ألبير قصيري... مفتون القاهرة... ملف Albert Cossery 1913-2008

, بقلم محمد بكري


ألبير قصيري... رسول الكسل ومفتون القاهرة


جريدة الأخبار اللبنانية


السبت 14 تموز 2018
جريدة الأخبار
ادب وفنون
ألبير قصيري... رسول الكسل ومفتون القاهرة


ألبير قصيري (1913-2008) عاد إلى القاهرة مكرّماً في ذكرى رحيله العاشرة عبر احتفالية أقامها «المركز الثقافي الفرنسي» في القاهرة. ضمّ الحدث معرضاً لمقتنياته ومخطوطاته التي تركها داخل غرفته في الفندق الباريسي وقت رحيله: صفحات من رواية لم تكتمل بعنوان «زمن ابن الكلب»، وسيناريو فيلم تسجيلي كتبه عن «أم كلثوم»، وأوراقه الشخصية، ويومياته، وجوازات سفره منذ أن ترك القاهرة عام 1945، ونسخ من أعداد مجلة «التطوّر» التي أصدرتها جماعة «الفن والحرية» السريالية وكان قصيري أحد مؤسّسيها. أضف إلى ذلك عشرات الصور له ولآخرين من أصحابه. كما صدرت الطبعة العربية المصوّرة من روايته «شحاذون ونبلاء» (برسومات الفنان جولو ــــ ترجمة منى صبري)، إلى جانب معرض فوتوغرافي لقاهرة الثلاثينيات والأربعينيات. تلك الفترة شهدت بدايات قصيري الإبداعية، وظلت ترافقه في كل أعماله التالية حتى رحيله. مؤسسات الثقافة المصرية شاركت أيضاً في الاحتفال، فأصدرت «هيئة الكتاب» ترجمة لروايتيه «طموح في الصحراء»، و«مؤامرة مهرجين». وترجم «المركز القومي للترجمة» كتاباً نقدياً عنه بعنوان «ألبير قصيري والسخرية: التهميش إجابة على الحداثة» للباحث باسم حنا شاهين. هذا الملف محاولة للعودة إلى إبداعات «فولتير النيل»، وتقديم قراءة جديدة لأعماله، وموقعها في الثقافة العربية/ الفرنسية

عن موقع جريدة الأخبار اللبنانية


حقوق النشر
مقالات «الأخبار» متوفرة تحت رخصة المشاع الإبداعي، ٢٠١٠
(يتوجب نسب المقال الى «الأخبار» ‪-‬ يحظر استخدام العمل لأية غايات تجارية ‪-‬ يُحظر القيام بأي تعديل، تحوير أو تغيير في النص)
لمزيد من المعلومات عن حقوق النشر تحت رخص المشاع الإبداعي، انقر هنا



«فولتير النيل» وراوي القحط الإنساني


جريدة الأخبار اللبنانية


السبت 14 تموز 2018
جريدة الأخبار
ادب وفنون
ألبير قصيري... رسول الكسل ومفتون القاهرة
إسكندر حبش


قد يصحّ القول إنّ هناك موجات في عالم النشر الفرنسي يمكن تسميتها «موجات ألبير قصيري». إذ نجد في كلّ فترة أنّ أعماله تعود من «غياهب النسيان» لتصدر في طبعات جديدة، سرعان ما تنفد. هذه هي الحال اليوم بعدما أعادت منشورات «جويل لوسفيلد»، إصدار جميع كتبه في طبعة أنيقة، بعد عشر سنوات من رحيله، لتعيد التذكير بهذا الذي بقي طوال حياته كائناً «لا امتثالياً». عاش بعيداً عن أشياء العالم الراهن، وكلّ أشكال «الموضة» الأدبية وأساليبها، وبقي يكتب بأسلوبه الخاص. بحث في كلّ كلمة كتبها أن تكون صادرة من ذاته، بعيدة عن أيّ تماس مع كاتب آخر. ما يميزه عن الكتّاب الفرنسيين هو فرادة أسلوبه كما فرادة موضوعاته. فلكي يحيل الواقع المصري كما هو عليه، كان مضطراً إلى أن يعمل على «إبداع» لغة روائية جديدة. لم يستطع استعمال تعابير فرنسية صافية. هنا جوهر عمله. كتب بالفرنسية، بيد أنّ المناخ ونفسية الشخصية، مصرية، حين نقرأه لا نشعر أبداً بأنه فرنسي يكتب عن مصر.

عاش وحيداً أيضاً وبعيداً عن الجميع. وهو يشكل حالة خاصة من هذه الناحية. منذ أن استقر في باريس بعد الحرب العالمية الثانية، أقام في غرفة في فندق لم يغادره إلا إلى مثواه الأخير. رغبته الوحيدة كانت في القراءة والكتابة، على الرغم من أن مجموع أعماله لا يتجاوز ثمانية كتب، وعلى الرغم من أنه في السنوات الأخيرة التي عاشها مع مرضه – سرطان الحنجرة – كان توقف فيها عن الكتابة.

كلّ شيء يبدو كما لو أن ألبير قصيري، الشبيه بشخصياته، عاش في منطقة أدبية أشبه بالمناطق المحايدة، إذ تناسى كلّ شيء، كما أن كلّ شيء قد تناساه. عمله الأدبي ليس سوى صنو لذلك كله، مثلما يشير أحد عناوين كتبه «بشر نسيهم الله». أراد أن يُنسى في ضباب هذا العالم، ليقود نفسه وحده. ربما لم يتحقق حلمه في السنوات الأخيرة، إذ أصبح أشبه بأسطورة غير مؤكدة، مثل شبح «داريلي» (من داريل صاحب «رباعية الإسكندرية») يتنزه بكامل أناقته، في منطقة «السان جرمان دي بريه».

محطات

وُلد ألبير قصيري في القاهرة في 3 تشرين الثاني (نوفمبر) 1913 (وتوفي في باريس عام 2008)، من أبوين مصريين، ميسورين. هذا اليُسر سمح له بالعيش الرغيد. والده كان ملاكاً عقارياً، لذلك لم يعمل طوال حياته، كذلك جده. في حوار أجرته معه مجلة «ماغازين ليتيرير» الفرنسية (عدد 325 ـــ تشرين الأول/ أكتوبر 1994 ـــ كل الاستشهادات اللاحقة من أقواله في هذه المقالة هي من هذا العدد)، يقول قصيري: «حين نملك، في الشرق ما يكفي لنعيش منه، لا نعود نعمل، بخلاف أوروبا، إذ حين نملك الملايين، نستمر في العمل كي نكسب زيادة»!

منذ طفولته، تردد على المدارس الفرنسية («الفرير» والليسيه) في حين تلقى أشقاؤه علومهم عند اليسوعيين. من هنا، جاءته اللغة الفرنسية بشكل طبيعي. فدراسته كانت بالفرنسية في تلك الحقبة. بدأ يقرأ الكتب التي قرأها إخوته لأنها كانت في متناول يده. لذلك، لم يتعرف إلى كتب الأطفال، بل بدأ بقراءة روايات كبار الكتّاب. أما علاقته مع الكتابة، فبدأت يوم كان في العاشرة، إذ كان يذهب مع والدته الى السينما، ليترجم لها بعض الأفلام التي كانت تُعرض على شاشات القاهرة. وحين كان يعود الى المنزل، يبدأ بكتابة أقاصيصه، انطلاقاً من الفيلم الذي شاهده.

زار فرنسا للمرة الأولى قبل الحرب، وهو في السابعة عشرة. يومها، كان قد نشر بعض القصص بالفرنسية في بعض مجلات القاهرة. عمل في إحدى البواخر التجارية التي تعمل على خط المحيط الأطلسي، فاستطاع بذلك أن يزور مدناً عدّة، بيد أنه قرر بعد الحرب العالمية الثانية أن يعيش في فرنسا، ليكرّس وقته للأدب. بالنسبة إليه «من الأفضل للكاتب الذي يكتب بالفرنسية، أن يعيش في فرنسا، لأسباب عديدة».

