سينما

مشاهدة فيلم فجر يوم جديد من اخراج يوسف شاهين بجودة عالية L’Aube d’un jour nouveau, Youssef Chahine, 1964

, بقلم محمد بكري


مقال جريدة الحياة اللندنية


جريدة الحياة


«فجر يوم جديد» ليوسف شاهين : يوم كان الإيمان بالدولة ممكناً


النسخة: الورقية - دولي السبت، ٢٥ أبريل/ نيسان ٢٠١٥
جريدة الحياة
ابراهيم العريس


كان من الواضح خلال النصف الأول من سنوات الستين، وبعدما أنجز يوسف شاهين فيلمه الكبير «الناصر صلاح الدين» وانفتحت أبواب «الدولة» في وجهه، مادياً ومعنوياً رداً على الدعم الذي قدمه لها هذا الفيلم، بات في إمكان هذا المخرج ان يخوض تجربة جدية في سينماه، كان سمير نصري، مساعده الشاب في ذلك الحين، والمعروف بثقافته السينمائية الأوروبية العميقة، قد قاد خطاه فيها: تجربة السينما الأوروبية. إذ خلال تلك السنوات قيّض لشاهين، وغالباً في رفقة سمير نصري، ان يشاهد عدداً لا بأس به من أفلام ميكائيل انجلو انطونيوني ولوكينو فسكونتي (اللذين كانا تفردا كل منهما في سبيل، بعد استنفادهما إمكانيات «الواقعية الإيطالية الجديدة»). ويقيناً ان مشاهدة تلك الأفلام كانت مدار نقاشات طويلة بين شاهين ونصري... ومن تلك النقاشات ولد فيلم «فجر يوم جديد». وطبعاً لا يجري الحديث هنا على مضمون الفيلم وعلاقته بمضامين أفلام أنطونيوني أو فيسكونتي، وهي غالباً الأفلام التي تخطر في البال لدى الحديث عن «فجر يوم جديد»، ففي المضمون لا علاقة بين هذا، وتلك. الحديث هنا عن الشكل، عن المناخ العام، عن اللغة السينمائية، ثم أكثر من هذا عن الطبقة الاجتماعية وموقع المرأة - الشخصية المحورية في الفيلم - منها. وهذا هو، بالضبط، جوهر «فجر يوم جديد».

ومن هنا، تأتي في البداية ضرورة الحديث عن مساهمة كل من يوسف شاهين وسمير نصري، في بناء الصرح الفكري لهذا الفيلم: ففي اعتقادنا، كان المناخ العام، وجعل المرأة في مركز الفيلم، وانصراف الفيلم للحديث عن الطبقة الوسطى وموقعها من الثورة المصرية، بعد عشر سنوات من «نجاحات» تلك الثورة وإخفاقاتها، كل هذا كان المساهمة الأساسية لسمير نصري، الذي يبدو لنا دائماً أكثر من معلمه شاهين التفاتاً الى هذه النواحي، فيما يخيل الينا أن شاهين، الذي كان لا يزال من كبار المؤمنين بصوابية المسلك الذي اتبعه وكان لا يزال يتبعه جمال عبد الناصر، هو الذي أثر في المسلك السياسي للفيلم، معطياً إياه طابعاً أيديولوجياً منتمياً الى الثورة يدعو دعواتها في شكل يكاد يبدو معه، دعاوياً دعاوية «الناصر صلاح الدين».

ومع هذا نحن لا نريد، هنا، أن نبرئ هذا الفيلم مما فيه من قسط أيديولوجي - دعاوي، لكننا نريد فقط ان نضعه في موضعه الصحيح. ذلك أن شاهين، ومنذ «فجر يوم جديد» على الأقل، كف عن أن يكون صاحب اليقينات المطلقة. بل إنه، لاحقاً، حتى حين بدأ سلسلة أفلامه الناقدة - والناقدة بعنف أحياناً - لمسببات الهزيمة، ظل شيء من الشك يساوره، سلباً أو إيجاباً، يدفعه حتى في أصعب اللحظات وأكثرها اثارة للغضب، الى ترك مجال للرأي الآخر وهذه المكانة واضحة في «فجر يوم جديد» و... منذ العنوان!

فالفجر الجديد الذي يتحدث عنه العنوان هنا هو فجر ينبني على المصالحة الطبقية، لا على الصراع الطبقي. لكنها كانت، في العرف الناصري، مصالحة من نوع عجيب: تريد لطبقة سلبت أملاكها وحرمت من المساهمة التلقائية في ازدهار المجتمع وبناء الوطن، ان ترضى بما اصابها وتنخرط في المجتمع «الثوري» الجديد، برضاها. وهذا هو المعنى الإجمالي لهذا الفيلم أولاً وأخيراً. وعن هذا المعنى، تحديداً، كنا نتحدث، حين أشرنا الى قسط يوسف شاهين أو قسط سمير نصري في هذا الفيلم.

