الخرائط البديلة في العالم العربي

, بقلم محمد بكري


مجلة العمران العربي - Arab Urbanism


مجلة العمران العربي - Arab Urbanism
وائل طحّان


الخرائط البديلة في العالم العربي : الفن المعاصر نموذجاً


JPEG - 615.9 كيلوبايت
صورة 1 : Jananne Al-Ani, Shadow Sites II, 2011. المصدر: edgeofarabia.com


كأنّها صحراء، موقع بين مدينتين، حقل، عراء أرضي. كأنّها ثكنة عسكرية، باحة داخل بناء محاط بأسوار مدرّعة. كأنّه موقع أثري، حضارة مستقبليّة، فوّهة قمريّة، جادّة أو جسر يصل بين كونين. كأنّها أنماط روبرت سميثسون الحلزونية منسيّة بين الرافدين. بل كأنّه العراق إبّان حرب الخليج أو بُعيد الغزو الأمريكي. مدنٌ جديدة تولد، ومدن تمّح، كلّما اقتربت الرؤية اضمحّل الموضوع. كلّ هذه المقاربات المكانيّة هي من فيديو لتتابع صور رقميّة بالأبيض والأسود من منظور طائرة يُعرض على إحدى جدران غرفة مظلمة في معرض فنّي. إنّه العمل الفني “مواقع الظل Shadow Sites” للفنانة العراقية جنان العاني الذي توظف الفنانة من خلاله المتخيّل البصري لرصد تداعيات الحرب على المدينة في ثنائية العمران والخراب، ورصد دور التطور التكنولوجي في تسريع عملية إعمار المدن بل وهدمها كذلك. غالبية الصور المكانية التي توالت وتداخلت في هذا العمل هي من الأرشيف وقد لا تتطابق البتّة مع حقيقة الواقع المكاني الراهن للمدن التي عملت الفنانة على تمثيلها بالخرائط (أي كارتوغرافياً) بتصوير رقمي من الأعلى. لكن، بالمقابل، هل ثمّة تمثيل حقيقي للمكان؟ وما السبيل إليه؟ هل نقل ما تقع عليه العين بحذافيره إلى إحدى الوسائط البصريّة هو عِيار لكمال التمثيل المكاني؟ أيّ نوع من الخرائط أو المخططات أو الرسومات كفيل بعرض حيادي ونزيه أو حتى ذاتي وموضوعي للأقاليم والمدن والأحياء والعلاقات المكانية الكائنة بين القاطنين من منظورهم هم؟ والأهم من هذا، من يملك السلطة والتحكّم بهذه التصورات ومن أين تستمد الخرائط الإقليمية والمحلية والعمرانية شرعيّتها؟