لم يتغير قصيري طوال عمره، بل بقي هو نفسه. بيد أن الحيّ الذي عاش فيه تبدّل كثيراً، إلى درجة أنه لم يعد يعرفه. «انظروا حولكم، لا أعرف أحداً من الموجودين.. في ما مضى، كنت أجد هنا، جميع أصدقائي، أنتظر صدور كتبهم». لم تعد «سان جرمان دي بريه» (ولا مقهى «الفلور» حيث كان يجلس يومياً) سوى واجهة للذكريات. فالكتّاب إما رحلوا الى الريف وإما ماتوا: «لم تعد باريس تلك التي عرفتها، أصبحت متأمركة. فلو كانت هكذا يوم جئت إليها، لرحلت فوراً. أبقى فيها اليوم، لأنه بالنسبة إلى رجل في مثل عمري، لا يعود يهتم بما إذا كانت تعجبه أو لا... في أي حال، نحبّ بلداً ما بسبب مثقفيه. فرنسا بالنسبة إليّ هي ستاندال، هي لوي فرديناند سيلين. إنهما أعظم كاتبين في هذا البلد... حين وصلت الى هنا، كان هناك عشرة أو خمسة عشر كاتباً كبيراً في فرنسا. ربما كان جان جينيه آخر كاتب كبير أو ربما جوليان غراك. في تلك الفترة، كنت أنتظر كتاب كاتب ما بنفاد صبر، كنت أشتريه يوم صدوره».

ثمة عنصر مشترك كان يجمعه مع جان جينيه، فالاثنان لم يسكنا سوى الفنادق، بيد أن جينيه كان يبدّل فندقه في أغلب الأحيان، بينما سكن قصيري الغرفة عينها. أما لماذا لم ينتقل الى منزل خاص في الحي ذاته، فلأنه لا يريد أي شيء خاص به. إنه يرتعب من فكرة امتلاك شيء ما. لقد عرف العديد من الفنانين والنحاتين الذين أهدوه العديد من أعمالهم، وكانوا يعرفون أنه كان يبيعها في اليوم التالي، لأنه لا يحب الاحتفاظ بأي شيء. بمعنى آخر، لم يجد قصيري جذوراً ما هناك، بالأحرى، لم يبحث عن تجذر هناك، إذ بقي حتى أيامه الأخيرة يهرب من المجتمع، مخلفاً الجميع وراءه.

بين ميلر وجينيه

تتيح لنا إعادة طبع أعماله هذه، اكتشاف هذا الكاتب حتى أطراف أصابعه. روائي موسوم بشدّة، بمسقط رأسه، بالرغم من أنه عاش بعيداً عنه. ليس في الأمر أي تناقض، إذ إنّ الكاتب كان يعود الى مدينته، بين الحين والآخر، كان يشعر بأنه مصري، له بلد. فهو لم يأتِ الى فرنسا ليحصل على عمل أو جنسية، بحسب قوله، بل جاء ليدرس. لكنه لم يفعل شيئاً سوى القراءة والكتابة.

بدأ الكتابة عن مصر في أربعينيات القرن المنصرم حين نشر مجموعته القصصية الأولى «بشر نسيهم الله»، التي تشكل لوحة مؤثرة ورائعة عن «المصريين الحديثين». أقاصيص المجموعة كانت موزعة في بعض المجلات المصرية الناطقة بالفرنسية، نشرت في كتاب وترجمت في الوقت عينه الى العربية والإنكليزية. من هنا سبب شهرته في الولايات المتحدة، إذ أعجب بها هنري ميلر، ووجد له ناشراً هناك، بالأحرى كان السبب في نشرها. بيد أنّ النشر في الولايات المتحدة بقي بلا غد. فالافتتان بكتابة قصيري، بقي في تلك المرحلة قصراً على فرنسا.
قال هنري ميلر عن مجموعته هذه: «ما من كاتب حيّ كتب بهذا الشكل الآسر، وبهذا الشكل العنيد، حياة أولئك البشر الذين يشكلون ذلك الحشد السحيق المنطوي على نفسه.. بالنسبة إليّ، يشكل الكتاب مفاجأة كاملة. إنه الأول من هذا النوع الذي أقرأه منذ أعمال كبار الكتّاب الروس الذين عرفناهم في الماضي».

اللوحة التي يرسمها عن «البروليتاريا» القاهرية بعيدة جداً عن الصور التي عرفناها عن الشرق

إنّ «البعد الثوري» الذي يرتبط به ميلر (أي ذلك النوع من الكتب الذي يسبق الثورات والذي يسبب الثورة، هذا إذا ما كانت لغة الإنسان تمتلك سلطة ما) نجده رزيناً في كتبه اللاحقة، وربما اختفى في كتبه الأخيرة، وتحديداً في «كسالى في الوادي الخصيب» أو كما في «شحاذون ومعتزون». فالعالم الذي يقدمه قصيري، يظهر مثقلاً بشكل كامل عبر «القحط الإنساني الذي يدعو إلى الرثاء». صحيح أنّ كتابه هذا شكّل «حدثاً» ما، يوم صدوره. إلا أنه لا يمكن اعتباره رائعته. فرائعته الكبرى، تبقى كتاب «شحاذون ومعتزون» (1955) التي حوّلتها المخرجة المصرية أسماء البكري الى فيلم سينمائي (راجع مقال الزميل عصام زكريا على الموقع). ومن بين نجاحات الكاتب، هناك «موت المنزل الأكيد» التي نشرت عام 1942 في القاهرة، حيث عنوانها وحده، يصف الأبنية المأهولة في العاصمة المصرية، كما «كسالى...» و«العنف والسخرية» (1964) و«طموح في الصحراء» (1984) التي تجري أحداثها في بغداد، حيث ينظم أمير البلاد بنفسه، محاولات اغتيال وانفجارات في دويلاته كي يلفت انتباه العالم إليه.

تتخيل شخصيات قصيري أحياناً وجود منفذ ما، إلا أنها تهمله أكثر مما تأخذ به. فاحتمال البؤس، هو في المخدرات والكسل، التي تمثّل دور الملجأ بشكل عام. فاللوحة البانورامية التي يرسمها قصيري، عبر رواياته عن «البروليتاريا» القاهرية، بعيدة جداً عن الصور المعتادة التي عرفناها عن الشرق، عند الكتاب الفرنكوفونيين. فهذا البؤس ليس لديه ذلك السحر، الذي نجده عادة في البازار الشرقي. ربما لهذا أطلق عليه لقب «فولتير النيل»، أي بسبب سخريته المرّة تجاه «المقتدرين». لذا تبدو كتبه اليوم، عملاً أدبياً نادراً تحول الى شيء «مقدس» عند المعجبين به. وما يلفت النظر فيها، هذا الميل الخاص جداً للشخصيات الساخرة، الذلقة اللسان، وهذا الحب «للفلاسفة الانفعاليين»، الذين لا نلتقي بهم، إلا في القاهرة. أولئك الأشخاص، هم من نلتقي بهم في روايته «ألوان الفضيحة» (أو «ألوان العار»). كتاب سردي صغير (134 صفحة) جاء بعد 15 سنة من الصمت، يروي قصة أسامة، النشال الشاب، الذي ـــ طبقاً للأخلاقيات التي يدرسها معلمه العجوز، نمر ـــ لا يفعل شيئاً، سوى استعادة الخبرات الموزعة بشكل سيئ في مجتمع شرقي فاسد بشكل كبير. بمعنى ما، يشبه أسامة «روبن هود»، لكنه هنا، «روبن هود» الأحياء المصرية، الخلفية، الفقيرة.يتدبر أسامة أمر نفسه جيداً، الى درجة أنه ينشل من غني مثير – بالإضافة الى محفظته السميكة – رسالةً، تضع موضع الشبهة أحد الوزراء في قضية انهيار مبنى تسبب في مقتل خمسين شخصاً، هم ضحايا إهمال المهندس ورجل الأعمال الغني الذي كان يهمّه توفير الباطون أكثر من توفير الحماية للسكان.

«يرتجل» قصيري، في كتابه، صورة ولوحة لمدينة «مريضة»، كأنه بهذا المعنى، يشارك أبطاله المضادين، نوعاً من «الكلبية» (بالمعنى الفلسفي) التي تجعله ينتقم من كل الانحرافات الاحتيالية ومن كل الحداثة التي يفتعلها ذوو الشأن والواصلون. لوحة قصيري، بهذا المعنى، مليئة بالخطوط السوداء، القاسية في أغلب الأحيان، وإن كان لا يتجاهل «الإنسانية». بمعنى آخر، يشبه بلزاك، لكن على طريقته الخاصة، في كتابة هذه الأنماط، وهذه الوجوه، في حركة مدينة تعيش من دونهم.

