محمد مطر، عازف البزق البدوي الذي نجح في عالم ليس له

, بقلم محمد بكري


موقع رصيف 22


موقع رصيف 22
الجمعة 12 فبراير 2021
ديانا عبّاني


"كينغ مطر" طارق يمني… تكريماً لمحمد مطر، البدوي الذي نجح في عالم ليس له



“قبل ما يعزف، طوله متر وستين بعد العزف بتشوفوا قديش يصير”!

بهذه الجملة قدّم الإعلامي الفكاهي نجيب حنكش (1899- 1979) عازف البزق مطر محمد (1939- 1995) على تلفزيون لبنان، في ستينيات القرن الماضي. كأستاذ واقف بكامل ثقته يقيّم حنكش، هذا الفتى الأسمر الجالس على الكرسي كتلميذ نجيب مع ابتسامة جميلة. يبدو حنكش معجباً بموهبة مطر، لكنّه لا يأخذه فعلاً على محمل الجد.

مناسبة عودتي الى هذا الفيديو هي مقطوعة صدرت يوم الخميس، 11 شباط/فبراير 2020، للمؤلّف الموسيقي وعازف البيانو، اللبناني طارق يمني، بعنوان “كينج مطر”، يكرّم فيها مطر محمد على طريقته، بارتجال استوحاه من لازمة مميّزة له. والنتيجة هي مقطوعة إلكترو-جاز على نغمة البيات، أدخلتني بمتاهة عوالم مختلفة لا تنتهي من البحث عن مطر محمد.


مقطوعة كينج مطر

أكثر ما يميّز مقطوعة “كينج مطر” هو حيويّتها وروح الارتجال واختلافها التام عمّا سبق لطارق يمني أن قدّمه. فهناك جوّ من “السايكدليّة” مضطرب وغير منتظم، يسيطر على المقطوعة التي تبدأ على نغمة البيات، لتنتشر لاحقاً في مختلف الاتجاهات. ومع ذلك، هناك تناسق خلقه طارق بين موسيقى الجاز والإلكترونية والمقامات الشرقية، وهذا ليس بغريب على فنان ثاقب ومبدع مثل طارق يمني.

المعلومات الدقيقة عن نشأته شحيحة، بعضها ينسب مولده لعائلة من الغجر العرب من تل كلخ السورية، حمص أو سهل البقاع.

فطارق، العاشق للجاز، منغمس منذ سنين في استكشاف التفاعل والحدود الموسيقية بين الأنماط الإيقاعية الأفريقية المختلفة والإيقاعات الخليجية والتقاليد الموسيقية المشرقية، وعمله يعتبر أكثر من مجرّد تجاور بسيط لهذه الأنماط المتباينة، حيث إنه مبني على العناصر المشتركة بينهم، ما يعطي هذه الفردية والسلاسة لهذه المقطوعة السهلة المنال، التي رغم اختلافها عن أعمال طارق السابقة، يمكن التعّرف على بصمته فيها على الفور.

يرافق مقطوعة طارق فيديو مبدع لعلي دلول، استخدم فيه لقطات قديمة صوّرها طارق (في أوائل العقد الأول من القرن الحالي) ووالده (حوالي عام 1985).


استطاع دلول نقل روح المقطوعة المضطرب والمتوتّر والمنتشر في مختلف الاتجاهات، ليصبح الفيديو جزءاً أساسياً من المقطوعة. هذا التناغم بين الموسيقى والفيديو فيه سحر غريب أخذني إلى عالمين غير مترابطين. ورأيت نفسي من جهة أخوض تجربة الترحال التي تعكس قصة مطر محمد، ومن جهة أخرى، مسّ الفيديو والموسيقى مكاناً خاصاً في ذاكرتي، وأعادني إلى بيروت التسعينيات، وكلّ ما تعنيه تلك الفترة بالنسبة لأبناء جيلي. ووجدتني أغوص وأقفز بين هذين العالمين، بين واقعنا المشتّت اليوم وجزء من ماضينا.