قد يكون المثال الذي استُهِلت به الدراسة أعلاه متطرّفاً في معالجته للمكان إن علمنا إقصاءه للعنصر البشري، ولو ظاهريّاً، لكنّه يندرج ضمن شريحة واسعة من أعمال كثيرة ومتعدّدة في أساليبها ومضامينها، والتي تتّخذ من الخرائط والمخططات العمرانية وشتّى التصورات المكانية مادّة لها، حيث تقوم بتوظيف اللغة الخرائطية وتربطها بمسائل وقضايا مكانيّة قلّما يتطرّق إليها الجغرافيّون والمعماريون أنفسهم. جدير بالتنويه هنا إلى عدد من النقاط الأولية والتي من شأنها تكوين المنهجيّة والقاعدة النظريّة لهذا الطرح، وتوضيح سياقه المعرفي وبالتالي الأغراض التي يتطلع إليها. أولاً، إنّ مثل هذه الأعمال، وإنّ سمّيت بالبديلة، لا تدّعي أو تفترض وجودها كمعوّض عن الممارسات المكانية التقليدية التي تقوم عليها حقول الجغرافيا والعمران بسائر تفرّعاتها، بل هي استكمالٌ لمسائلها وامتداد نقديّ لها عبر انفتاح على أولويّات مغايرة في معالجة المكان، مثل المعرفة الحسيّة والذاتية والانثروبولوجية والنضالية بوسائط بديلة. ثانياً، إنّ هذه الممارسات، وإن آثرنا في سياقنا الفن المعاصر، لا تنحصر على الفنانين فقط دون سواهم بل ثمة جغرافيون ومعماريون بل وحتّى فلاسفة ومتخصّصون من غير حقل باتوا يوظّفون الخرائط البديلة لعرض مسائلهم المختلفة بقالب مكاني لا يتّفقُ ضرورةً مع استخدامها التقليدي، بل كُلٌّ تبعاً لفرادة تخصّصه وأغراضه. هذا يأخذنا إلى النقطة الثالثة، أنّه وإن كانت الأعمال المعروضة في طرحنا هذا فنيّة بالمقام الأوّل، علينا التنويه بأنّها أعمال معاصرة بمنهجيّة عابرة للتخصّصات لا يقتصر بها المطاف إلى المعارض والمتاحف فحسب، بل إن عدداً كبيرا من هذه الممارسات يعير أهميّة بالغة لعمل الميدان وللتعاونات المحليّة ولخصوصيّة الموقع الموظَّف. رابعاً، التطرّق لهذه الظاهرة على أنها سلسلة من الممارسات الفنيّة التي توظّف الخريطة كأداة بديلة لمعرفة مكانيّة حسيّة تضع قلق المواطن المعاصر في محور هاجسها عوضا عن التمثيل الأرضي داته، فإن هذا التعريف الشامل لا يعني أنّ الأعمال التي تندرج في هذا السياق تنتمي بأي شكل إلى حقبة أو مدرسة فنيّة أو نقدية بمعايير واضحة ومُعرّفة مسبقا، بل سنجد في عدد كبير من الأمثلة تبايناً واضحا في منهجيّة وأساليب هذه الممارسات. أخيراً، للاختصار ولدواعي لغويّة لا مكان لتفصيلها، إنّ ذكر كلمة خرائط في قولنا يشمل مبدئيا كافة أنواع المخططات المكانيّة من خرائط جغرافية وطوبوغرافيّة ومخططات حضريّة ومعمارية ورسومات مكانيّة توثيقيّة أو تجريبية، على أن يُحدّد في الأمثلة المذكورة شكل الوسائط المستخدمة لتحرّي الدقّة. انطلاقا من هذا الهيكل النظري، سنحاول تسليط الضوء على بعض الممارسات الخرائطية البديلة في سياق المدينة العربية عبر دراسة امتداد هذه الظاهرة إلى حقول الفن المعاصر وتداعيات هذا المدّ المعرفي على الممارسات العمرانية التقليدية. لكن كيف بدأت هذه الأعمال الخرائطيّة-الفنيّة وما هي قيمها النظرية والعملية على حد سواء؟ وكيف وجد الفنان المعاصر نفسه اليوم بلباس الجغرافي أوالمخطط الحضريّ والمعماريّ بل والناشط الميدانيّ أيضاً؟ لنعود قليلاً إلى الوراء.

"المنعطف المكاني"

في مطلع الستينيات، قدم الجغرافي الأمريكي ذو النزعة الماركسية إدوارد سوجا القاعدة النظرية لما سيعرف فيما بعد بـ"المنعطف المكاني" أو “Spatial Turn”، وهو الأخذ بأهميّة المكان كمفهوم لتفسير ومعالجة مختلف الظواهر الاجتماعية والإنسانيّة.
هذا المنهج المبني على تخصصات مختلفة في تأويل وفهم المكان كمصطلح مولّد لشبكة من الأفكار والقيم كان يسير أيضا بنفس الاتجاه في الفلسفة، لاسيّما نظريات ميشيل فوكووهنري ليفِبفر ونخصّ بالذكر جيل ديلوز وفيليكس غواتاري بتفريقهما بين مفهوم ووظيفة الخريطة وبين ورق الاستشفاف.
فالخريطة هنا بالمعنى “الديلوزي” تنقل حقائق مكانية جديدة وليدة التجربة الخرائطية لم نكن نعرفها من قبل، بخلاف ورق الاستشفاف الذي يقتصر عمله على عمل الناسخ ليس إلّا. إنّ الخريطة في هذا السياق تعظّم التجربة الإنسانية للمكان إذ يتوغّل في أجزائها العمق الموضوعي والذاتي والمعرفي بدل من نقل المكان بخريطة فوتوغرافيّة محضة. هذا التعريف للخريطة ووظيفتها المركزية يخرجها تدريجياً من نطاق المحاكاة إلى نطاق الشك، إذ لا يوجد حقيقة جغرافية واحدة، كما يقول جان مارك بيسّ، بل “ثمة طرق عديدة ومختلفة لاكتشاف العالم عبر الخرائط”.
وإن كان الجغرافي بول فيدال قد صرّح في مطلع القرن العشرين أن الجغرافيا هي علم الأماكن وليس البشر، فإن روّاد فكر ما بعد الحداثة، أمثال فريدريك جيمسون وبيرتراند ويستفال، عمّقوا في كتاباتهم بُعداً وقيمة غير جغرافية للخرائط يسمح لها بأن تكون سلاحاً بيد الباحثين من سائر العلوم الإنسانية والاجتماعية.
بالإضافة إلى ذلك، فإن نظريات إدوارد سعيد - سيّما الاستشراق - جاءت لترسّخ هذا البعد الكارتوغرافيّ للسجال النخبوي بين الأمم وربطها بمطامع استعماريّة وقيم رأسمالية بل وعرقية.
هذه التحوّلات التي أدخلت الخرائط إلى عدة حقول غير جغرافية لم تؤثر في الهيكل المنهجيّ لهذه العلوم وحسب بل كان لها مفعول مماثل - إن لم يكن أشدّ وضوحاً - على علم الخرائط في نطاقه الجغرافي كذلك. فكما أنّ روّاد الجغرافية أمثال إدوارد سوجا وديفيد هارفي ومايك دافيز قد صدّروا المنعطف المكاني إلى مختلف حقول المعرفة فإنّهم استقبلوا بدورهم منعطفا فلسفياً مهمّا أُسوَةً بنظريات جاك دريدا وميشيل فوكو التي ساهمت بإدخال الشكّ إلى علم تصاوير الأرض، وجب ذكره في هذا السياق ولا ضرورة هنا للخوض في تفاصيله.