عن موقع جريدة الأخبار اللبنانية


حقوق النشر
مقالات «الأخبار» متوفرة تحت رخصة المشاع الإبداعي، ٢٠١٠
(يتوجب نسب المقال الى «الأخبار» ‪-‬ يحظر استخدام العمل لأية غايات تجارية ‪-‬ يُحظر القيام بأي تعديل، تحوير أو تغيير في النص)
لمزيد من المعلومات عن حقوق النشر تحت رخص المشاع الإبداعي، انقر هنا



الأرستقراطي المسافر... وحيداً كجثة جميلة


جريدة الأخبار اللبنانية


السبت 14 تموز 2018
جريدة الأخبار
ادب وفنون
ألبير قصيري... رسول الكسل ومفتون القاهرة
محمد شعير


القاهرة | كان حلم ألبير قصيري بسيطاً، أن تتاح له فرصة أن يلف العالم، وهو الأرستقراطي الذي لم يعمل يوماً ما، اعتماداً على أموال أبيه صاحب الأملاك في القاهرة. قرّر قصيري أن يعمل على ظهر سفينة تجارية. انطلقت السفينة من القاهرة، ودارت في العديد من الموانئ. وفي نهاية الرحلة، رست السفينة في أحد الموانئ الفرنسية. كان ذلك عام 1945، وكان قراره بالبقاء في «مدينة العالم» التي يكتب بلغتها، بل نشر كتابين بها في القاهرة.

وقتها كان بودلير هو شاعره المفضل، ملهمه. كان يراه الأكثر إنسانية من كثير من الشعراء. كتب ديوانه الأول «لسعات» (1931) ولم يكن قد تجاوز الثامنة عشرة، مستلهماً أشعار الشاعر الفرنسي الرجيم. لاحقاً، تبرّأ من الديوان باستثناء بيت شعري واحد: «وحيداً وحيداً كجثة جميلة، في يومها الأول بالقبر». لم يكن بودلير وحده ملهمه، بل يدين لرامبو أيضاً بالكثير، ولدوستويفسكي، نيتشه، ستاندال.

وبعد سنوات، ودع الشعر، كان يرى المهمشين قصيدة تمشي على الأرض، فبدأ بكتابة النثر. كانت مجموعته القصصية الأولى «بشر نسيهم الرب» (1941) الي ترجمت وقتها إلى العربية، والإنكليزية أيضاً بتوصية من صديقه هنري ميللر الذي التقاه في أميركا في رحلته الأولى خارج مصر. من خلال هذه المجموعة، كان واضحاً امتلاك أدواته الفنية، بل العثور على صوته الخاص الذي لازمه طويلاً في كل ما كتب. أبطاله مهمشون، محرومون، لصوص كبار وصغار، ومهرجون، وعالمه هو قاع المدينة الذي يعرفه جيداً، المقابر، ولغته حادة ساخرة. السخرية هي التمرد الوحيد أمامهم عندما يكتشفون كمّ «الدجل» الذي يعيشون فيه في هذا العالم: «هل تستطيع الاستماع إلى وزير دون أن ينتابك الضحك؟» كما قال في أحد حواراته.

عندما وصل إلى فرنسا، اختار الإقامة فى فندق في سان جيرمان، وظل كذلك لا يغادره، غرفته هي البيت، لكن عالمه في كل رواياته هي سنوات الطفولة والشباب. غادر مصر ولم يعد إليها إلا في زيارات خاطفة، إلا أنه لم يكتب سوى عن مصر.

كان السؤال عن أسباب إقامته في غرفة وعزلته عن العالم سؤالاً دائماً. كان يجيب بأنه لا يريد أن يصبح عبداً لشيء، هو ضد التملك بأي صورة. قال: «إن العالم عبارة عن واقع مغلوط، بنته الدول الغنية، منذ آلاف القرون. حين تشترون سيارة، فإنكم تصبحون عبيداً وسجناء، وبالنسبة لي، أنا الذي لا أملك شيئاً، فإن الحياة بسيطة. استيقظ من النوم ولا أحس بالقلق على سيارتي. أتأمل إن الذكاء، حينما نفهم، مرة واحدة إلى الأبد، أي دجل نعيش فيه، هو الإدراك أن الحياة جميلة».

لم يكن والده محباً للقراءة، ولم تكن أمه تتحدث سوى العربية، ولا تجيد القراءة والكتابة. أدخلاه مدارس فرنسية، في عمر العاشرة بدأ الكتابة: «روايات من وحي الأفلام التى كان يشاهدها، حيث اعتادت أمه أن تصطحبه». من دراسته، وأشقائه، بدأ إجادة الفرنسية، واختار الكتابة بها. حتى عندما قرر الهجرة، كان يفكر بالعربية، بل يكتب أعماله في ذهنه بها. قال: «أنا أفطر باللغة العربي. لكن في الوقت نفسه، كل أسلوبي يأخذ شكلاً مختلفاً لو كتبت عن باريس أو عن شيء آخر».

ولكن هل كانت الفرنسية حاجزاً بين قصيري وانتشاره في بلده الأساسي الذي يكتب عنه؟ وهل اللغة –وحدها- التي تحدد جنسية الكتابة؟ ربما كانت اللغة التي يكتب بها قصيري، حائلاً دون انتشاره، بل بين اختصار سنوات طويلة من عمر الرواية العربية وحداثتها، وهي المهمة التي قام بها نجيب محفوظ في ما بعد عبر سنوات طويلة؟

كانت أفكار الحركة السريالية المصرية التي انتهى قصيرى إليها، وشارك فى تحرير مجلة «التطور» التي كانت تصدر في ذلك الوقت، تقف جنباً إلى جنب مع نظيرتها في كل العالم: شعراً أو رواية، كانت أكثر حداثة وتقدماً من كل الأفكار الكلاسيكية التي تناقش داخل المجتمع الباحث عن التحرر في ذلك الوقت. هاجر معظم السرياليين إلى الخارج، بينما ظلّ من يكتب بالعربية يبحث عن أسلوب جديد للقول. في الفترة التي كتب فيها قصيري أعماله عن المهمشين، كان أيضاً نجيب محفوظ يكتب عن الحارة المصرية، ولكن احتاج محفوظ إلى سنوات طويلة حتى عثر على صوته الخاص. ربما – افتراضاً- لو بقي قصيري وجماعته السريالية، وتم النظر إلى أعماله باعتبارها «مصرية» مكتوبة بلغة أخرى، لتم اختصار سنوات طويلة من عمر الرواية العربية التي بدأت حداثتها الحقيقية على يد محفوظ.

بالتأكيد التاريخ، الأدبي منه، لا يعرف كلمة لو. ولكن ماذا «لو»؟ لو بقي قصيري منافساً لمحفوظ في مصر، أما كان تغير شكل الرواية العربية؟

عن موقع جريدة الأخبار اللبنانية


حقوق النشر
مقالات «الأخبار» متوفرة تحت رخصة المشاع الإبداعي، ٢٠١٠
(يتوجب نسب المقال الى «الأخبار» ‪-‬ يحظر استخدام العمل لأية غايات تجارية ‪-‬ يُحظر القيام بأي تعديل، تحوير أو تغيير في النص)
لمزيد من المعلومات عن حقوق النشر تحت رخص المشاع الإبداعي، انقر هنا



قاهرة الطفولة والشباب: كل شيء كان يجري في وسط البلد


جريدة الأخبار اللبنانية


السبت 14 تموز 2018
جريدة الأخبار
ادب وفنون
ألبير قصيري... رسول الكسل ومفتون القاهرة
بيار جازيو
ترجمة : هالة عزيز


هنا كانت البداية، تشرين الثاني (نوفمبر) 1913، في حيّ الظاهر حيث تعيش جالية كبيرة من أصول سورية. الأبوان قصيري، سليم ونادية، من صغار ملاك الأراضي، يتبعان طائفة الروم الأرثوذكس ويترددان على كنيسة رؤساء الملائكة. يقيم ألبير الصغير، الشديد الاعتدال دينيّاً، خلال أعياد الفصح معارك بالبيض في فناء الكنيسة. تعلم ألبير، ولغته الأم العربية، ابن الخامسة، اللغة الفرنسية في «مدرسة الفرير»، وعاونه في ذلك إخوته الأكبر منه المولعون بالأدب الكلاسيكي. التحق في ما بعد بمدرسة «الليسيه» الفرنسية في باب اللوق، ولم يجتز - رغم ذلك - شهادة الثانوية الفرنسية (باك)، إذ ظهرت جليّاً نزعته التي أغنته عن أي شهادة: أن يصبح كاتباً. وفي السابعة عشرة، صدرت له قصيدة مستوحاة بإفراط من بودلير تحمل عنوان «اللدغات» وكان يتمتع بمكانة مرموقة بين فتيات المجتمع الراقي.

