّ "عظمة المسيحية في أنها مجّدت رجلا ضعيفا، مُهزأ، مضطهَدًا، متألّمًا... وفوق هذا هو ليس مؤكّدًا من رحمة السماء" مستحضرًا العبارة المثيرة التي قالها معلّقا : "إلهي إلهي لم تركتني !"

3

يشارك آدم الرهبان طعامهم حين يتحلَّقون حول المائدة بصمت؛ ويلقي بعض الكلمات محاولا الدخول في مشاعرهم. إنهم من بلدان مشرقيّة شتّى، وهذه مناسبة لاستطلاع منابتهم من دون إلحاح في المحاولة. أقليّات مشرقيّة في مهبّ أقدار عواصف الشرق. يتناول آدم "تفّاحة كبيرة باردة" ويأكلها منهيًا طعامه. آدم أوّل الإنسانيّة... وآخرها؟
"أحمل في اسمي يناع الإنسانيّة الأولى، لكنَني أنتمي إلى إنسانيّة آيلة إلى خمود"، عبارة قالها آدم في مستهلّ السرد، وتردّدت قبل نهايته بقليل. آدم "الأرضي" المؤرّخ العقلاني المتحرّر المثقّف "ابن العالَم" "ربيب إنسانية واعدة" الذي إن سقط سيسقط "كجذع واقف مردّدا : أنا الذي كنتُ على الحقّ، والتاريخ هو الخاطئ".
كم يشبه آدم "التائهون" أمين "اختلال العالم" الّذي يجتاحه قلق عظيم. "قلق نصير للأنوار، يراها تترنّح؛ مولَع بالحرية، يشهد ارتسام ملامح عالَم لا مكان لها فيه؛ نصير للتنوّع المتناسق يجد نفسه مكرهًا على أن يشهد، عاجزًا، صعود التعصّب والعنف والنبذ واليأس؛ وقلق عاشقٍ للحياة، لا يقبل التسليم بالفناء الذي يتربّص بها." أمين ذاك رأى العالم مركبًا ونحن على متنه، وهو الآن بات "هائمًا على وجهه، بلا طريق ولا مقصد ولا رؤية ولا بوصلة، في بحر هائج..." (désorienté) تمامًا. لذلك، لا ينفع الروائي هنا أن يتنصّل من "هويّته" كما يبدو لنا في سهولة مقاربة الأمور. هو في الحقيقة لا يتنصّل، بل "يؤنسن" شهادته كما يستشعرها تمامًا من ناحية، وكما يؤكّد بها وفاءَه لجوهر رؤيته الإنسانية التي عبّر عنها بوجوه مختلفة في سياق حياة "هائمة" في الثقافات والأمكنة.

4

نقترب من نهاية السرد فوق شظايا مرايا متكسّرة، مرايانا، مرايا زماننا وحياتنا وعصرنا الوالغ في التيه منذ الحرب العالميّة الأولى، كما لفت نعيم، حيث دخلنا عصر المذبحة الشاملة، و"تصدّع الحلم الكبير بالمساواة بين الناس منحرفًا لصالح مشروع سينيكي وتوتاليتاري." وألبر يوضح أنّ العالم بات خاضعًا لسلطة "العجل الذهبيّ" الذي هو "التهديد الأعظم للديموقراطيّة ولكل القيم الإنسانيّة". هذه أفكار تعطي الكتاب "كثافة عمل بحثيّ، وجدل حاد بين الأفكار" كما قال أحد النقّاد، لكن معلوف يعي تمامًا أخطار هذا المأخذ فلا يقع فيه، إذ تبقى الرواية "جانحة" بقوَّة نحو أفق التخيّل السردي المشحون بقوّة الحلم الإنساني المنبجس من خبايا الوقائع ذاتها. نعم، نتقدّم فوق الشظايا إذ نُفاجأ بشخصيّة من البيت القديم هي "الهانم" التي اكتشفها الفتى اليافع في زمانه الأوّل، فصادقته، وعلَّمته "فضيلة الكتب" حتّى وجد نفسه "شعاعًا أمام شمس حياة". وإذا استشعرنا أقدار الرفاق في هذا العالم المترع بالحروب والصراعات والانحطاط مثل تراجيديا إغريقيّة، فإنَّ "الهانم" حينذاك تبدو أقرب إلى صورة "Muse" رائعة تلهم القلب روح الثقافة والحياة الرائعة. هذا جانب الحلم، وأمّا في جانب الحياة فإنّ القلق الإنسانيّ العميق يتغلّب في ذات الكاتب الواقعيّ على لعبة الروائيّ الحاذقة، يرينا الهاوية بصيغة مأساة غير متوقّعة، ويتركنا في حالة "إرجاء" (en sursis) مثل آدم و"مثل بلده، مثل هذا الكوكب، مثلنا نحن كلّنا"، "محكومون مع وقف التنفيذ".