امتدت هذه النظريات وتوسعت لتشمل حقول الأدب والفن حتى تفسّر دور وأهميّة “المكانيّة” في حقول الإبداع والابتكار كنوع من الممارسات الملتزمة والنقديّة.
إنّ المنعطف المكاني في الفن المعاصر قدّم الجغرافيا والتخطيط والعمران كأرضية للتساؤلات والتجارب والبحوث الفنية فيما يسمّى بمفهومه الأوسع بالنقلة الابستمولوجية للفن المعاصر التي ما انفكّت تتشكّل منذ منتصف القرن العشرين بمسالك ومناهج شتّى.
هذا وتؤكد الناقدة الفنّية لوسي ليبارد أنه منذ مطلع الستينيات وجد الفن المعاصر في الخريطة مادّة خصبة تتناسب وطبيعة تكهناته التجريبية، بل إنّه نوع من عصرنة العلاقات الممكنة بين الفن والأرض.
فمنذ عام ١٩٧٧ حتى ٢٠٠٤، شكّلت الخريطة الموضوع الرئيسي والمركزي لأربع وعشرين معرضاً فنّياً في أنحاء العالم وهذه بالطبع ظاهرة مثيرة للاهتمام والتحرّي خلافا لما عهده القسم الأول من القرن العشرين مثلاً.

أثمرت هذه التحوّلات عن عدّة اتجاهات فنيّة تعيد النظر في علاقة الفن بالمكان ولعل من أبرزها فن الأرض Land Art الذي اتخذ أنصاره الأرض وتضاريسها كمساحة للتشكيل الفني، والفن العام Public Art الذي يتّخذ من المدينة والأمكنة العامة معرضاً لأعماله بهاجس تشاركي بحت، والفن المفاهيمي Conceptual Art الذي وظف المصطلحات المعماريّة (القياس، النسبة، الباب، الأثاث...) لتخطي حدود الفهم المساحي للعمران حتى يتطرّقوا لأماكن غير ماديّة (عقلية، غير محدّدة، تاريخية، افتراضيّة، طوبائيّة...). لكن ما يميز الممارسات الكارتوغرافية البديلة في الفن المعاصر عن سالف الاتجاهات الفنية التي عُنيت بالمكان هي انطلاقها من الواقع المعاش على الأرض وتحدياته الراهنة، وتبنّيها لمواقف انسانية وسياسية واضحة ودقيقة، وانفتاحها على تعاونات ميدانية مع القاطنين المحلّيين من أهل التخصّص وغيرهم، فضلاً عن أنها تثمر أخيراً وبالضرورة عن مادة خرائطية.

الخرائط الفنية كأداة عرض وسرد بديلين

من أبرز قضايا الممارسات الخرائطية البديلة هي إعادة إنتاج العلاقات والمقاربات بين المكان وطرق تصويره أو تمثيله أو التعبير عنه (خرائط، أطلس، مخططات، رسم ثلاثي الأبعاد، إحصاءات بيانية، صور من أعلى، مجسّمات، تكبير مخبري، المكان الافتراضي أو الرقمي...). لكن بعيداً عن القيمة التقريبية أو التشبيهية، فإنّ الغرض منها لم يكن بشكل من الأشكال إنتاج نسخة كربونيّة أو محاكاة طبق الأصل للمكان أو للموقع المرجعي وإنّما إعادة توظيف هذه الأدوات لتوليد نقاشات وتآويل ومعارف وحقائق مكانية بديلة لا سبيل للوصول إليها عبر الخرائط الجغرافيّة والمعماريّة البحتة، أو لنقُلْ المؤسّساتيّة.