وكان لمدرسة «الليسيه» دور رئيس في الحياة الفكرية والفنية القاهرية، وكانت بمثابة مركز ثقافي. ففي «بيت الفنون» الخاص بها، أقامت جماعة «الفن والحرية» السوريالية بعضاً من فعالياتها التي قدّمها رسامو الطليعة، فيما جذبت «جمعية الصداقة الفرنسية» جمهور الندوات الرفيع المستوى، حيث أقام جورج حنين وبرتو فرحي حفلاً لتكريم «عطاء ألبير قصيري» عام 1956.أما قاهرة شبابه، فكانت وسط البلد، الذي أراد الخديوي إسماعيل أن يجعل منه باريس الشرق. يجوب الترام أنحاءه. وعلى الرغم من واجهات بناياته التي كانت لا تزال ناصعة، إلا أن البناء لم يكن يتوقف فيه.

أما التجارة والمحالّ الكبرى والمقاهي والمطاعم، وحتى المصارف وشركات التأمين، فقد كانت تُدار تقريباً من قبل أجانب: يونانيين، إيطاليين، أميركيين، مالطيين... ناهز عددهم الـ 50000 في عام 1950. واللغة السائدة هي الفرنسية، لغة التواصل بين هذه الجاليات والمصريين من الطبقة المترفة... في الحقيقة، إنّ معظم المصريين الذين كنّا نصادفهم في وسط البلد، كان بعضهم يعمل في البيوت، والبعض الآخر من صغار الموظفين، وكان سكنهم في أماكن أخرى بعيدة.

«ينفتح شارعُ فؤاد في وسط المدينة الأوروبية كنهرٍ من الضوء. سَارَ الكُردي في اتجاه الجادّة، متسكعاً، يخامره الشعور بأنه ما زال في مدينة أجنبية غريبة. وعبثاً حَدّثَ نفسه بأنه ما زال في البلد مسقط رأسه، فهو لم يصل إلى تصديق ذلك».

كان ألبير الذي يقطن في شارع شريف يعيش من فتات الموارد ومن إغداق أصدقائه عليه ومن علاقاته المختلفة. وصفه الأمير حسن حسن من الأسرة الملكية بهذه العبارات: «كان شكله تكعيبياً إلى حد ما، فهو أشبه بالمثلث. وكنت أراه أحياناً كثيرة في الشارع، ولكني كنت أعبر إلى الرصيف المقابل لما عُرف عنه من كثرة اقتراضه للمال». كان أصدقاؤه الأكثر غنىً يقطنون الزمالك أو غاردن سيتي، الحيين المبنيين من فيلاتٍ في شوارع هادئة. إلا أن كل شيء كان يدور في وسط البلد، في حيِّز صغير على مسافة بضعة شوارع أو جادات. «كان يكفي أن تتوجه بعد الساعة الخامسة من جروبي سليمان باشا إلى جروبي عدلي لتلتقي الجميع...» (لقاء ألبير قصيري وبيار جازيو، القاهرة، 1989).

وفي «جروبي سليمان باشا»، تعلم ألبير الرقص. ومن هناك وحتى سان ــ جيرمان دي بريه، كان الرقص عاملاً أساسيّاً في استراتيجيته في الاستحواذ على قلب المحبوبة. كانت المقاهي تحتل مكانةً رئيسة في أيام يكتنفها الخمول والتبطل. وكان «الأمريكين» أحد المقاهي المفضلة لديه حيث يقع تراسه عند تقاطع شارعي فؤاد وعماد الدين. وهناك، كان يرقب عودة تلميذات المدارس الثانوية اللواتي ينتمين إلى كبرى العائلات، وهو ما كان يترك انطباعاً عند الكاتب الشاب الذي كان يبدو مع ذلك ثائراً متشدداً. كان يعشق مقهى البوسفور الأكثر حيوية والكائن بالقرب من محطة باب الحديد.

من الأماكن التي كان يؤثرها، حيّ الحسين و«مقهى الفيشاوي» الشهير المزدان بالمرايا

وكانت هناك المكتبات التي تقدم في معظمها كلاسيكيات الأدب الفرنسي وآخر ما صدر عنه، فالأدب الفرنسي هو «وطن الإنسانية» إذا ما استعدنا تعبيراً لمجلة La Revue du Caire. أما مكتبة «الرون بوان» في ميدان مصطفى كامل، فكانت، على وجه الخصوص، تستقبل كل من كانوا في المدينة من أصحاب الأفكار التقدمية والمتعاطفين مع اليسار والمقاومين للفاشية وهواة الفن الحديث. وكان يدير المكتبة هنري كورييل أحد أبناء البورجوازية الثرية.

وقد نظم في فيلا والده في الزمالك حفلاً كبيراً لتمويل مجلة «دون كيشوت» التي كان رئيس تحريرها. وكان منهجه: «نحن نكافح: اللامبالاة، اجترار الماضي، الاستسهال، عدم استمتاع المرء بحريته، جميع أشكال التزوير، والتهاون». وكان لأعضاء الجماعة السريالية، ومن بينهم جورج حنين، إسهامات حيوية في هذا الصدد.

يمكننا القول إن قصيري نفسه لم يشارك إلا من بعيد في نشاط هذا الشباب الكوزموبوليتي الذي دعا إلى ثورة فنية وسياسية وسط شعور اللامبالاة العام السائد في المجتمع حينذاك.

«كنّا نعرف بعضنا جميعاً. وكنّا جميعاً أصدقاء، لم نكن نوجَد معاً لانتماءاتنا الإيديولوجية، بل، لأننا – على وجه الدقة – كنا أصدقاء. كنا نلتقي مساء كل يوم ونذهب للعشاء. وكان كورييل مستقلاً بذاته، وكان يفكر في أن يكون رئيس حزب. كان معه الكثير من المال، ما أتاح له أن يحشد حوله جمعاً كبيراً من الناس. غير أن ما كنت أقوم به من خلال كتاباتي كان أكثر ثورية مما كان يفعله كورييل ورفاقه. كل شيء كان يدور بين مثقفين، وكان هذا مدعاة للسخرية بالنسبة إليّ. فما فائدة حزب يتكون من حفنة من الأفراد لا يعرفون حتى اللغة التي يتكلمها الشعب؟» (لقاء قصيري وبيار جازيو، القاهرة، 1989).

وقّع قصيري على بيان «يحيا الفن المنحط» دعماً للفنانين الألمان ضد الاضطهاد النازي. وكان هذا بمثابة الأثر الوحيد لالتزامه سياسيّاً، غير أنه كان كافياً، بالإضافة إلى صداقاته السيئة، ليضعه البوليس المصري في قائمة المخربين.

وصدرت قصتاه الأوليان Un Homme supérieur و Danger de la fantaisie في مجلات شديدة البعد عن الاستفزازات السريالية، كمجلة La Semaine égyptienne (عدد رأس السنة 1936) ومجلة La Revue du Caire (حزيران/ يونيو 1939). وتجدر الإشارة إلى أن كلتا المجلتين كانتا تتمتعان بنسبة توزيع أعلى من كتابات رفاقه السرية الملتهبة. وكان قصيري – على العكس منهم – يستطيع الهروب من الجغرافيا المحدودة لوسط البلد والأحياء الجميلة، التي كان يُطلِق عليها «المدينة الأوروبية» أو «قلعة القهر».