منذ البداية يضعنا الفيلم في سياق «خبثه» الأيديولوجي. فهو يقدم لنا زوجين ينتميان الى البورجوازية القاهرية الرفيعة: نايلة الأربعينية وهي تمثل في نهاية الأمر الارستقراطية الهاوية من أعلى مكانتها، وزوجها حمادة أبو العلا، الذي يمثل تلك البورجوازية المؤلفة من أغنياء الحرب الذين جمعوا ثروة من دون أن تواكبها ثقافة اجتماعية حقيقية. منذ البداية قد نتعاطف بعض الشيء مع نايلة، لكننا سنندفع أكثر وأكثر الى النفور من الإثنين، لأنهما يقدَّمان لنا في الفيلم، ليس كفردين من بورجوازية وسطى تبني الوطن وتساهم في رفعة الثقافة والعمران والصناعة والاقتصاد كما هي حال البورجوازية (الطبقة الوسطى) في كل المجتمعات التي تشبه المجتمع المصري، بل كشخصين ساقطين بالكاد يعثران على مال يشتريان به الويسكي للحفلات الصاخبة التي يقيمانها. بل إن الخدم (رمز الشعب!) لا ينظرون الى الزوجين، إلا بكل احتقار.. فهم - اي الخدم - لا يقبضون حتى أجورهم. وعلى رغم هذا كله، نجد الزوجين يخوضان الحياة الاجتماعية كما يجب، بما في ذلك حضور الحفلات الخيرية وتقديم المساعدات الاجتماعية، وصولاً الى ذات يوم تزور فيه نايلة مأوى لليتامى يغني فيه في حضرتها مجموعة من هؤلاء يلفت نظرها واحد منهم. وفي الوقت نفسه تتعرف نايلة على طالب شاب (طارق) يدرس حتى يتمكن من السفر لاستكمال دراسته في الفيزياء النووية، في الوقت الذي يعمل في مشروع «الصوت والضوء» في منطقة إهرامات الجيزة (عنوان الفيلم مأخوذ أصلاً من أحد شعارات المشروع). وكما يجب أن يحدث هنا، تقع نايلة في حب طارق، الذي يصارحها منذ البداية بأنه سوف يرحل عما قريب كي يدرس في ألمانيا ثلاث سنوات. في البداية لا تبالي نايلة بهذا، بل تصطحبه في جولات نصف سياحية، نصف غرامية، يعرّفها طارق خلالها على منجزات الثورة: المصانع، البنايات الضخمة، برج القاهرة، الاحتفالات الثورية الصاخبة. والحال أن هذه الجولة لا تبدو جولة غرامية بقدر ما تبدو جولة دعائية، الغاية منها اكتساب نايلة الى صف الثورة و «الفجر الجديد» وانتزاعها من طبقتها. ونايلة، ربما لحبها لطارق، وربما لسأمها من واقع حياتها الفاسد والمضجر، كما حال مونيكا فيتي في «الصحراء الحمراء» لأنطونيوني، لا تجد صعوبة في الوصول الى القناعة التي أراد لها طارق ان تصل اليها. بل أكثر من هذا: تحس بعدوى الحماس الثوري ومجتمع العمل وتجد ان عليها هي الأخرى ان تعمل: فتطلب من اخيها، الصحافي في «الحقيقة» (لافتة ترجمة اسم «البرافدا» الروسية في هذا الاسم!)، ان يشغلها سكرتيرة لديه فيفعل لتجد من خلال مجابهة مع سكرتيرة أخرى اكثر شباباً منها، ان حبها لطارق ذي الإثنين وعشرين عاماً، خطأ. هكذا اذن فعل فيها الانتماء الثوري فعله: سياسياً واجتماعياً وأخلاقياً. ومن هنا ستقيّم أوضاعها في اللحظات الأخيرة وتقرّر عدم مصاحبة طارق الى ألمانيا، وهو ما كانت تعتزمه أصلاً، وفي المشهد الأخير يحصل الفراق والوداع بينهما: هو يتوجه الى ألمانيا كي يدرس ويرفد ثورة الشعب بعلمه وإمكاناته الجديدة. وهي تودعه وقد قررت أن تكرس وقتها للفتى اليتيم الذي تحتاج موهبته اليها. وهذا الفتى نفسه يبدو منظره طريفاً وعجائبياً وهو يصل الى المحطة (باب الحديد) ليعانق نايلة، «امه» الجديدة، التي ستوفر له، هو الآخر، الفجر الجديد، بحمايتها له وقد انتمت الى الثورة نهائياً!