من هنا فإن هذه الممارسات التي تغرف قضاياها وإشكالياتها من تيارات الدراسات الثقافية والنظرية النقديّة لا تنظر إلى المدينة والعمران كبناء مادي وحسب وإنّما كهيكل معرفي وثقافي وإنساني قادر على أن يُوظَف بفرادة نقديّة. هذه الممارسات تميل في حقيقتها بشكل ملحوظ إلى الاستخدام البشري للمكان عوضا عن الاستخدام الرسمي الذي يتهمه أنصار هذه الممارسات بترسيخه للبروباغندا والقيم الاستعماريّة والرأسماليّة والتهويل المزيّف للقضايا وتحريف العلاقات المساحيّة ونشر مفاهيم مكانية خاطئة في كثير من الأحيان. من هذا المنطلق تتشكّل الأرضيّة السياسية لهذه الممارسات البديلة التي تحمل في عديد من الأمثلة قيما نقديّة دقيقة يتجاوز بها الفنان السؤال الجمالي ليتطرّق إلى نوع من الممارسات أشبه ما يكون بالنضال الاجتماعي أو النشاط السياسي المستقلّ بوسائطه البديلة.

JPEG - 430 كيلوبايت
صورة 2 : Bouchra Khalili, The Mapping Journey Project, 2016. المصدر: MoMA, Musem of Modern Art

لنأخذ على سبيل المثال عمل الفنانة الفرنسية/المغربية بُشرى خليلي التي رصدت من خلاله تحرّك ثمانية نازحين كانوا قد أُجبروا على الرحيل من بلدانهم لأسباب مختلفة لكي يلجأوا إلى أوروبا. يتكوّن تنصيب العمل من شاشات كبيرة يعرض على كل شاشة فيديو لخريطة يرسمها اللاجئ بيده وهو يصف بصوته الطرق التي سلكها من موطنه الأصلي إلى السواحل الأوروبيّة مرورا بالأبيض المتوسط وتنقّله بين مختلف العواصم طلباً للجوء. التجربة هنا ذاتيّة على مقاس الفرد، لا الدُّول ولا الحدود ولا المطارات ولا الموانئ ولا المعابر الرسميّة، ما يراه اللاجئ باستشفافه الرحلة التي سلكها على الخريطة غير ما نراه نحن، الخريطة غير الخريطة، الأرض غير الأرض، المتوسط غير المتوسط، ليبيا التي يعبر بقلمهِ فوقها غير ليبيا التي نعرفها وكذلك تونس ومالطا وصقلية وسائر أرجاء الاتحاد الأوروبيّ. الخريطة تستعيد الخوف باستدعائها الذاكرة. لكل لاجئ أوديسيته الذاتية لا عائداً إلى موطنه هذه المرّة بل فارّاً منه. الخريطة لم تعد هنا أداة لاستكشاف الطريق أو التعرف عليه، بل استعادته. منطق المكانيّة تبدّل بتحوّل الخريطة من مادّة دلاليّة إلى مادّة سرديّة وسينماتوغرافيّة بل وشاعريّة بامتياز. فكيف لخريطة مؤسّساتيّة واحدة أنّ تختزل كل هذه التجاريب الذاتيّة والتوترات المكانيّة بعرضها لبحر أبيض متوسّط واحد جاث على سواحل المدن أوّلهُ كآخره؟ ما يميز الخرائط البديلة هو فهمها للمكان لا كهيكل ثابت من الإحداثيات والمعطيات المساحيّة والبنيانية والجيولوجية بل كسلسلة من المتغيّرات والمتحرّكات دائمّة التشكّل: إمّا بحقيقتها أو بشكل موضوعيّ. هذا ما أكدّه جيل ديلوز بتطرّقه للحركة كمفهوم خرائطي بحت، الخريطة بالنسبة له هي ذاتها “حركة” ومولّدة للحركة، إنهّا تعبّر عن هويّة الطريق وسالكه إذ تتداخل الخريطة بموضوعها مذ كان موضوعها الأوليّ مبنيّ على الحركة.