«والحال أن المدينة الأوروبية، على الرغم من بناياتها ذات الطبقات الثماني (المزودة بالأسانسيرات ومواسير المياه الجارية) ومقاهيها المضاءة إضاءة ساطعة ومومساتها اللواتي تنوء الأرصفة بتسكعهن جيئةً وذهاباً، قد بدت فريسة ضجرٍ كئيب، لا نهاية له، ناشئ عن الشك وتفاهة الملذّات. ساد الإحساسُ بأن المدينة أرادت العيش، وبأنها تتمتع بكل ما يكفل ذلك، غير أن نوعاً من البؤس الباطني، الذي لا يرحم، قد جَمّدها بأضوائها المفتَعَلة ونسائها الحمقاوات ورغدها الإجرامي. (...) وقد صار التمدن رهيباً بشكلٍ خاصٍ على امتداد شارع فؤاد الأول وشارع عماد الدين. فالواقع أن هذين الشارعين الرئيسيين يتمتعان بكل ما تحتفظ به مدينة متمدنة وتوفره بسخاءٍ لأجل نهب ألباب البشر. فهناك مسرحيات تافهة وباراتٌ تُكلّفُ من يرتادها الكثير وكباريهات ترقص فيها راقصات سهلات المنال، ومحالّ لأحدث الموضات وجواهرجية، بل أفيشات مضاءة بالنيون. كانت الإصابة بالخبل تمتد على مدى البصر» (بشر نسيهم الله).

جوهر، الأستاذ الجامعي، «السيد» في «شحاذون ومعتزون» يترك حياة تعج بالخداع والأكاذيب. نراه ينتصر للحرية في ظل التنصل المطلق من كل أبهة ويعبر الحدود، التي تقتاده بعد حيّ «الموسكي»، إلى «مدينة الأهالي» حيث سعادة العيش بتلقائية وعفوية.

أحد طلابه، الكردي، لخّص، وهو يجوب شوارع المدينة الأوروبية، الاختلاف المستعصي بين هذين العالمين اللذين يتواجهان ويجهل بعضهما البعض: «كان هذا الزحام من البشر غير إنساني، وقد تغلغل الكربُ الذي أشاعه تغلغلاً لاشعوريّاًِ في نفس الكُردي وبث فيه الحنين إلى الأحياء الشعبية. لقد تحسَّرَ بالفعل على الأزقَّة الموحلة والعشش القذرة حيث كان شعبٌ بأسرهِ قد تعرَّض للإقصاء يسخرُ من مضطهديه. كان الأمل في عشش الصفيح في الأرض اليباب أكبر من الأمل في هذه المدينة الثرية (...) وهي لم تكن بهيجة، قلعة القهر هذه. فمظاهر البذخ، المعروضة في فيترينات المحالّ التجارية وأبهة البنايات عديمة البهجة وبثائر الأرصفة، كل ذلك بدا أنه يحول دون أدنى فكرة طليقة. وقد أدرك الكُردي لماذا هَجَرَ جوهر هذه المدينة ورغدها الكئيب» («شحاذون ومعتزون»).

في Les hommes oubliés de Dieu أو La maison de la mort certaine يسحق البؤس الشديد واليأس الأحياء الفقيرة في القاهرة.

«شمس مبهرةٌ غمرت الأرض. كان الهواء عذباً ودافئاً، لا يكاد المرء يشعر به. كل ذلك كان جميلاً بالفعل، بَلى، ناحية المدينة الأوروبية، وبالأخص على الضفة الأخرى للنهر، حيث اصطفت الفيلَّات الباذخة والحدائق المزدانة بالزهور. أمَّا في الأحياء الشعبية، فقد اتخذت الشمسُ الرائعة مظهر القاتل. وفي الأشعة المائلة، كانت البيوتُ الخرابُ وكأنها ملطَّخةٌ بالدم» (منزل الموت الأكيد).

يسرد قصيري أياماً كثيرة في حيّ درب الأحمر والقلعة: شخصيات هاتين القصتين الأوليين، وما تتفوه به من سخرية وخيال يناقضان اليأس.

في بيت مملوكي يستأجره مع بعض الأصدقاء، يمضي ساعات خلف المشربيات، يستمع إلى الأحاديث والشجارات والشتائم البديعة بين الجيران والمارة. وقد استلزمت إعادة كتابتها بالفرنسية مع الاحتفاظ بمذاقها، عملاً شاقاً من حيث الأسلوب، جعل منه ذلك الكاتب الأصيل باقتدار الذي سبقته شهرته إلى خارج مصر.

ظل هذا البيت حتى بداية الستينيات «بيت الفنانين». والمستأجر أنجيلو دي ريتز، رسام عضو في جماعة «الفن والحرية». كان الفنانون والمثقفون المتحررون المتشوقون إلى المعرفة يلتقون كل يوم أحد في هذا المكان الذي ظل بالنسبة إليهم مكاناً مبهجاً في غرابته.

ومن الأماكن الأخرى التي كان يؤثرها، حيّ الحسين و«مقهى الفيشاوي» الشهير المزدان بالمرايا، وهو مركز تجمع شخصيات «شحاذون ومعتزون». وقبل الخمسينيات، كانت طاولات المقهى ومراياه تمتد على مساحةٍ أكثر اتساعاً، يشغلها اليوم «فندق الحسين».

وعالم المقهى الصغير هو انعكاس دقيق لما صارت عليه مدينة الأهالي في أعمال قصيري، بدءاً من «شحاذون ومعتزون». إنه مكان ينأى عن الجنون المدمر الذي يكتنف العالم وعن الخداع الكوني. إنه المركز الحقيقي، مركز العلاقات الإنسانية حيث «تبدو الجموع مفعمة بسعادة حكيمة لا يمكن لأي عذاب أو قهر أن يطفئانها».

«وبما يُمَثَّلُ معجزةً، كانت مدينة الأهالي المكان الوحيد في البلد الذي نجا من التعدي عليه وازدهرت فيه حياةٌ سوية، تستمد حيويتها من الحكمة البسيطة».

«شحاذون ومعتزون»

في عام 1942، غادر قصيري القاهرة لما يقرب من عام حيث عمل رئيساً للغرسونات على متن سفينة تصل إلى نيويورك مروراً بكيب تاون. دفعه الفضول والرغبة في الهروب من مدينة حولتها الحرب إلى مركز تسلية للقوات البريطانية، دفعاه إلى هذه المغامرة التي أسهم البحارة الألمان الجنسية في إخصابها بالتأملات. وفي نيويورك، احتجزته الشرطة، ولكن سرعان ما أطلق سراحه بعد تدخل لورانس داريل. وفي أعقاب ترجمة أعماله إلى الإنكليزية، وجدت هذه الأعمال صدىً كان هو نفسه أول من تفاجأ به. ويشهد على ذلك، مقال إطرائي لهنري ميلر في مجلة Accent وهي مجلة نيويوركية تهتم بالأدب المعاصر.
وقد وجد قصيري في هذا الاعتراف دعماً للمشروع الذي عزم، منذ الطفولة، على إنجازه: ألا وهو أن يصبح كاتباً ويقيم في باريس. وعند عودته إلى القاهرة، في سبتمبر 1943، وجد هناك الأشخاص أنفسهم، منشغلين بما كانوا يقومون به إلى حد ما. فها هو جورج حنين والجماعة السريالية يقومان بتنظيم معرضين في «الليسيه» في عامي 1944 و1945.

وبدأ ألبير قصيري يشعر بالاختناق في مدينة بدت له ضيقة وبلا حراك. ولم يعد ينتظر سوى انتهاء الحرب لكي يستقر في باريس. ويروي أنه كان يغفو على حافة حمام سباحة «فندق مينا هاوس»، الذي كان كثير التردد عليه في أيام الصيف، فسمع في الإذاعة إعلان استسلام ألمانيا. وعلى الفور، ارتدى ملابسه وهرع ليحجز مكاناً في أول سفينة تغادر إلى مارسيليا.

وسيمنحه القدر، الذي كان كريماً معه بشكل خاص، الاستمتاع بآخر أيام العصر الذهبي الباريسي. فسوف يعطي حي سان-جيرمان دي بريه لحلمه ألواناً فرحةٍ تتجدد كل مساء بما تتيحه من مسرات الفكر والإحساس.