فضول يدفعني للبحث

تجربتي مع مقطوعة طارق يمني لم تنتهِ عند هذين العالمين، فهي قد أثارت فضولي حول مطر محمد. على الرغم أنّ لمطر العديد من المقطوعات المنشورة على اليوتيوب وفي المواقع المختصة، التي تظهر براعته في العزف والارتجال والزخرفات، ثقافته الموسيقية وتمكّنه من المقامات والانتقالات. لكن قصة هذا العازف والملحن الغجري كانت تحيّرني: هو الذي عرف الشهرة في لبنان في زمن كانت الهوية والموسيقى اللبنانية في عز تجلّيها وسيطرتها، وحيث لا مكان لفنان غريب، فكيف لو كان عازف أمّي من بيئة مهمّشة، لا يتوافق مع الصورة النمطية للعازف الحديث آنذاك؟ ومع ذلك تمكّن من إثبات نفسه كعازف منفرد، أصدر العديد من الألبومات، في عالم تسبق الكلمة والغناء فيه الموسيقى. وها هو طارق اليوم يعود إلى هذا العازف والملحن الذي لطالما تأثّر به. ويدفعني للحاق بمصدر إلهامه، والبحث عن قصة هذا العازف المختبئ خلف بزقه وابتسامته.

صدرت للمؤلّف الموسيقي وعازف البيانو، طارق يمني، مقطوعة “كينج مطر”، يكرّم فيها مطر محمد على طريقته، بارتجال استوحاه من لازمة مميّزة له. والنتيجة هي مقطوعة إلكترو-جاز على نغمة البيات، أدخلتني بمتاهة عوالم مختلفة لا تنتهي من البحث عن الموسيقي البدوي

أردت أن أفهم تحديداً علاقة مطر بالعالم الموسيقي آنذاك وتمكّنه من دخوله، ولكنني لم أجد الكثير. أعود إلى فيديو حنكش ومطر. الحديث بينهما يُظهر مطر كالقابع بين ثلاث شخصيات نافذة في عالم الموسيقى والتلفزيون آنذاك: وليد غلمية (1938 - 2011)، روميو لحود (1930)، ونجيب حنكش، كلّ واحد يُملي على العازف المبتدأ والموهوب ما يريد سماعه. لكن رغم خجله، يبدو مطر واثقاً من موهبته ومكانته بين هذه الشخصيات، ويقول لحنكش بكل فخر: “بحس أنا قبضاي، ما بخاف”.

قبل أن يبدأ العزف، يربت حنكش الزحلاوي على كتف مطر ويقول له بحزم: “من زحلة إنت”؟ يرد مطر بصوت خافت وابتسامة عريضة تحاول أن تخفي هروبه من الجواب: “نعم”. يضحك الجمهور العارف بعدم صحة هذه النسبة رغم إصرار حنكش على التأكيد على ما قاله بصوت عال: “نعم من زحلة”، ليخفي حقيقة أصل مطر بطريقة أرادها فكاهية، ولكنّها جاءت محزنة بتأكيدها على تهميش كلّ من ليس من هنا. يلخّص هذا المشهد بالنسبة لي قصة مطر محمد.

من هو مطر محمد؟

المعلومات الدقيقة عن نشأته شحيحة، بعضها ينسب مولده لعائلة من الغجر العرب من تل كلخ السورية، حمص أو سهل البقاع. في المقابلة الوحيدة الموجودة له على الإنترنت، والتي أجرتها سونيا بيروتي سنة 1973، يؤكد مطر على أنّ العائلة في سوريا. رغم قضائه أكثر من ثلاثين عاماً في لبنان، لم يحصل مطر على الجنسية اللبنانية إلّا ثلاثة أعوام قبل مماته، عام 1995، مع باقي عشائر وادي خالد (حسب تقرير لتلفزيون المستقبل).