الخرائط الفنية كنقد عمراني بديل

إنّ عمل بشرى خليلي يحيلنا تلقائيّا إلى عمل آخر لا يقلّ فرادة وهو Ground Plan Drawingsلفاوندلاند كوليكتيف Foundland Collective لكن على نطاق مكاني أضيق هذه المرة. فإن كان عمل بشرى خليلي يتّسم بطابع جغرافي عابر للقارات فإنّ منحى فواندلاند هو عمرانيّ بالدرجة الأولى. قام عمل هذا الفريق المتمّيز، المكون من الفنانة السورية غالية السراقبي والفنانة الجنوب إفريقية لورين أليكزاندر، على إعادة رسم مخططات عمرانية لبيوت ومساكن لاجئين انتقلو إلى أوروبا من سوريا بعد الأزمة الأخيرة. الجدير بالذكر أنّ هذه المخططات العمرانيّة هي لبيوت موجودة اليوم في سوريا، أو لأجزاء مما بقي منها، رسمها اللاجئون/القاطنون الحقيقيون لتلك البيوت باستدعائهم لحذافير المكان من الذاكرة والمتخيّل الفردي صرفاً. المعماريُّ هنا هو ساكن البيت ذاته يأخذ مقاساته المساحية بمساطر الذاكرة. هذه المخططات لا تَعرض لحظة زمنية محدّدة من عمر البيت على غرار المخططات العمليّة بل يعرض المخطط الواحد منها فترات زمنيّة وحسيّة متعدّدة ومتراكمة نقرأ في تعاقبها أحوال طرأت على المنزل من خراب وترميم وبناء وتعديلات وعلاقات بشريّة سُجّلت بسرد معماريّ فريد. إن عمل فاوندلاند كوليكتيف هو مثال لعدد واسع من الأعمال الخرائطية الفنية التشاركية Participatory التي تم تنفيذها في المنطقة العربية مع لاجئين ونازحين، نذكر منها على سبيل المقاربة عمل تيل رويسكينز (Till Roeskens, Aida, 2009) لرصد تحركات اللاجئين الفلسطينيين وحياتهم اليومية في خريطة لمخيم قرب بيت لحم، وعمل الفنان المكسيكي إيزديرو لوبيز أباراثيو (Isdiro Lopez-Aparacio, Mapping Refugee Camps, 2018) والذي قام من خلاله بعمل خرائطي لمخيم الزعتري مع عدد من اللاجئين السوريين في الأردن.

JPEG - 101.8 كيلوبايت
صورة 3 : Foundland Collective, Ground Plan Drawings, 2014-2017. المصدر:foundland.info

إن العامل المنهجي الذي يجمع بين هذه الأعمال هو التركيز على الرسم الحر، لا كأداة للإبداع أوالمحاكاة المكانية فحسب، بل كواسطة للتواصل تسمح في كثير من المواقف بتجاوز عائق اللغة لتصوير وترسيخ المعرفة الحسية للمكان. وقد أشار العديد من نقّاد ومنظرو هذه الممارسات التشاركية إلى أنّ إنتاج خرائط مكانية مبنية على الرسم الحر بين أفراد منطقة معينّة إنمّا هو بالغ في الأهميّة ويعتبر بمثابة شهادات مكانية ذاتيّة قابلة للاستثمار في عديد من الدراسات التحليلية والإحصائية للمكان.

فبالإضافة إلى واسطة التواصل المرئية، فإن الرسم الحر يسمح أيضاً لعدد واسع من العامّة بالمشاركة في مساهماتهم الخرائطية، إذ لا يتطلب معرفة مسبقة أو خبرات تقنية معقّدة، كالتي يستخدمها رسّامو الخرائط في إنتاج خرائطهم اليدوية منها أو الرقمية. إنّ عمل فاوندلاند كوليكتيف، كهذه الأعمال الأخرى التي لا سبيل هنا للخوض في كل تفاصيلها، يخلق أماكن عمرانيّة بديلة ليس بالمعنى البنياني ضرورةً ولكنها بالمقابل تؤثر بالطرق التي من خلالها نفهم العمران كتجربة ذاتية وموضوعية وربما جمعية بتبنّيه دلالات مكانيّة تخصّ بيئة محدّدة دون سواها. فلربّما يتحتم علينا، من هذا المنطلق، التفريق بين العمران والبنيان، العمران هنا بالمعنى الإشراكي يتسع ليتضمّن البنيان لكنه بالتالي يتعداه إلى نطاق أوسع ليحاكي الذاكرة والهويّة والحلم والخيال، بمعنى آخر إنّه عمران لتجربة إنسانية ونفسيّة وأدائيّة لا بنيانية وحسب.

JPEG - 4.9 ميغابايت
صورة 4 : Kader Attia, Untitled (couscous), 2009. المصدر: kaderattia.de