عن موقع جريدة النهار اللبنانية


El Watan


9 octobre 2012
Rémi Yacine

El Watan


Nouvelle parution de Amin Maalouf : les désorientés, complètement à l’Ouest


Les personnages représentent chacun une religion, une culture et un point de vue. Le débat d’idées l’emporte sur la fiction.

On avait peur que le costume d’académicien ne l’enferme dans une éternité sentant la naphtaline, il n’en est rien l Amin Maalouf, en formidable conteur, continue de déconstruire les murs entre l’Orient et l’Occident. Dans son dernier livre, Les désorientés (Grasset), il revient dans son Liban natal pour s’y perdre et se retrouver. Un livre lumineux.

Dès les premières pages, Amin Maalouf entre dans le vif du sujet et pose des questions existentielles. Un homme a-t-il le droit de quitter son pays - fut-il en guerre - ou doit-il y rester, quel qu’en soit le prix ? S’en suit des lignes savoureuses, profondes. « Tout homme a le droit de partir, c’est son pays qui doit le persuader de rester - quoi qu’en disent les politiques grandiloquents. ‘‘Ne demande pas ce que ton pays peut faire pour toi, demande-toi ce que tu peux faire pour ton pays’’. Facile à dire quand tu es milliardaire, et que tu viens d’être élu, à quarante-trois ans, président des Etats-Unis d’Amérique ! Mais lorsque, dans ton pays, tu ne peux ni travailler, ni te soigner, ni te loger, ni t’instruire, ni voter librement, ni exprimer ton opinion, ni même circuler dans les rues à ta guise, que vaut l’adage de John F. Kennedy ? Pas grand-chose ! »

Et de continuer à dénoncer la responsabilité (ou l’irresponsabilité) des dirigeants qui prennent leurs concitoyens pour des sujets. Dans ce Liban décrit avec finesse, on reconnaît en filigrane le corps malade qu’est le monde arabe, avec ses despotes et potentats, tout occupés à s’enrichir et à placer leurs proches. « C’est d’abord à ton pays de tenir, envers toi, un certain nombre d’engagements. Que tu y sois considéré comme un citoyen à part entière, que tu n’y subisses ni oppression, ni discrimination, ni privations indues. Ton pays et ses dirigeants ont l’obligation de t’assurer cela ; sinon, tu ne leur dois rien. Ni attachement au sol ni salut au drapeau. Le pays où tu peux vivre la tête haute, tu lui donnes tout, tu lui sacrifies tout, même ta propre vie ; celui où tu dois vivre la tête basse, tu ne lui donnes rien. Qu’il s’agisse de ton pays d’accueil ou de ton pays d’origine ».

Que sont nos amitiés devenues ? Un groupe d’amis se disloque à cause de la guerre et se retrouve après le décès de l’un d’entre eux, l’occasion de convoquer le passé, forcément exigeant des explications, réclamant au présent son dû. « Dans Les désorientés, je m’inspire très largement de ma propre jeunesse. Je l’ai passée avec des amis qui croyaient en un monde meilleur. Et même si aucun des personnages de ce livre ne correspond à une personne réelle, aucun n’est entièrement imaginaire. J’ai puisé dans mes rêves, dans mes fantasmes, dans mes remords, autant que dans mes souvenirs. »
Amin Maalouf nous emmène là où on a quelques réticences de nous y rendre, en nous-mêmes. Ses questions trouvent écho en nous. Oui, Les désorientés est un livre majeur signé par un Immortel inspiré.

El Watan, Algérie

El Watan accueil


Le quotidien El Watan a été lancé le 8 octobre 1990, dans le sillage des réformes politiques, par vingt journalistes regroupés dans la SPA El Watan. Premier journal indépendant du matin à être édité en Algérie, il a basé sa ligne éditoriale sur un traitement objectif de l’information, en développant des analyses pertinentes, une vérification rigoureuse des informations publiées et un souci constant d’ouverture à l’ensemble des sensibilités politiques du pays, notamment celle de l’opposition démocratique. En savoir plus.


Tribune de Genève


17 septembre 2012
Par Etienne Dumont

Tribune de Genève


Amin Maalouf retrouve le Liban avec « Les Désorientés »


Les personnages représentent chacun une religion, une culture et un point de vue. Le débat d’idées l’emporte sur la fiction.

Tout commence par un coup de téléphone, dans « Les désorientés » d’Amin Maalouf. L’épouse de Mourad appelle Adam, qui vit à Paris. Son ami va mourir. Il aimerait le revoir une dernière fois. Seul problème. Pour l’exilé, historien intègre, Mourad s’est vilainement sali les mains dans leur Liban natal. Un homme parti de rien qui a pu racheter une banque en difficulté dans un pays longtemps en guerre civile, ce n’est ni net, ni honnête…

De toute manière Adam arrivera trop tard. Mourad est mort. Reste sa veuve Tania, qui entend bien exploiter son remords. Il faut organiser une veillée, quarante jours après le décès, selon la coutume musulmane. A cette réunion doivent participer tous les anciens membres de la bande d’étudiants qui entouraient son mari vers 1975, avant que les passions ne s’exacerbent. Mais est-ce encore possible ?