ولم يعد هذا الشخص - الذي كان يعرّف نفسه بالكاتب المصري ذي القلم الفرنسي – إلى القاهرة إلا بعد ذلك بثلاثين عاماً. فقد قام بزيارتين قصيرتين إلى القاهرة في عامي 1989 و1990.

والحال أن الصور والانطباعات التي شكلت مناخ وديكور روايته «ألوان العار» كانت، باعترافه هو، صور وانطباعات أجنبي عن هذه المدينة المتضخمة التي ابتلعت قاهرة شبابه وساكنيها.

* أستاذ فخري في «مدرسة الليسيه» في القاهرة حيث يعيش منذ 20 عاماً. كان صديقاً لألبير قصيري وموضوعاً لرسالته للدكتوراه. صدرت له أعمال عدة منها: «الفيوم تاريخ ودليل»، «قاموس الفراعنة الصغير»، ويصدر له قريباً «محطات القاهرة السبعة: مدونة السفر بالمترو»

عن موقع جريدة الأخبار اللبنانية


حقوق النشر
مقالات «الأخبار» متوفرة تحت رخصة المشاع الإبداعي، ٢٠١٠
(يتوجب نسب المقال الى «الأخبار» ‪-‬ يحظر استخدام العمل لأية غايات تجارية ‪-‬ يُحظر القيام بأي تعديل، تحوير أو تغيير في النص)
لمزيد من المعلومات عن حقوق النشر تحت رخص المشاع الإبداعي، انقر هنا



من مخطوط روايته الأخيرة: زمن ابن كلب


جريدة الأخبار اللبنانية


السبت 14 تموز 2018
جريدة الأخبار
ادب وفنون
ألبير قصيري... رسول الكسل ومفتون القاهرة


«زمن ابن الكلب» عنوان مثير اختاره ألبير قصيري لآخر أعماله الروائية، لكن الموت لم يمهله استكمالها، فترك مخطوطها فى غرفته في نزل «لويزيان» الذي عاش فيه ما يقارب ستين عاماً. ناشرة قصيري جويل لوسفيلد عرضت صفحات من المخطوط الأصلي في المعرض الذي أقامه «المركز الثقافي الفرنسي» أخيراً في القاهرة احتفالاً بذكرى مرور عشر سنوات على رحيل قصيري

ترجمة : أحمد عثمان

جلس مختار على رصيف مقهى قذر، يبثّ مذياعه صوت المغنية الأسطورية التى تذكّره بأمه مليكة. لم يستطع الإنصات إلى هذا النواح على الحب الضائع، دون أن تترقرق دموعه. باستثناء شخص نائم مسترخياً على سريره، كضائع تقاذفه الليل، كان المكان في هذه الساعة النهارية، هادئاً، كوضع مؤقت بالتأكيد، ومناسباً للتأمل. بالطبع، لم يكن في نية الشاب التفكير في خلود الحماقة الإنسانية، ولا توبيخ زعماء هذا العالم الحقيرين، كانت كل هذه الموضوعات منذ فترة طويلة في ذهنه مستهلكة ولا تستحق أي نقد عميق وجديد. كل ما يتمناه، على وجه الإجمال، في تلك اللحظة، هو ركن هادئ يستطيع فيه، قبل أن ينسى، أن يستحضر ذلك الحادث المضحك الذي عجَّل بطرده من وظيفته معلماً في إحدى المدارس الحكومية، بالمدينة الساحلية، ذات الشهرة التاريخية، المسماة الإسكندرية. كل شيء بدأ بنقاش بسيط وبلا أي سبب ظاهر، مع مدير المؤسسة التعليمية، ذلك الرجل المجبول على الجهل، والمتزوج علاوة على ذلك بامرأة دميمة. هاتان الخاصيتان تجعلانه مقيتاً وغير متسامح في علاقاته مع الأذكياء والعزاب. بعد تلميحات خداعة حول الفسق المرتبط بالعزوبة، اتهمه أبو الأطفال منحطين هذا بأنه أنسى تلاميذه، على مدار شهور، ما علَّمه لهم خلال سنوات. غير مندهش من هذا المديح الذي يستحقه كثيراً، لم يستطع مختار مقاومة الرغبة في توجيه ضربة قاضية وشاملة إلى الترتيب الإداري الوضيع. أجاب بنبرة تستدر الشفقة، كأنه يوجه تعازيه إلى أرمل، بحزن، أن تلاميذه تعلموا على أي حال شيئاً مهماً للغاية بالنسبة إلى مستقبلهم، إذ إنهم عرفوا أن مدير هذه المدرسة حمار ومن اللازم استبداله بحمار حقيقي، وبالتأكيد حمار مقبول رؤيته. بالنسبة إلى عقل متحرر من جميع الأحكام العتيقة، يتبدى أن معاملة الحمار كإنسان تعتبر بمثابة سبّة للحمار. لكن المدير، العاجز عن استيعاب أي فكرة جريئة، بدأ يصيح كمجنون يحاول قتله، جاذباً بصيحاته رهطاً من المنقذين المتطوعين الذين أمسكوا بمختار وألقوه خارج المدرسة، مشيعاً باللعنات المألوفة.

لم يكن مختار مستاءً من هذا الفصل المفاجئ، لأنه منحه مكانة المنشقّ السياسي وضحية حرية التعبير، التي تثير اهتمام مثقفي البلاد الديموقراطية الغنية في ما وراء البحار. هؤلاء المثقفون الشجعان، الإنسانيون بلا حدود، يمتلكون موهبة تحويل أي تافه من توافه الكوكب إلى شهير، أي فرد خضع لأقل القليل من التنكيد أو احتجز لبضعة أشهر في المعتقل، في أي ظرف من الظروف، من قبل أى حكومة ديكتاتورية دموية. كانت هذه الفكرة تسعده كما المزحة. خلال لحظة، يتخيل منفى براقاً في أرض غريبة تحييه فيه وتدلـله كل العقول المفكرة في نصف الكرة الغربي. هنا، كان واعياً بأن التمجيد البعيد، بل وبعيد الاحتمال أيضاً، بالانشقاق الذي كان مبتكره العبقري لا يرتبط بأي جهة معارضة للحكومة. كان مختار ينكر كلياً كل الحكومات، سواء كانت منتخبة أو مفروضة من قبل القوة العسكرية، لأنها جميعاً متأتية من قالب واحد ومكونة من نفس المجرمين. وبالتالي، من الغباء قلب أي نظام حكم، لأن حكومة أسوأ من سابقتها ستتولى الأمور فى النهاية. وبالتالي بداية جديدة ومتكررة لهذه الكوميديا البشعة.

بالنسبة إلى مختار، الطريقة الوحيدة لمقاومة أي نظام سياسي لا يمكن تصورها إلا في إطار الدعابة والسخرية، بعيداً عن أي سلوك أو عناء تستوجبه الثورة عادة. في الحقيقة، يتعلق الأمر بالتسلية غير المألوفة وليس اختباراً قابضاً للنفس لأجل الحفاظ على الصحة. معركته ضد الخزي السائد لا تستلزم جماعة مسلحة ولا حتى شعاراً يعلن وجودها. إنها معركة منفردة، وليس تجمعاً لكثير من الصائحين، ولكن عملية ظريفة لإنقاذ الإنسانية، من دون التماس رأيها ومن دون انتظار الإجازة القادمة من السماء. منذ فترة طويلة، قرر مختار أن يكون دوره في الحياة ممثلاً في نسف الفكر العالمي وعفونته المقززة التي ترهق منذ قرون مخ البؤساء الضعيف. لم تزل الجماهير الإنسانية، المحطمة والهشة، التي تحيا على الكوكب، مجبرة على الاعتقاد بكل ما يحكى لها في الدعاية التي تحقر الحقيقة بلا انقطاع. ظهر له بوضوح أن دراما الظلم الاجتماعي لن تتلاشى إلا حينما ينكر الفقراء القيم الأبدية للحضارة، قائمة الأكاذيب المتعمدة، المبرمجة لجعلهم دوماً تحت نير العبودية. مثلاً، الصدق. اعتقد الفقراء بأن الصدق هو الفضيلة الجوهرية التى سوف تنقذ أرواحهم من نيران الجحيم، وهذا الإيمان يقودهم إلى بؤس مستمر، بينما الأثرياء، الذين ابتكر أجدادهم هذه الكلمة، من دون الاعتقاد بها، يواصلون اكتنازهم للثروات. من المؤكد أن هذا التحليل، الصبياني ظاهرياً، للاقتصاد الرأسمالي، لن يرضي العقول الجادة، أعداء الحقيقة القساة، لأن بساطته سوف تمنعهم من أن يكونوا عميقين. قبل ثلاثة أشهر، حينما التمس مختار هذه الوظيفة كمعلم، لم يسع الى أن يكون متمكناً فيها. المعلم مهنة مثالية لممارسة تدمير الخطاب الخبيث، الكذوب التقليدي، المصور على أنه تمديني، المستعمل في جميع القارات.