يتجسّد هذا المعنى بعدد واسع من الأعمال الفنية التي تتخذ من العمران ومخططاته أداة لها لتوظيف مضامين نقديّة لا تتّصل في جوهرها بمعنى من معاني البنيان وربّما تقوم على فكرة مضادة له تماماً، مثل الفراغ كما نرى بعمل “بدون عنوان” (٢٠٠٩) للفنان الجزائري/الفرنسي قادر عطيّة، والذي شكّل من حبّات الكسكس المطهوّة مخططاً لمدينة غرداية الجزائرية تظهر عبره المساحات المخصصة للعمارات خاويةً من مبانيها. هذا العمل المناقض للبنيان يقدم في كليّته مساحة لتأمّل الأثر العكسي للاستعمار على نظريات العمران الأوروبية الحديثة في منتصف القرن العشرين. أو ربّما، في مثال آخر، كفكرة الخراب التي نجدها في عمل الفنان الفرنسي إيمانويل توسور المعنون “بيت - دراسة لصابونة”. يتشكّل العمل من عدد هائل من مكعّبات نوع محدّد من صابون الغار معروف بصابون حلب، نَحَتَ به الفنان عمله المكوّن من مدينة كاملة تتشكّل من عمارات منكوبة يطغى عليها طابع الخراب. الصابون هنا رمز للحضارة، كما يعبّر توسور نفسه بقوله أن الإنسان الأوّل احتاج التواصل فاخترع اللغة مثل اختراعه الصابون وقتما اضطّر للاستحمام.

صابون حلب مكوّن من مادّة هي عضويّة وزيتيّة وهشّة في تكوينها تعكس علاقات متشعّبة مع المكان والزمان ولكنه قبل هذا وذاك رمز لمدينة حلب، يوظَّف في هذا السياق العمرانيّ لاستذكار الدمار الوحشي الذي تعرضت له هذه المدينة العريقة أثناء الحرب. العمل يعكس عمقاً أثرياً واضحاً وكأنّ المدينة اكتشفت للتوّ، كأنها منحوتات متآكلة من حضارات سحيقة وها نحن الآن نكتشف مستقبل التأريخ. الآشوريون والآراميّون واليونانيون والروم مروراً بالحمدانيين والأتراك والتتار القدامى والجدد: هي أيضاً مسألة الهويّة والسيادة. صابون حلب خلّف صابوناً آخر بالضفة الأخرى من المتوسط على سواحل مارسيليا يعرف بصابون مرسيليا، الابن الأصغر لصابون حلب: هي أيضاً مسألة الهجرة والرحيل عبر الزمان والمكان. إنها مدينة الإعمار والدمار في آن، فوضى معماريّة لا حصر لها، أنْ كلّما اقترب المتفحّص من عمل توسور تتالت التفاصيل في بصره واتسع عمق الخراب بإدراكه وتضوّع الغار بأنفه: هي أيضاً مسألة الحواس والذاكرة.

JPEG - 842.1 كيلوبايت
صورة 5 : Emmanuel Tussore, Study for a Soap, 2017. المصدر: emmanueltussore.com

إنّ هذه القيمة غير البصريّة للتمثيل المكاني في هذا العمل والتي تتجلّى بالرائحة، رائحة صابون الغار الحلبي، وتستهدفّ حاسّة الشمّ، إنّما هي محور وركيزة أساسيّة لهذا العمل الذي يعوّل على نقل هويّة المكان ليس بهيئته البصريّة وحسب والتي قد تجانب الدقّة وتختلط على الشهود سيّما في حرب طاحنة كهذه، بل بهويته غير المادية أيضاً والتي تجسّد روح المكان المحمّلة بأرتال الذكريات الفرديّة والجمعيّة. حلب وإن جُسّدت بمبانٍ خرابٍ وأحياء مشوّهة أقرب ما تكون إلى هياكل أثريّة منها إلى حلب التي عرفناها قبل الحرب، إلّا أنّ الغار يتضوّع على حاله كأنّهُ ما زال على ما يرام، لم يمسسه دمار ولن تختلط عليه الأحياء. إنّ عمل توسور العابر للدلالات يقدّم منهجاً معمارياً فريداً في تقصّي المكان ومسحه حسيّاً أن طالما هُمّشت القيم غير الماديّة في الممارسات العمرانيّة مثل حاسّة الشم أو السمع أو غيرها من القيم غير المرئية.

الخرائط الفنية كنشاط سياسي بديل

إنّ عمل توسور الصابوني باقتدار ليس يتيماً في سلسلة الممارسات التي تعمل على المنطقة العربية، بل هذا يحيلنا إلى عمل مشابه في منتصف التسعينيات للفنانة الفلسطينية القديرة منى حاطوم المعنون بـ Present Tense. على ٢٢٠٠ مكعّب من صابون زيت الزيتون القادمة من نابلس والمرصوفة جنباً إلى جنب لتشكّل قاعدة لخلفيّة ترسم عليها خريطة فلسطين أو الخريطة التي كان من المفترض أن تكون لفلسطين حسب حدود اتفاقيّة أوسلو ١٩٩٣. الخريطة الممتدّة على هذا الكم الهائل من مكعبات الصابون تكاد لا تقرأ بسبب الفجوات التي خلّفها التركيب غير الهندسي للصابون ناهيك عن مسطّحه غير المستوي والذي يحيل بدوره، كحال العنوان الذي يشير إلى “الحاضر الصرف”، إلى الطبيعة الهشّة واللامستقرّة لحدود فلسطين ومنطقة الشرق الأدنى عامّة. إن كان عمل توسور الصابونيّ يتطرّق للذاكرة والهويّة اللاماديّة للمكان، فإن عمل منى حاطوم يندرج في نطاق أوسع سواء على الرقعة الجغرافيّة للعمل أو بتبنّيه لموقف سياسي لا ينفصل بأي حال عن العمل ذاته. إنّ هذا النشاط السياسي هو حجر الأساس للمارسات المكانية إمّا تلك التي اتخذت من فلسطين موضوعاً لها أو تلك التي نُفّذت كردّة فعل للتغيرات المكانيّة التي أسفر عنها الربيع العربيّ في عدد من بلدان المنطقة.