ترك مطر عائلته ابن عشر سنوات، ليعمل في لبنان بأشغال “شاقة” مختلفة على حد قوله. لقاؤه بالصدفة بالفنان السوري البدوي أبو حربة، مكّنه من دخول هيئة الإذاعة البريطانية، والمشاركة في برامجها الموسيقية العربية خلال الستينيات، ليعود ويتوجّه الى الإذاعة اللبنانية ويحظى بإعجاب توفيق الباشا ومحيي الدين سلام.

لمع اسمه في مسرحيات روميو لحود، وسافر إلى أوروبا ليحيي حفلات لاقت نجاحاً باهراً. عزف لاحقاً منفرداً وإلى جانب العديد من نجوم تلك الفترة، وألّف العديد من الأغاني لفنانين مختلفين، أهمّها “أخدوا الريح” لصباح و"فوق الخيل" لعصام رجي.

من بيئة فقيرة ومهمّشة استطاع مطر أن يشّق لنفسه طريقاً حافلاً، هو نفسه لم يكن يتوّقعه، سيوصله سريعاً إلى المسارح الأوروبية. ورغم النجاح الذي لاقاه هناك، لم ينبهر مطر بالعالم “الأجنبي”، وظلّ متمسكاً بروحه الشرقية. وعندما سألته سونيا بيروتي عمّا إذا كان قد عزف هناك موسيقى شرقية أو غربية، جاوبها مطر بكل ثقة: “شو أنا أجنبي؟ أنا رحت أعطيهم مش آخذ منهم!”.

في هذا العالم حيث تعتبر الموسيقى جزءاً أساسياً من الحياة اليومية، وتتناقل بالتوارث الشفهي، يتمسّك هؤلاء البدو العابرون في التاريخ والمكان في ترحالهم بالموسيقى، كأمثالنا نحن الذين لا منزل ثابتاً لنا، نتمسّك اليوم بالموسيقى لتذكّرنا بأماكننا المفقودة أينما حللنا.

رحلة البحث عن مطر محمد

أنهي مشاهدة هذه المقابلة وأكمل بحثي عن مطر. أقرأ مقالاً فوضوياً يتحدّث عن بداياته في مسرحية “أرضنا إلى الأبد” بمهرجانات بعلبك (1964) مع وديع الصافي وصباح، يذكر أنّه ظهر في الحلقة الأخيرة من مسلسل “ألو حياتي” (1974)، بطولة هند أبي اللمع وعبد المجيد مجذوب، حيث أبكى ليلى كرم والياس رزق، نجمي الحلقة. أبحث أولاً عن مسرحية أرضنا الى الأبد، وأسمعه في سولو قصير يقلّ عن الثلاثين ثانية (في الدقيقة 51:25). لا يشفي غليلي ما سمعته.

أبحث عن الحلقة الأخيرة لمسلسل “ألو حياتي”، ولكني لا أجده فيها. أعيد مشاهدة كل المسلسل بحثاً عن مطر بلا جدوى. ما الذي أغفله، لا أعلم. أضحك على هوسي بالبحث عن التفاصيل، وأشتم طارق ومقطوعته التي أجبرتني أن أبدأ هذه الرحلة الغريبة التي لا تنتهي، والتي لا تتوقف عن رميي في عوالم لا تمتّ لبعضها بصلة، كأن روح المقطوعة المضطرب والمتوتّر قد تملّكني ويستمتع بتشتيتي هنا وهناك. يخطر ببالي البحث عن مسلسل آخر جمع هند أبي اللمع وعبد المجيد مجذوب. أجد مسلسل “حول غرفتي” (1974)، وأبحث سريعاً عن الحلقة الأخيرة. أسرّع المحرك، وأجده هناك في الدقيقة 24:51.