في الواقع، منحته المدرسة فرصة رائعة للتعامل مع التلاميذ الصغار، الميالين إلى التخريب عن البالغين الذين خدرتهم المفردات المهيمنة لفترات طويلة. ضمنت نقمة المدير له النجاح، ولو مع جزء صغير من الشعب على الأقل، ولكن هذه النتيجة الهزيلة تمثل حمولة متفجرة، يحملها ثلاثون مراهقاً مجهزون بوعي مجدد جاهز لنشر معرفتهم الجديدة في كل مكان. رأى مختار هذه الجماعة من المبشرين المرحين تكبر وتنتشر في جميع أنحاء البلاد، ولمَ لا، ما وراء الحدود نحو المدن البائسة فى الجنوب المحتضر؟

بالنسبة إلى مختار، الطريقة الوحيدة لمقاومة أي نظام سياسي لا يمكن تصوّرها إلا في إطار الدعابة والسخرية

فجأة، قطع نباح كلب ـــ كأنه صادر عن جنس نادر وغريب، في أرجاء الحي ـــ تخيل هذا المستقبل العجيب. في نباحه، جرعة ملحوظة من الفظاظة والتحدي الموجه نحو أوغاد مكروهين، لا نعرفهم بالضبط. مسحوراً ومفتوناً بهذا الأداء، فكر مختار في البحث عن هذا الحيوان بنية اقتنائه فى حال هروبه من مالك ظالم وسيئ التربية. فكرة التنزه برفقة كلب ذي طوق تثير بهجته كمعركة دقيقة أكثر من أسطورة تفوق الإنسان غير الدقيقة. إذاً، بدأ يفتش الرصيف، ولكن بدلاً من مقابلة ودودة مع عضو سام من جماعة ذوي الأنياب، انبهر بالألوان البراقة تحت أشعة الشمس الشاحبة، التي تبدت فجأة من وسط السحب، كأنها تود المشاركة في هذه الفتنة المذهلة. المسؤول عن هذا التطفل غير المألوف، رمز الحداثة، في الديكور القذر للرصيف، رجل في العشرينيات من العمر، ذو بنية جذابة وهيئة أرستقراطية، يجلس في مدخل المقهى، ويتفاخر بارتدائه مجموعة من الثياب من مختلف الأنواع والألوان بمجازفة كبيرة. كان هذا الشاب الرياضي يرتدي في زيارته السياحية لهذه النواحي المحرومة بنطالاً من الكتان الأبيض، وقميصاً من الحرير الأحمر كاشفاً عن صدره، وسترة سوداء من قماش الكشمير، وزين عروتها بزهرة ياسمين. ولكي يتمم هذا المظهر المترف الرقيق، كان يرتدى حذاء لامعاً، مثل تلك الأحذية التى يرتديها الوزراء والقوادون حينما يتوجهون إلى الأوبرا. بيد أن غرابة مبعوث الجحيم ذلك لم تتوقف عند هذا الحد: يدخن سيجارة حشيش يرسم دخانها الساكن ما يشبه الهالة أعلى رأسه.

قبالة هذا المشهد الخارق، ينتظر مختار النهاية بهدوء، وهو يعي بغرابة أن هذا الأمير، أمير الأناقة، الضال في هذا المكان، بعث إليه برسالة في غاية الأهمية. يقال إن حامل هذه الرسالة فهم هذا الانتظار وتهيأ لنقلها، لأنه – من دون أدنى تأخير – تخلى عن جلسته الكسول، وقام عن مقعده، ورفع عينيه إلى السماء، ثم، وبمثابرة المغني الشهير، نبح بفظاظة وعناد ساخر، كأنه يطلق نباحه بشراسة ناحية ملاك المنزل المقابل. في لحظة، توقف عن نباحه والتفت الى مختار، الراضي ظاهرياً بما فعله.

أثنى مختار عليه خفية لئلا يوقظ الرجل النائم على دكته، بما أن عامل الواقع المحسوس فقط هو الذى يقيه من الفزع. بدون شك، يتضمن هذا النباح معنى خفياً عليه أن يفك شفرته فى أسرع وقت، إلا أن مقلد الكلاب الحانقة لم يترك له أي فرصة، ووجّه إليه هذه الجملة الغريبة:
كنت متأكداً من أنك ستفهم.

من أين أتيت بهذه الثقة؟ سأل مختار. سوف أكون سعيداً إن عرفت الأسباب.

انتصب الشاب الأنيق، المدعو حيدر، واقفاً واتجه لكي يجلس إلى طاولة بالقرب من مختار، وراح يتكلم بحماسة ودودة مكثفة، كأنه يريد أن يستحوذ على محادثه.

مررت من هنا، تقودني الصدفة، حينما رأيتك جالساً في هذا المقهى القذر. ولكن بدلاً من الحزن وثقل الوحدة، تطفو ابتسامة فريدة للغاية على شفتيك، هذا النوع من الابتسامة الماكرة يمثل تحدياً للفظاعة العالمية. أشعر بكونك أقوى من أي ثري. وهذا ما حثّني على التفكير في أنني أمتلك نفس قدرتك على الفهم.

عن موقع جريدة الأخبار اللبنانية


حقوق النشر
مقالات «الأخبار» متوفرة تحت رخصة المشاع الإبداعي، ٢٠١٠
(يتوجب نسب المقال الى «الأخبار» ‪-‬ يحظر استخدام العمل لأية غايات تجارية ‪-‬ يُحظر القيام بأي تعديل، تحوير أو تغيير في النص)
لمزيد من المعلومات عن حقوق النشر تحت رخص المشاع الإبداعي، انقر هنا



على الشاشة… شحاذون وضباط !


جريدة الأخبار اللبنانية


السبت 14 تموز 2018
جريدة الأخبار
ادب وفنون
ألبير قصيري... رسول الكسل ومفتون القاهرة
عصام زكريا


لم يكتب ألبير قصيري سوى عن مصر، وعن شخصيات وأماكن مصرية، لكنه لم يُعرَف في مصر إلا من خلال ترجمات قليلة متواضعة. ربما كانت الخطوة الأكبر نحو التعريف به في مصر، هي التي قامت بها المخرجة أسماء البكري في بداية التسعينيات. يومها، صنعت أول فيلم مقتبس عن عمل لقصيري وهو «شحاتين ونبلاء» (أو «شحاذون ومعتزون»، «شحاذون ونبلاء»). كان عليها أن تنتظر 12 عاماً أخرى لتصنع فيلماً آخر عن قصيري هو «العنف والسخرية».

كانت أسماء البكري (1947- 2015 ) مثل قصيري، مصرية فرنكوفونية التعليم والثقافة، ذات اهتمام خاص بالتاريخ المصري ظهر في الأفلام الوثائقية التي أنجزتها. عملت أيضاً مساعدة مع عدد من المخرجين، كان أكثرهم أهمية وتأثيراً فيها يوسف شاهين الذي عملت معه في أكثر من فيلم (إنتاج مشترك مع فرنسا). وهو ما أتاح لها التعرف إلى مصادر وشروط الإنتاج والدعم من أوروبا. ثم أتيحت لها فرصة للحصول على دعم من فرنسا لإنتاج فيلمها الأول (1991) «شحاتين ونبلاء» المأخوذ عن رواية قصيري. تدور الأحداث في القاهرة القديمة خلال منتصف الأربعينيات على خلفية نهاية الحرب العالمية الثانية، ليصبح أول أعمالها الروائية وأفضلها.