Trait forcé

Vous l’avez compris. La formule se révèle toujours la même. C’est « que sont-ils devenus ? » Aidé par Sémiramis, devenue patronne d’hôtel libertine, Adam lance des messages. Les réponses fusent, à sa grande surprise. Albert, qui a failli se suicider au moment des bombardements de Beyrouth, est aux Etats-Unis, où il fricote avec le Pentagone. Naïm, Juif, a prudemment émigré au Brésil. Bilal a versé dans l’extrémisme islamiste. « Il a pris la barbe », commente Sémiramis. Et les faux jumeaux Ramez et Ramzi ? Eh bien, ils ont fondé une colossale entreprise de construction. La réussite jusqu’au dégout, pour le chrétien des deux. Il vient d’entrer au couvent.

On voit où la chatte a mal aux pieds dans cet énorme volume. Comme en 1996 dans « Les échelles du Levant », le maronite Maalouf a voulu tout déverser dans le même livre. Le trait apparaît du coup forcé jusqu’à la caricature. Le lecteur se trouve toujours dans l’extrême, que ce soit la richesse, la religion ou le malheur. Adam, le narrateur, reste par définition le personnage le plus sobre. Le malheureux sert de réceptacle et d’enregistreur. Il écoute.

Optique catastrophiste

L’ennui, c’est qu’il retranscrit hélas tout, et que les mails reçus se révèlent sont interminables. Le moindre d’entre eux occupe cinq pages du livre. Et pour cause ! Les personnages, qui incarnent chacun une idée, passent leur temps à la défendre. « Les désorientés » parlent avant tout de politique, dans une optique de plus en plus catastrophiste. Le récit, qui se boucle avec un artifice narratif presque indigne, se termine ainsi sur des phrases bien senties. L’un des personnages se retrouve en sursis, « comme son pays, comme cette planète, comme nous tous. »

Avec un ton pareil, on comprend qu’Amin Maalouf soit de l’Académie française, où il incarne une francophonie en perte de vitesse, comme Tahar ben Jelloun pour les Goncourt. Il n’empêche que « Les désorientés » (gens qui ont perdu leur orient comme on peut perdre le nord) reste une grosse chose pâteuse, sentencieuse et plombée, où il serait possible de couper un paragraphe sur deux. Quand inventera-t-on la lecture avec ciseaux ?

Pratique

« Les désorientés », d’Amin Maalouf, aux Editions Grasset, 522 pages.

Tribune de Genève


Chroniques littéraires


5 septembre 2012
Chronique de Christiane Miège


Chroniques de la rentrée littéraire


Les désorientés d’Amin Maalouf


Ce récit à deux voix, doublé d’un journal, narre le retour physique et intérieur d’Adam au pays de sa jeunesse, du temps béni d’avant la guerre.

En écrivain-historien, Amin Maalouf interroge sa mémoire et les documents privés de son personnage (lettres/mails), qui n’ont cessé de relier les amis d’alors, éparpillés aussi bien géographiquement que psychologiquement.

Finement, les choix qui ont orienté chacune de ces vie sont méticuleusement décortiqués. Adam, constamment en quête de moralité, n’a de cesse d’être toujours au plus juste de ses pensées et de ses actes. Il en est de même pour Amin Maalouf toujours soucieux d’exactitude historique.

Un peu poussif et lisse dans le classicisme de sa narration, l’intérêt du livre réside surtout dans l’ enquête psychologique de chaque destin et emporte le lecteur dans une ronde, qui s’avère malheureusement répétitive. 16 jours – autant de chapitres -, pour ce voyage qu’ Amin Maalouf résume sans cesse. Il reprend régulièrement son cheminement théorique, répète à chaque personne ses réflexions déductives, et finit par user de causeries trop fabriquées notre attachement sincère pour cette bande d’amis tout de même prototypés.

Adam en quête continuelle de sa vérité, et l’historien Amin Maalouf analysent à deux voix un monde passé et à venir. Ils décryptent l’exil ou son contraire : la compromission fatale à rester sur place. Ils ciblent la religion comme cause de conflit ou comme refuge consolateur. Sans éviter l’intégrisme et le choix de la lutte armée, la réussite et l’argent plus ou moins bien gagné, crimes et responsabilités sont soigneusement évalués. Ces thèmes existentiels cheminent au rythme mélancolique et chaleureux de l’attachement pudique du narrateur pour son passé à jamais éteint. Le livre se feuillette comme un album pastel.

Chaque ami incarnait une voie possible au moment de l’effondrement d’un monde, et sans condamner aucune de ces options, pétri d’objectivité « aimable » et de politesse orientale, Amin Maalouf, le livre refermé, laisse le lecteur « comme la planète, comme nous tous, en sursis ».