JPEG - 626.2 كيلوبايت
صورة 6 : Mona Hatoum, Present Tense, 1996. المصدر:tate.org.uk

في كتابه “حين يخلط الربيعُ الخرائط”، تحدّث المحلل السياسي مارك غوتاليه عن أثر الربيع العربي في خلق علاقات وممارسات مكانية خلّاقة عند مواطني بلدان الربيع ربّما تسهم فيما بعد برسم خارطة جديدة للمنطقة ليس بالمعنى الجيوسياسي وحسب، بل أيضا خرائط داخلية على مستوى الهويّة والذاكرة والتجربة الفردية والجمعية.

هذا وقد رأينا على سبيل المثال في عدد من المناسبات بعض المتظاهرين وهم يشكّلون من أجسادهم دروعاً بشريّة لحماية المباني الأثريّة، كما كان الحال في ميدان التحرير عند متحف القاهرة، وكأنّها ظاهرة حديثة على المشهد العربي، قامت بإخراج استيعاب الفرد للمكان من حيّزه المؤسساتي إلى تجربة ذاتيّة تطوّرت تلقائيّاً إلى وعي جمعي قلّما نراه في الأماكن العامة في المدن العربية الكبيرة على هذا النطاق التصريحي إن صحّ القول. هذه النماذج الفردية وغيرها من الظواهر الأخرى كالخرائط الذكيّة والمواد البصريّة سريعة الانتشار ووسائل التواصل الاجتماعي التي ساهمت بخلق شبكة جديدة من البيانات والإحداثيّات آنية التداول والمشاركة بل والتعقّب بأفق افتراضيّ واسع، فإنّ هذه الظواهر ساهمت بتقليل غرائبيّة المكان في الوعي الجمعيّ شيئاً فشيئاً. بمعنى أن إحساس الفرد بإلمامه الكامل بأبعاد المدينة وسيطرته العقليّة على الحيّز الذي يتنقل من خلاله من نقطة إلى أخرى متعقباً ذاته على شاشته الذكيّة وإدراكه للحدود المساحيّة ومختلف محطّات المدينة الأفقيّة وطبقاتها العموديّة زاد من الأُلفة المكانيّة والانتماء المدنيّ، وبالتالي تقلّد الفرد نوعاً من المقاليد السياديّة على حيّزه المكانيّ، وإن كانت في حقيقتها عقليّة ونفسيّة. إنّ هذه التحوّلات المكانية في المدينة العربية بالغة في الأهميّة لفهم المسار المدنيّ (أو الشارع) الذي ستنخرط به الممارسات الخرائطية، ناهيك عن كون هذه التحولات ذاتها سبباً رئيساً لنمو ممارسات فنّية عربيّة تُعنى بتعدّديّة التصورات المكانيّة والخرائط تنطلاقاً من منظور الفرد.

هذا التوجّه استلزم تغيرالأدوات الخرائطية بل وأيضاً مقياس الخريطة بالتناسب مع الموقع المدروس، حتى أن وصل المطاف بممارسات كارتوغرافيّة بمقياس ١:١ أي أنّها تتناسب بشكل تام مع التجربّة الحقيقية للإنسان على سطح الأرض، بل إنّ الخريطة هنا هي ذات الأرض. تقول القاعدة الخرائطية، تبعاً للاكوست، أن كلّ تغير في القياس يتبعه تغيّر بمستوى التحليل، فالمراد من هكذا ممارسات هو أن يتحقّق فهم الفرد للمكان المدروس بناء على التجربّة الذاتيّة وملامسة الواقع المكاني بالجسد مباشرة بما لا يحيل إلى أيّ واسطة أخرى من تمثيلات بصريّة أو تقريبات غرافيكيّة.