اختيار رواية «شحاذون ومعتزون» تحديداً، كان موفّقاً لأسباب عدة. من ناحية، تحمل اسم أديب كبير معروف في فرنسا والعالم، وهو مصري الجنسية والثقافة والهوى، والرواية نفسها لا يمكن أن يكتبها سوى مصري عاش وتشبّع بقاع المدينة وعاشر كل أنواع المصريين. ومن ناحية تحمس يوسف شاهين نفسه لإنتاج العمل من خلال شركته «مصر العالمية»، ما ضمن للفيلم مستوى إنتاجياً وفنياً مرتفعين.

استطاعت أسماء البكري أيضاً أن تصوغ سيناريو جيداً يحمل روح الرواية، ولا يبدو أنه مترجم عن لغة أخرى. كما استطاعت أن تحشد للفيلم عدداً من كبار السينمائيين؛ كل في مجاله مثل مديري التصوير يوسف مرزوق وسمير بهزان، والمؤلف الموسيقي مصطفى ناجي، والمونتيرة رحمة منتصر ومصمم الديكور أنسي أبو سيف، بجانب فريق ممتاز من الممثلين ضم: صلاح السعدني، عبد العزيز مخيون، محمود الجندي، أحمد آدم، لبنى ونس، حنان يوسف، لولا محمد، عهدي صادق وعدداً آخر من الممثلين الثانويين» منهم محمد هنيدي الذي ظهر في مشهد كوميدي في بداية الفيلم.

من المزايا التي تحسب لفيلم «شحاتين ونبلاء» أيضاً، أماكن التصوير التي اختيرت بعناية ومعظمها تقع في قلب القاهرة القديمة. كثير من المشاهد تم تصويرها وسط الناس في زمن الكاميرات الـ 35 مم الضخمة الثقيلة وشرائط الخام النيغاتيف المكلفة والشحيحة.

حافظت البكري على ترتيب وتفاصيل الأحداث والشخصيات، وإن اختصرت كثيراً من المشاهد الحوارية الطويلة. كما أضافت مشهداً في بداية الفيلم للعارهات وهنّ يعددن للذهاب لزيارة الأضرحة، تاركات زميلتهن «أرنبة» وحدها في المنزل. وهو مشهد مهم لفهم ما سيحدث بعد ذلك، كما أنه مشهد خفيف محمل بالفكاهة يسبق المشهد الكابوسي الذي تبدأ به الرواية عندما يستيقظ «جوهر» في حجرته الحقيرة، غارقاً في المياه التي تتسرب إليها من غرفة جار ميت يتم «تغسيله».

يلعب صلاح السعدني دور «جوهر» مدرس التاريخ السابق الذي يرفض تدريس الأكاذيب، فيتم فصله. يعيش صعلوكاً هائماً مدمناً للمخدرات، لكن صاحب فلسفة عدمية تجذب إليه عدداً من المعجبين، على رأسهم الموظف الشاب «كردي» والشاعر الدميم «يكن»، والضابط المثلي «نور الدين».

في ظروف بالغة الغرابة، وتقريباً دون سبب واضح، يقتل جوهر أرنبة، ويقوم نور الدين بالتحقيق ويكتشف الجاني. لكن هذه الحبكة البوليسية خادعة، لأن جوهر ليس جانياً حقاً، ولا نور الدين ضابط حقاً، والاثنان يلتقيان في الفراغ في النهاية.

يرسم الفيلم، كما الرواية، صورة نابضة بالحياة لأحد أعرق أماكن القاهرة وأفقرها، وبانوراما لأنماط الشخصيات والأفكار المنتشرة في تلك الفترة التاريخية الحاسمة. ليس فقط من خلال مواقع التصوير للشخصيات الأساسية، ولكن من خلال خلفيات الشوارع والحواري والشخصيات الثانوية والمجاميع.

رغم كل الجهود، يظل «شحاتين ونبلاء» عملاً «نخبوياً» قد يروق المثقفين، لكنه غير جماهيري، وهذا ليس عيباً بحد ذاته، وإن كان العيب الوحيد الذي في العمل هو نبرة التمثيل المرتفعة بشكل مبالغ فيه لبعض العبارات الخطابية مثل مشهد «فلاش باك» صلاح السعدني في الجامعة أو حوار محمود الجندي مع عبد العزيز مخيون.

هذا العيب العابر في «شحاتين ونبلاء»، سيصبح العيب القاتل في فيلمها الأخير «العنف والسخرية» (2003) المقتبس عن رواية أخرى من أعمال ألبير قصيري. لكن الظروف الإنتاجية والإبداعية السيئة التي واجهت العمل حالت دون خروجه بشكل يليق باسم مؤلفه ومخرجته.

«العنف والسخرية» واحد من أجمل أعمال قصيري، وأكثرها تعبيراً عن العصر، ليس فقط عصر الستينيات الذي كتبت فيه، ولكن عصرنا اليوم قبل ثورات الربيع العربي وبعدها. وهي تتميز أيضاً بشخصياتها الحيوية والأماكن التي تدور فيها الأحداث في مدينة الإسكندرية، كما أنها أقل قتامة وأكثر إشعاعاً بالتفاؤل والبهجة والعقلانية من «شحاذون ومعتزون» بما لا يقارن. لكن هذه المزايا لا تظهر في الفيلم إلا نادراً، كما في المشهد الافتتاحي الذي يقوم فيه شرطي بضرب رقبة شحاذ وخلعها، يتبيّن أنه دمية وضعها أحد الثوريين للسخرية من الشرطة والسلطة.

في فيلم «العنف والسخرية»، تستسلم أسماء البكري للترجمة المباشرة لصفحات الرواية، وللحوارات الجافة الطويلة التي قد تناسب الأدب، لكنها لا تتناسب مع السينما إلا في أعمال استثنائية، وخاصة أنها تتردد هنا على ألسنة شخصيات لم يحسن تجسيدها سينمائياً، وممثلين لا يستوعبون أدوارهم أو ما يرددونه بشكل كاف.

يرسم الفيلم، كما الرواية، صورة نابضة بالحياة لأحد أعرق أماكن القاهرة وأفقرها

فوق هذا كله، واجه الفيلم مشاكل كثيرة أثناء إنتاجه وبعده. ما بين بداية التسعينيات وبداية الألفية الجديدة، تغيّر شكل صناعة السينما المصرية كثيراً، ووجدت الأعمال الجادة صعوبة متزايدة في إنتاجها أو حتى عرضها وسط هيمنة الأفلام الكوميدية التجارية. ولم يوزع العمل تجارياً تقريباً، باستثناء قاعة واحدة صغيرة وبعض العروض الخاصة. وهو غير متوفر الآن، مع أنه كما ذكرت يناقش قضية عصرية بالغة الحساسية والأهمية وهي: ما الذي يمكن أن يفعله المثقف الثوري في مواجهة سلطة باطشة تعتمد العنف بأنواعه؟ هل نردّ على العنف بالعنف، أم بالسخرية والتخريب المعنوي لممارساتها؟

بالطبع، لا يمكن القول إن أعمال قصيري «شعبية»، مع أنها تدور حول «الشعب» والطبقات «الشعبية» البسيطة، لكن من خلال عين مفكر نخبوي ونظرة نقدية تشريحية. كما أنها تحفل بمظاهر البؤس والفقر والظلم المستفزة للرقابة ولأصحاب القلوب «الوطنية» الرقيقة. لكن هذه الأعمال تمثل منجم ذهب لكتّاب الدراما السينمائية والتلفزيونية، ينتظر من يغامر بالغطس والتنقيب واستخراج جواهره، لأن أهم ما يميز أعمال قصيري هو قدرته على التقاط الأمور الأكثر جوهرية في المجتمع المصري، مثل العلاقة بين المواطن والسلطة، وعلاقة المصري بالقانون، والنظام والعمل، بشكل عام.

عن موقع جريدة الأخبار اللبنانية


حقوق النشر
مقالات «الأخبار» متوفرة تحت رخصة المشاع الإبداعي، ٢٠١٠
(يتوجب نسب المقال الى «الأخبار» ‪-‬ يحظر استخدام العمل لأية غايات تجارية ‪-‬ يُحظر القيام بأي تعديل، تحوير أو تغيير في النص)
لمزيد من المعلومات عن حقوق النشر تحت رخص المشاع الإبداعي، انقر هنا

عرّف بهذه الصفحة

Imprimer cette page (impression du contenu de la page)