Chroniques de la rentrée littéraire


Jeune Afrique


5 septembre 2012


Jeune Afrique


Bonnes feuilles : "Les Désorientés" d’Amin Maalouf


L’habit vert des immortels : l’écrivain Amin Maalouf ne pouvait rêver plus bel uniforme pour effectuer sa rentrée littéraire que celui de sa récente réception à l’Académie française. Une rentrée marquée par la parution de son roman "Les Désorientés". Le maître y fait une rare incursion dans le XXe siècle et évoque son Liban natal en guerre, sujet douloureux qu’il n’avait fait qu’effleurer jusqu’à présent. Parti au début du conflit, Adam est resté à Paris une fois la paix revenue. La mort d’un ancien ami le décide à se rendre au pays de son enfance et à réunir son cercle d’amis jadis inséparables mais que le conflit, les opinions ou le destin ont dispersés, brouillés, désorientés. En voici un extrait en avant-première.

J’ai précieusement conservé ces lettres, mais je n’ai pas le souvenir d’y avoir répondu.

S’il était compliqué, à l’époque, de recevoir le courrier du pays, il était bien plus hasardeux encore de l’y faire parvenir. La poste ayant cessé de fonctionner, il fallait recourir aux services d’un voyageur, afin qu’il le transmette de la main à la main. Une mission qui pouvait se révéler périlleuse. Le porteur devait parfois se rendre dans une zone de combats ; et s’il ne voulait pas courir de risques, et qu’il demandait au destinataire de venir chercher son enveloppe lui-même, c’est ce dernier qui se trouvait en danger de mort.

Pour cette raison, on n’écrivait plus à ceux qui étaient restés. On leur téléphonait. Ou, tout au moins, on essayait. Neuf fois sur dix, sans résultat, mais quelquefois, l’appel passait. On se dépêchait alors de dire l’essentiel dès les premières secondes, parce que la ligne pouvait soudain redevenir muette. On se rassurait donc sur la santé des proches ; on notait quelques demandes urgentes - en priorité, les médicaments qu’on ne trouvait plus sur place ; on se disait un mot des lettres qu’on avait reçues, ou qu’on avait envoyées ; on mentionnait les proches qui étaient partis, ou qui s’apprêtaient à partir. Ensuite, si les Parques du téléphone se montraient clémentes et que la ligne n’était pas coupée, on se payait le luxe de parler d’autre chose.

Mourad prétendait que, dans l’une de nos conversations, je lui aurais dit, pour répondre à ses reproches : « Moi je ne suis allé nulle part, c’est le pays qui est parti. » Peut-être bien que je l’ai dit. À l’époque, je le disais parfois, la formule me plaisait. Mais ce n’était qu’une boutade. Bien sûr que c’est moi qui suis parti. J’ai pris la décision de partir comme j’aurais pu prendre la décision de rester.

Ce qui ne veut pas dire que ce soit ma faute, si faute il y a. Tout homme a le droit de partir, c’est son pays qui doit le persuader de rester - quoi qu’en disent les politiques grandiloquents. « Ne te demande pas ce que ton pays peut faire pour toi, demande-toi ce que tu peux faire pour ton pays. » Facile à dire quand tu es milliardaire, et que tu viens d’être élu, à quarante-trois ans, président des États-Unis d’Amérique ! Mais lorsque, dans ton pays, tu ne peux ni travailler, ni te soigner, ni te loger, ni t’instruire, ni voter librement, ni exprimer ton opinion, ni même circuler dans les rues à ta guise, que vaut l’adage de John F. Kennedy ? Pas grand-chose !

C’est d’abord à ton pays de tenir, envers toi, un certain nombre d’engagements. Que tu y sois considéré comme un citoyen à part entière, que tu n’y subisses ni oppression, ni discrimination, ni privations indues. Ton pays et ses dirigeants ont l’obligation de t’assurer cela ; sinon, tu ne leur dois rien. Ni attachement au sol ni salut au drapeau. Le pays où tu peux vivre la tête haute, tu lui donnes tout, tu lui sacrifies tout, même ta propre vie ; celui où tu dois vivre la tête basse, tu ne lui donnes rien. Qu’il s’agisse de ton pays d’accueil ou de ton pays d’origine. La magnanimité appelle la magnanimité, l’indifférence appelle l’indifférence, et le mépris appelle le mépris. Telle est la charte des êtres libres et, pour ma part, je n’en reconnais aucune autre.

C’est donc moi qui suis parti, de mon plein gré ou presque. Mais je n’avais pas tort en disant à Mourad que le pays était parti, lui aussi, beaucoup plus loin que moi. À Paris, je ne suis, après tout, qu’à cinq heures d’avion de ma ville natale. Ce que j’ai fait avant-hier, j’aurais pu le faire n’importe quel jour au cours des dernières années : prendre, au matin, la décision de revenir au pays, et me retrouver ici le soir même. L’ancien appartement de ma grand-mère a longtemps été à ma disposition, je m’y serais réinstallé, je n’en serais plus reparti. Ni le lendemain, ni le mois suivant, ni même l’année suivante.