واضح أن الشخصيات كلها هنا مرمّزة، لكن الترميز واضح ولا يحتاج الى مزيد من التفسير. اننا هنا في إزاء فيلم «ثوري» يبرّر للسلطة كل ما تفعل، ويجعل الانتماء إليها وإلى ثورتها ومنجزاتها حلاً عجائبياً متاحاً لمن يعي ذلك. غير أن هذا الكلام لا ينبغي أن يمر هنا من دون إشارات سيبدو الفيلم مغرقاً في السذاجة لو لم نتنبه اليها. وأولى هذه الإشارات تتعلق بالإطار التاريخي لزمن إنتاج الفيلم: أنتج في وقت كانت فيه «الثورة» قد أنجزت ضرب الطبقة الوسطى متهمة إياها بكل أنواع الموبقات والخيانات، مصادرة أموالها ومصالحها، متسببة في أحيان كثيرة في هجرتها (هجرة سيكون الفنانون ومنهم يوسف شاهين وسمير نصري نفسيهما، في عدادها، مباشرة بعد إنجاز هذا الفيلم!). فما الذي أتى «فجر يوم جديد» ليقوله هنا؟ طبعاً إن الطبقة الوسطى، ولكن الطفيلية (زوج نايلة، وقام بدوره يوسف شاهين نفسه، في تجربته التمثيلية المهمة الثانية بعد لعبه دور قناوي في «باب الحديد») تستحق ما حل بها. فهي جنت على نفسها، ولم تجن عليها الثورة. ولكن في المقابل هناك نايلة، هي الأخرى تنتمي الى الطبقة الوسطى، ولكن: الأصيلة، المثقفة، ذات الوعي والعواطف، والتي يمكن اكتسابها بالإقناع، بالحب... مثلاً! وقد نضيف هنا أيضاً ان يوسف شاهين، وضع في هذا الفيلم، كل العوالم التي سوف تشكل لاحقاً أجزاء أساسية من عالمه الكلي: دور المثقف، التصالح الطبقي بشروط الطبقة الأوعى، محاولة العقل الواعي فضح الفساد...الخ.

عن موقع جريدة الحياة


“الحياة” صحيفة يومية سياسية عربية دولية مستقلة. هكذا اختارها مؤسسها كامل مروة منذ صدور عددها الأول في بيروت 28 كانون الثاني (يناير) 1946، (25 صفر 1365هـ). وهو الخط الذي أكده ناشرها مذ عاودت صدورها عام1988.

منذ عهدها الأول كانت “الحياة” سبّاقة في التجديد شكلاً ومضموناً وتجربة مهنية صحافية. وفي تجدّدها الحديث سارعت إلى الأخذ بمستجدات العصر وتقنيات الاتصال. وكرست المزاوجة الفريدة بين نقل الأخبار وكشفها وبين الرأي الحر والرصين. والهاجس دائماً التزام عربي منفتح واندماج في العصر من دون ذوبان.

اختارت “الحياة” لندن مقراً رئيساً، وفيه تستقبل أخبار كل العالم عبر شبكة باهرة من المراسلين، ومنه تنطلق عبر الأقمار الاصطناعية لتطبع في مدن عربية وأجنبية عدة.

تميزت “الحياة” منذ عودتها إلى الصدور في تشرين الأول (أكتوبر) 1988 بالتنوع والتخصّص. ففي عصر انفجار المعلومات لم يعد المفهوم التقليدي للعمل الصحافي راوياً لظمأ قارئ متطلب، ولم يعد القبول بالقليل والعام كافياً للتجاوب مع قارئ زمن الفضائيات والإنترنت. ولأن الوقت أصبح أكثر قيمة وأسرع وتيرة، تأقلمت “الحياة” وكتابها ومراسلوها مع النمط الجديد. فصارت أخبارها أكثر مباشرة ومواضيعها أقصر وأقرب إلى التناول، وكان شكل “الحياة” رشيقاً مذ خرجت بحلتها الجديدة.

باختصار، تقدم “الحياة” نموذجاً عصرياً للصحافة المكتوبة، أنيقاً لكنه في متناول الجميع. هو زوّادة النخبة في مراكز القرار والمكاتب والدواوين والبيوت، لكنه رفيق الجميع نساء ورجالاً وشباباً، فكل واحد يجد فيه ما يمكن أن يفيد أو يعبّر عن رأيٍ أو شعورٍ أو يتوقع توجهات.



مشاهدة فيلم فجر يوم جديد


مشاهدة فيلم فجر يوم جديد من اخراج يوسف شاهين بجودة عالية على يوتيوب


المزيد من المعلومات عن الفيلم على موقع أفلام مصر العالمية

عرّف بهذه الصفحة

Imprimer cette page (impression du contenu de la page)