أرى أصابعه أولاً تنقر البزق، اقفز من فرحي. وجدته، حاضناً بزقه، جالساً أمام الممثلين ليلى كرم والياس رزق المتأثرين بعزفه وغنائه الشجيين، يطلبان منه لحناً يبكي الحجر ويتشاجران. وهو بجانبهما هادئ، لا يتكلّم ولا يبتسم، يعزف فقط برشاقة ويغني بلهجة بدوية وحزينة عن الترحال والرحيل والسفر وحزن الفراق.

لم يخيّب أمالي هذا المقطع، فهو يجسّد مطر مثل ما أتخيّله: عازف بارع قليل الكلام، يعرف كيف يُمتع من حوله، لكنّه غريب ووحيد. هو البدوي الذي دخل عالماً ليس له بالأساس، ورغم النجاح الذي عرفه وتمكّنه من زرع مكان مميّز له، إلّا أنه بقي غريباً. كثرة الألحان التي سُرقت من مطر وقلّة خبرته بالدفاع عن إنتاجه هو خير دليل على إبداعه والظلم الذي لحق بهذا العازف. لكن عزفه وحضوره الحيوي ورشاقة ريشته أثبتوا وجوده، إذ كانت وما زالت تطرب وتشعل الحضور، مثلما أشعلت أبو العبد البيروتي ونصري شمس الدين ومن معهما في هذا الفيديو.


كثرة الألحان التي سُرقت من محمد مطر وقلّة خبرته بالدفاع عن إنتاجه هو خير دليل على إبداعه والظلم الذي لحق بهذا العازف. لكن عزفه وحضوره الحيوي ورشاقة ريشته أثبتوا وجوده

خاتمة

أقرر أن أوقف رحلتي المجنونة هذه، لكنني لن أنهي البحث عن مطر، فهذا سيبقى من الأبحاث المؤجلة التي لا تنتهي عندي. وصلت إلى مكان فهمت فيه أكثر طارق يمني ورغبته بتكريم مطر محمد، وعلاقته مع الترحال والبداوة والاقتلاع من الجذور، والتي أصبحت اليوم مسألة تعني الكثيرين الذين يتنقلون بين أماكن مختلفة، لسبب أو لآخر.

هناك ميل غريب يشدّك نحو هذا العازف الغامض والأنيق، وطريقة ارتجالاته المميّزة، والمكان الأصلي الذي أوجد فناناً كمطر. فطارق شدّه بمطر شعوره العميق بارتباطه بمكان لم يترعرع فيه: الصحراء وعالم البداوة والرحالة. في هذا العالم حيث تعتبر الموسيقى جزءاً أساسياً من الحياة اليومية، وتتناقل بالتوارث الشفهي، يتمسّك هؤلاء البدو العابرون في التاريخ والمكان في ترحالهم بالموسيقى، كأمثالنا نحن الذين لا منزل ثابتاً لنا، نتمسّك اليوم بالموسيقى لتذكّرنا بأماكننا المفقودة أينما حللنا.

عن موقع رصيف 22

حقوق النشر

تم نقل هذا المقال بهدف تربوي وبصفة غير تجارية بناء على ما جاء في الفقرة الثانية من الفقرة 5 من شروط استخدام موقع رصيف 22 الإلكتروني على الموقع الإلكتروني “رصيف 22” :

... علماً أن الموقع يحترم، بالقدر الذي نقتبس فيه المواد من حين لآخر من مصادر أخرى بغية دعم مختلف التفسيرات والمؤلفات الواردة في هذا السياق، حق الآخرين في “الاستخدام العادل” للمواد التي يتضمنها الموقع؛ وبناءً على ذلك، فإنه يجوز للمستخدم من حين لآخر، اقتباس واستخدام المواد الموجودة على الموقع الإلكتروني بما يتماشى مع مبادئ “الاستخدام العادل”.


عرّف بهذه الصفحة

Imprimer cette page (impression du contenu de la page)