Pourquoi n’ai-je jamais sauté le pas ? Parce que le paysage de mon enfance s’est transformé ? Non, ce n’est pas cela, pas du tout. Que le monde d’hier s’estompe est dans l’ordre des choses. Que l’on éprouve à son endroit une certaine nostalgie est également dans l’ordre des choses. De la disparition du passé, on se console facilement ; c’est de la disparition de l’avenir qu’on ne se remet pas. Le pays dont l’absence m’attriste et m’obsède, ce n’est pas celui que j’ai connu dans ma jeunesse, c’est celui dont j’ai rêvé, et qui n’a jamais pu voir le jour.

On ne cesse de me répéter que notre Levant est ainsi, qu’il ne changera pas, qu’il y aura toujours des factions, des passe-droits, des dessous-de-table, du népotisme obscène, et que nous n’avons pas d’autre choix que de faire avec. Comme je refuse tout cela, on me taxe d’orgueil et même d’intolérance. Est-ce de l’orgueil que de vouloir que son pays devienne moins archaïque, moins corrompu et moins violent ? Est-ce de l’orgueil ou de l’intolérance que de ne pas vouloir se contenter d’une démocratie approximative et d’une paix civile intermittente ? Si c’est le cas, je revendique mon péché d’orgueil et je maudis leur vertueuse résignation.

Mais ce matin, chez Sémi, je redécouvre la joie charnelle de me sentir sur ma terre natale.

J’écris ces derniers mots comme si j’avais besoin de les réapprendre. Ma terre natale. Mon pays. Ma patrie. Je n’ignore rien de ses travers, mais en ces journées de retrouvailles, je n’ai pas envie de me rappeler sans arrêt que j’y suis seulement de passage, et que j’ai dans la poche mon billet d’avion pour le retour. J’ai besoin de croire que j’y réside pour une période indéterminée, que mon horizon n’est pas encombré de dates ni de contraintes, et que je demeurerai dans cette chambre, dans cette pension de montagne, tout le temps qu’il faudra.

Je sais qu’un moment viendra - dans deux jours, dans deux semaines, dans deux mois - où je me sentirai de nouveau poussé vers la sortie ; soit par le comportement des autres, soit par mes propres impatiences. Pour l’heure, cependant, je m’interdis d’y penser. Je vis, je respire, je me souviens.

Grasset, 2012

Jeune Afrique


جريدة الحياة


الأربعاء ١٥ أغسطس/آب ٢٠١٢
جريدة الحياة
باريس - أنطوان جوكي


جريدة الحياة


أمين معلوف يستحضر شبابه روائياً


ما برح الروائي اللبناني أمين معلوف منخرطاً في مشروعه السردي الإنساني النزعة، ويتجلى ذلك في روايته الأخيرة التي صدرت حديثاً لدى دار « غراسيه » الباريسية بعنوان « الضالون ». فيعود مجدّداً إلى فصول ماضيه الشخصي والجماعي لإنارة حاضرنا والإجابة ببصيرةٍ نادرة على تساؤلات عصرنا الملحّة.

القصة التي يرويها علينا هذه المرّة مستوحاة من مرحلة شبابه ويمكن تلخيصها على النحو الآتي : مؤرّخ لبناني يدعى آدم ويعيش في باريس منذ ربع قرن يتلقّى اتصالاً هاتفياً في ساعة متقدمة من الليل من صديقٍ قديم له يدعى مراد يطلب منه وهو على فراش الموت الحضور بسرعة إلى لبنان لرؤيته مرةً أخيرة. وعلى رغم القطيعة الطويلة بينهما، يركب آدم في أول طائرة متّجهة إلى بيروت ويحضر إلى وطنه بعد غياب سنين طويلة.

ومع أن صديقه سيتوفى قبل أن يراه، لن يلبث ماضيه أن يطفو على سطح ذاكرته فيستقر في الفندق التي تملكه صديقته سميراميس ويسترسل في استحضار رفاق شبابه مستعيناً بذاكرته تارةً وبملفٍ أزرق حمله معه من باريس ويتضمّن جميع مراسلاته مع هؤلاء الرفاق تارةً أخرى. تذكُّر يقوده بسرعة إلى اللحظات المهمة والأحداث الكبرى التي عاشوها معاً والأحلام النبيلة التي حملوها قبل أن تقع الحرب وتُفسد كل شيء، فيقُرّر بإيعازٍ من تانيا، زوجة مراد، جمع مَن تبقّى منهم على قيد الحياة كتحية لذكرى مراد الذي كان منزله مفتوحاً دائماً للقاءاتهم ونقاشاتهم الحامية.

ومع أن آدم لم يكن مقتنعاً في البداية بإمكان تحقيق هذا المشروع نظراً إلى تشتّت معظم رفاقه في القارات وتطوّرهم داخل دوائر مهنية وسياسية وروحية مختلفة، لكن سرعة ردهم على الرسائل التي وجّهها إليهم والحماسة التي أبدوها للقدوم إلى وطنهم وإعادة إحياء روابطهم به وبأصدقائهم القدامى، تنقلان مشروعه من حقل الاستيهام إلى حقل الواقع.