السبيل الوحيد لتحقيق هذه الخرائط لا يكون إذاً إلّا بالسير على الأقدام كي يتمكّن الكارتوغرافيّ من معاينة أرجاء المكان وتوثيق مساحته كاملة مطلقاً العنان لكافّة حواسّه.

لقد ساهمت هذه الممارسات بنشوء ظاهرة الفنّان-المشّاء في الفن المعاصر، وهو الفنان بزيّ الكارتوغرافيّ الذي أخذ على عاتقه إنتاج خرائطه مشياً، وقد استفاضت كارين أوروركي بشرح هذه الظاهرة.

ولعلّ من أشهر هذه الأعمال على الساحة العربية وأغزرها إنتاجاً للنقد هو عمل “الخط الأخضر” للفنان البلجيكي فرانسيس أليس والذي مشى على طول مسار حدود الخط الأخضر بين الأراضي المحتلّة والضفّة الغربيّة ليترك على الأرض علامة لخط أخضر حقيقي هذه المرّة ومتعرّج، تعقبّ على إثرهِ رحلته من ثقب علبة دهان أخضر كان يحملها خلال سيره. خلال هذه الرحلة توقف الفنّان في عديد من المحطات لتبادل النقاش والتجارب الفرديّة مع قاطني المناطق الحدوديّة من كلا الطرفين وعمل على تدوين فهمه لواقع الحدود الفلسطينية والأراضي المحتلّة من أرض الواقع بدلا من تأويلها عبر الخرائط الرسميّة المنتشرة في كل مكان. وظّف فرانسيس أليس جسده وحركته وإدراكه الموضوعيّ وكامل حواسّه في خلق هذا النشاط الكارتوغرافيّ البديل بطابع ماراثونيّ، يسلّط الضوء من خلاله على هشاشة الخرائط المتداولة بشكل يومي كمنتوج سياسي ومؤسساتي وإعلامى والتي هي في جوهرها بعيدة كل البعد عن واقع الأقاليم والمدن والأحياء الحقيقي والمعاش من الداخل. عمل فرانسيس أليس أفضى إلى سلسلة واسعة من هذه الأنشطة في المناطق العربيّة بأساليب وأغراض وأهداف متباينة لعل من أهمّها، وأقربها إلى السياق المطروح هنا، هو عمل الفنان الفرنسي ألبان بيوسّه والذي حذا به حذو فرانسيس أليس بالسير على الحدود الفاصلة بين فلسطين والأراضي المحتلة، لكن ليترك بدوره صورا رقمية كان قد أخذها من ذات الرحلة وتنصيبات على الحدود وعلى الجدران ونقاط التفتيش لكي يتسنّى للقاطنين من كلا الطرفين التفاعل مع هذه الأعمال المعروضة وخلق نقاش مكاني جديد.

JPEG - 153.6 كيلوبايت
صورة 7 : Francis Alÿs, The Green Line, 2005. المصدر:antiAlias.net

الحقّ أنّ الظواهر والممارسات الكارتوغرافيّة في الفن المعاصر مازالت قيد التشكّل والنموّ لا بل والتجدّد عملاً بعد عمل مما لا يرتقي بالقول هنا إلى مراتب الحُكم أو الاعتبار. بل هو نشاط خرائطيّ-فنيٌّ عابر في منهجه للتتخصصات والدلالات ومنفتح على عدد ليس بقليل من حقول المعرفة الإنسانية والاجتماعية، ليس فقط بدلْوِها النظريّ بل أيضاً بمساهمات عمليّة وتعاونيّة على الأرض تُعنى بالمكان بمقاسه الإنساني لا المؤسّساتي. وقد آثرنا بطرحنا هذا عرض الخلفيّة النقديّة والقاعدة النظريّة لهذه الظاهرة وتفصيل عدد من أدوات تنفيذها عبر تحليل بعض الأعمال الفنية، ظنّاً أن مثل هذه الممارسات والتعاونات لاسيّما في حيّز المدينة العربية هي فرصة لإلهام وتشجيع وخلق قاعدة من المشاريع والتعاونات الجغرافيّة والمعمارية والفنيّة بل والنضالية القادرة على توصيفات جديدة لمختلف التحديّات المكانية للمواطن العربي دون ضرورة الخوض في أبهاء السياسة الهرميّة.

عن الكاتب

وائل طحّان هو شاعر سوري وباحث في الفن المعاصر في منطقة الشرق الأوسط، مقيم في باريس حيث يعدّ رسالة الدكتوراه في الجماليات والنظرية النقديّة في جامعة باريس الأولى بانتيون-سوربون.

عن موقع مجلة العمران العربي - Arab Urbanism


العُمران العربي مرخّص تحت رخصة المشاع الابداعي

عرّف بهذه الصفحة

Imprimer cette page (impression du contenu de la page)