وفي هذا السياق، نتعرّف عن كثب إلى هؤلاء الرفاق، بدءاً بآدم الراوي الأساسي ويشبه، بشخصيته ومواقفه وولعه بالتاريخ وظروف حياته، معلوف نفسه، مع بعض الاختلافات الطفيفة، مروراً بمراد المتجذّر في أرضه وقوميته اللبنانية والذي ستتّسخ يداه أثناء الحرب بعد اعتلائه منصباً سياسياً بارزاً، وتانيا صديقة الجميع منذ الجامعة التي ستدافع عن خيارات زوجها مراد حتى بعد وفاته، وبلال الشاعر الذي عشق الكتّاب الذين شاركوا في حرب إسبانيا (أورويل وهمنغواي ومالرو) فانخرط في الحرب اللبنانية قبل الشروع في الكتابة وقُتل في أول قذيفة أُطلقت من الحي المقابل، وسميراميس الفاتنة التي بقيت في حالة اكتئاب سنين طويلة، على أثر مقتل حبيبها بلال، قبل أن يوقظها انفجار قذيفة قربها على الحياة مجدداً، وآلبر الرقيق الذي تخلى عنه والداه وهو طفل وخُطِف أثناء الحرب، في اليوم الذي قرر فيه الانتحار، الأمر الذي أنقذ حياته ودفعه إلى الهجرة إلى الولايات المتحدة، ونعيم الذي خضع لمشيئة عائلته اليهودية فغادر معها إلى البرازيل قبل وقوع الحرب، من دون أن ننسى رمزي ورامز، الصديقين التوأمَين، اللذين شاهدا بأعينهما تحطّم مكتب الهندسة الذي افتتحاه فور تخرّجهما، فانتقلا إلى جدّة وكسبا أموالاً طائلة في عملهما، قبل أن يقرّر رمزي فجأة التخلي عن كل شيء ودخول الرهبنة بينما يتابع رامز مساره ويستقر في عمّان.

لبنان قبل 75

شخصياتٌ كثيرة ومثيرة نتعلّق بقدر كلّ منها ويصفها معلوف على لسان آدم على النحو الآتي : « أصدقائي كانوا ينتمون إلى جميع الطوائف، وكان كل واحد منهم ملتزماً الهزء من طائفته أولاً، ثم من طوائف الآخرين. كنّا نعتبر أنفسنا من أتباع فولتير أو كامو أو سارتر أو نيتشه أو السورياليين، فعُدنا من جديد مسيحيين أو مسلمين أو يهوداً. كنّا شبّاناً في فجر حياتنا حين حلّ علينا الغروب. الحرب اقتربت ولم يكن في وسعنا إيقافها. كان بإمكاننا فقط الهروب ».

ومن خلال هذه الشخصيات، يلقي معلوف ضوءاً كاشفاً على تلك المرحلة المجيدة التي سبقت الحرب الأهلية اللبنانية ولكن، أيضاً على الفظائع التي رافقت اندلاع هذه الحرب. أكثر من ذلك، يستخدم الكاتب كل واحدة من هذه الشخصيات لطرح تأملاتٍ مثيرة له في مواضيع آنية مختلفة وتسجيل مواقف جريئة في مسائل سياسية واجتماعية وتاريخية عدة.

فعن طريق آدم الذي هاجر إلى باريس بداية الحرب، يقول معلوف : « أن نغادر وطننا هو أمرٌ طبيعي. أحياناً تفرض الأحداث ذلك، وإلا يجب ابتكار هذه الذريعة. أنا وُلدتُ على كوكب وليس في بلد. طبعاً وُلدتُ أيضاً في بلد، في مدينة، في طائفة، في عائلة، في دار ولادة، في مهد. لكن الشيء الوحيد المهم، بالنسبة إلي كما بالنسبة إلى سائر البشر، هو أننا نأتي إلى العالم. أن نولد هو أن نأتي إلى العالم وليس إلى هذا البلد أن ذاك، إلى هذا البيت أو ذاك ». وفي مكانٍ آخر من الرواية، يقول أيضاً : « لكل إنسان الحق في الرحيل، ويتوجّب على بلده إقناعه بالبقاء. يجب على بلدك الوفاء تجاهك بعددٍ من الالتزامات. أن يتم اعتبارك كمواطن كامل الحقوق، أن لا تخضع لأي اضطهاد أو تفرقة مجحفة أو حرمان لا تستحقّه. يتوجّب على بلدك ومسؤوليه تأمين ذلك لك وإلا فأنت لا تدين لهم بشيء. امنح البلد الذي يمكنك أن تعيش فيه برأسٍ مرفوع كل شيء وضحِّ من أجله بكل شيء، بما فيه حياتك ».

ويقابل معلوف هذا الموقف بموقف مراد الذي بقي في بلده وتختصره تانيا أمام آدم بقولها : « ما كان مصير الوطن لو أن جميع الناس رحلوا مثلك؟ كنّا حافظنا على أيدينا نظيفة لكن في باريس، في مونريال، في ستوكهولم أو في سان فرانسيسكو ». حقيقةٌ تدفع آدم، ومعلوف من ورائه، إلى استنتاج ظروفٍ تخفيفيّة لسلوك مراد خلال الحرب : « يشكّل تصرُّف صديقي القديم خلال سنوات الحرب خيانةً للقيم التي كنا نتشاركها. لكن وفاءه وتعلّقه بوطنه هو الذي قاده إلى الخيانة. رفض الرحيل فاضطُرّ لقبول تسويات وتواطؤات قادته إلى ما يتعذّر قبوله. من بعيد، يمكننا أن نقول « لا » من دون عواقب. داخل البلد، لا نتمتّع دائماً بهذه الحرية. فضائل مراد ضلّلته وتقصيري أنقذني ».

ومن خلال شخصية آلبر، يمنحنا معلوف نموذجاً عن المعجزات التي تحصل في رحم الحرب نفسها. فعملية اختطاف آلبر في اليوم الذي قرّر فيه الانتحار لن تنقذ حياته فحسب بل ستمنحه، بشخصَي الخاطف وزوجته، والدَين بديلَين عن والدَيه اللذين لم يعرفهما، كما ستمنح الخاطف وزوجته ابناً بديلاً عن ابنهما الذي اختُطف وقُتل في حي آلبر.

الصراع العربي الإسرائيلي

وعبر شخصية نعيم اليهودي يتطرّق معلوف إلى موضوع الصراع العربي - الإسرائيلي فيضع على لسان والد نعيم القول الآتي : « لدينا الحق في العيش في فلسطين مثل الآخرين، وربما أكثر بقليل. لكن، لا شيء يمنحنا الصلاحية في أن نقول للعرب : ارحلوا من هنا. هذه الأرض لنا منذ الأزل ولا عمل لكم هنا ! هذا غير معقول، بالنسبة إليّ، مهما كان تفسيرنا للنصوص (المقدّسة) ومهما كانت عذاباتنا ». وفي رسالة آدم إلى نعيم، يقول معلوف : « الصراع الذي شقلب حياتنا ليس مسألة إقليمية كغيرها من المسائل، كما أنه ليس فقط مواجهة بين قبيلتَين « من العائلة نفسها » جار عليهما الزمن. إنه أكثر من ذلك بكثير. فهذا الصراع، أكثر من غيره، هو الذي يمنع العالم العربي من التحسّن ويمنع الغرب والإسلام من التصالُح ويدفع البشرية المعاصرة إلى الخلف، إلى التشنّجات الهوياتية، إلى التعصّب الديني، إلى ما نسمّيه اليوم « صراع الحضارات ». نعم، يا نعيم، أنا على يقين بأن هذا الصراع الذي أفسد حياتك وحياتي هو اليوم العقدة المؤلمة لمأساةٍ تتجاوزنا وتتجاوز جيلنا ووطننا الأم ومنطقتنا. أزن كلامي حين أقول : هذا الصراع هو السبب الأول لدخول البشرية في مرحلة تقهقُر بدلاً من السيّر إلى الأمام ».

وفي الرسالة نفسها، يقول أيضاً : « حين فهم العرب أن الهجرة اليهودية (إلى فلسطين) لم تكن تقتصر على مجموعات محدودة من اللاجئين بل تشكّل في الواقع مشروعاً منظّماً غايته تملّك البلاد، تصرّفوا كأي شعب في ظروفٍ مماثلة، أي عبر المقاومة المسلحة لهذا المشروع. لكنهم هُزِموا. في كل مواجهة حصلت، هُزِموا. لم أعد قادراً على إحصاء عدد الهزائم التي مُنُوا بها. الأكيد هو أن هذه السلسلة من النكسات أفقدت العالم العربي، ثم العالم الإسلامي، تدريجاً توازنهما. وأتحدث عن فقدان توازن بالمعنى السياسي ولكن أيضاً بالمعنى العيادي. إذ لا نخرج سالمين من سلسلة مذلّات أمام أنظار العالم أجمع ».

أما في جواب نعيم على رسالة آدم فنقرأ : « أنا آسف خصوصاً لأن أبناء ديني هم اليوم منقطعون عما كان، على مدى العصور، دورهم التاريخي الذي يتعذّر استبداله : دور الخمير الإنساني الشامل. هذه هي مهمتنا التي احتُقرنا بسببها من قبل المتعصّبين والمنغلقين على أنفسهم. أفهم إرادة أن نكون « أمة كسائر الأمم »، بمنطقها القومي الخاص. لكن في هذا التحوّل، ثمة شيء جوهري يضيع تدريجاً. لا يمكننا أن نكون في الوقت ذاته قوميين بشراسة وشموليين بحزم ».

وتمنح شخصية نضال التي ستتطوّر من اليسارية الماركسية إلى الأصولية الدينية، معلوف فرصة توجيه بعض الأسئلة إلى المتشدّدين في شرقنا والذين يبرّرون عداءهم للغرب بهيمنته وحروبه على منطقتنا منذ قرونٍ أربعة : « لماذا لم ننجح في منع الغرب من احتلال أراضينا؟ لماذا نحن ضعفاء؟ لماذا نحن غير قادرين على صناعة أسلحة بقوة أسلحة الغرب؟ لماذا حصلت الثورة الصناعية في أوروبا وليس عندنا؟ يمكننا أن نكرر أن الحق على الآخرين. ولكن لا بد في النهاية من أن نرى بأم العين تقصيرنا وآفاتنا وعاهاتنا ».

عن الكوزموبوليتية

ولا يتوقف معلوف عند هذا الحد في روايته، بل يتناول، من خلال شخصية سميراميس، موضوع الحضارة المشرقية الكوزموبوليتية الغالية على قلبه وأسباب انكفائها في مصر، مع مجيء عبدالناصر، وفي لبنان، مع بداية الحرب الأهلية. ولأن الرواية لا تكتمل من دون قصة حبّ تلطّف خطابها الحنيني الكئيب، يتخيّل معلوف لنا علاقةً عاطفية قصيرة وجميلة بين سميراميس وآدم المتأهّل تسمح له بتسجيل موقفٍ مثير من موضوع العلاقات العاطفية. فعلى لسان آدم، يقول : « وصفات كارثية كانت النظريات التي أغوتنا خلال السبعينات حول العلاقة بين حبيبَين، التي كان من المتوجّب أن تكون مفتوحة على جميع الاختبارات. أنا كنتُ مراهقاً يبتلع كسكيرٍ كل ما كان يأتينا من فرنسا وجامعات أميركا الشمالية. (…) وإذ أنظر اليوم إلى فكرة الحبيبَين المنفتحَين على جميع التيارات الهوائية كفكرةٍ طفولية، لا أقيّم كثيراً العلاقة التي تفوح منها رائحة الحبس، وأحتقر العلاقة على الطريقة القديمة، أي المبنية على خضوع المرأة للرجل أو العكس بالعكس. جوهر العلاقة في نظري اليوم هو : التواطؤ والرقّة وحق الوقوع في الخطأ ».

تبقى إشارة أخيرة إلى الميزات الشكلية الكثيرة التي تتحلّى بها هذه الرواية وتمنحها كل حداثتها، كحرّية نبرتها وأسلوبها البلّوري المبتكَر، فضلاً عن اعتماد معلوف عملية سردٍ فريدة تتطوّر على ثلاثة محاور : محور الروائي - الراوي، محور آدم الراوي الذي لا يسعه التفكير إلا كتابةً، ومحور الرسائل المتبادلة بين شخصيات الرواية التي تضفي على هذه الأخيرة بُعداً تراسليّاً (épistolaire) مثيراً.

عن موقع جريدة الحياة

جريدة الحياة

"الحياة" صحيفة يومية سياسية عربية دولية مستقلة. هكذا اختارها مؤسسها كامل مروة منذ صدور عددها الأول في بيروت 28 كانون الثاني (يناير) 1946، (25 صفر 1365هـ). وهو الخط الذي أكده ناشرها مذ عاودت صدورها عام1988.

منذ عهدها الأول كانت "الحياة" سبّاقة في التجديد شكلاً ومضموناً وتجربة مهنية صحافية. وفي تجدّدها الحديث سارعت إلى الأخذ بمستجدات العصر وتقنيات الاتصال. وكرست المزاوجة الفريدة بين نقل الأخبار وكشفها وبين الرأي الحر والرصين. والهاجس دائماً التزام عربي منفتح واندماج في العصر من دون ذوبان.

اختارت "الحياة" لندن مقراً رئيساً، وفيه تستقبل أخبار كل العالم عبر شبكة باهرة من المراسلين، ومنه تنطلق عبر الأقمار الاصطناعية لتطبع في مدن عربية وأجنبية عدة.

تميزت "الحياة" منذ عودتها إلى الصدور في تشرين الأول (أكتوبر) 1988 بالتنوع والتخصّص. ففي عصر انفجار المعلومات لم يعد المفهوم التقليدي للعمل الصحافي راوياً لظمأ قارئ متطلب، ولم يعد القبول بالقليل والعام كافياً للتجاوب مع قارئ زمن الفضائيات والإنترنت. ولأن الوقت أصبح أكثر قيمة وأسرع وتيرة، تأقلمت "الحياة" وكتابها ومراسلوها مع النمط الجديد. فصارت أخبارها أكثر مباشرة ومواضيعها أقصر وأقرب إلى التناول، وكان شكل "الحياة" رشيقاً مذ خرجت بحلتها الجديدة.

باختصار، تقدم "الحياة" نموذجاً عصرياً للصحافة المكتوبة، أنيقاً لكنه في متناول الجميع. هو زوّادة النخبة في مراكز القرار والمكاتب والدواوين والبيوت، لكنه رفيق الجميع نساء ورجالاً وشباباً، فكل واحد يجد فيه ما يمكن أن يفيد أو يعبّر عن رأيٍ أو شعورٍ أو يتوقع توجهات.


Partager

Imprimer cette page (impression du contenu de la page)