مأوى الغياب، منصورة عز الدين (مصر)، مجموعة قصصية دار ممدوح عدوان، ودار سرد - 2018

, بقلم محمد بكري


جريدة المدن الألكترونيّة


جريدة المدن الألكترونيّة
السبت 07-04-2018
المدن - ثقافة
أميمة صبحي


"مأوى الغياب" لمنصورة عزالدين.. الكتابة كخطيئة أصلية


JPEG - 35.1 كيلوبايت
“كان جسدي، حروفي وحركاتي، لغتي وأنفاسي، متوناً متروكة للعابرين”


لنصوص المجموعة القصصية الثرية “مأوى الغياب” تعدد يضعك أمام تفسيرات مختلفة وقراءات متشعبة. اقتبست منصورة عز الدين في بداية المجموعة اقتباساً قصيراً من جاك دريدا، لكنه يلقي بضفافه على كل نصوص المجموعة، يقول: “ذلك أن إله الكتابة هو أيضا، وبتلقائية، إله الموت”.

هكذا تلعب الكاتبة مع الكلمات لعبة سردية ممتعة، تكتب ثم تنفض ما كتبته وتحيله إلى موت مؤقت، لتعيد إحياءه مرة أخرى في نص تالٍ. اللعبة هنا ليست ثنائية، بل ثلاثية الأبعاد. يتبدل اللغز الذي حاكته اللغة ما بين الجبل والغابة والبحر أو ما بين العناصر الأرض والماء والهواء في عالم تحكمه ربة الطلاسم وتؤطره الطبيعة. يبدأ العالم كتاريخنا. سديم يستحيل إلى ضباب يتكاثف على مهل وكائن ينفصل عنه شيء ما كأن نواة دقيقة هي جوهره قد هجرته. كبدايتنا عندما نتلمس طريقنا للتعارف على عالمنا الجديد ومحاولة نسج حروف لنكون كلمات تصلنا بالآخر.

لتحوت، إله الحكمة ومخترع الكتابة في الميثولوجيا الفرعونية، إهداء خاص وتمدد داخل قصص المجموعة الصادرة مؤخراً عن دارَي “سرد” و"ممدوح عدوان للنشر والتوزيع". تحوت الذي خلق نفسه بقوة اللغة، ترك أرق الكتابة والحكي خلفه. يقدم نفسه هنا كمنقذ من التماهي مع السراب والنسيان. على الرغم من مقاومة ربّة الطلاسم وإقامتها صرحاً بطريقة مخالفة له: “فاللغة قناع، والكلمات فخاخ، والمسميات خديعة”، لكننا نعود للعبة التفكيك مرة أخرى وإحالة كل هذا للموت وعملية الميلاد من جديد. إلا انك ستتمكن من الرؤية شرط أن تكون غريبا “سيجود الحجر بأسراره على الأكثر غفلة عن كل مميزاته، على من سيبقى غريباً أينما حل، فوحده الغريب يقدر على الرؤية”.

تقرأ “مأوى الغياب” بروح لاهثة، لكنك لن تصل إلى اليقين على طول الكلمات، وكأن الكتابة هي الخطيئة الأولى، وما تلاها هو محاولة تصحيح وطلب الغفران. فالزمن سائل لا يمكنك القبض عليه “لم أدرك ما الزمن، كما لم أعرف من أين واتتني هذه المفردة”. نسير ونسير مع الشكوك ولا نصل لأصل الأشياء. شخصيات بلا أسماء، تبحث عن كينونتها وأصلها في أعمق ما قد تصل إليه، فتحيل هواجسها إلى العناصر الأولية التي كونتنا وشكلت ماهيتنا. تبدو لي كقصة الإنسان منذ بدء الخليقة وتصوير عذاباته وانتقالاته بين حالات متعددة ومتشعبة قد تختلط بروحه ذاتها. فيبدو العالم وكأنه اختراع طازج اخترع للتو داخل عقل كاتب يجتهد ليجد الكلمات المناسبة. سماء تظهر وتختفي وصخرة معلقة في الهواء يتسرب منها شلالات تخيف بحارة عابرين على حافة العالم، تتجسد لهم أينما اتجهوا وحين يئسوا قرروا الاتجاه نحوها متوقعين أنهم هالكون، لكنهم فوجئوا بأنها وهم وعبروا من خلاله كما يعبرون بهواء. تقول منصورة “كلما صعدت للأعلى غامت رؤيتي للعالم. خيل إلى أن الأبعاد والظواهر الجغرافية يعاد تشكيلها. فالبحر في الأسفل ليس هو البحر، والغابة ليست بغابة، والسماء تختلف عن كل تخيل ممكن لها”. كلما اقتربت، ابتعدت، في مطاردة لسراب لن تصل إليه أبدا.

يتملكنا هاجس المراقبة على طول المجموعة. فالشخصيات مراقبة كما إنهم يتلصصون على بعضهم البعض وعلى أنفسهم “أشعر أن هناك من يراقبني، من يقترب مني” أو “أكثر ما يضايقني إحساسي أنها تراقبني وتعد عليّ أنفاسي”. كما أنهم يراقبون محيطهم فيجدون جلبة غير مرئية لا يمكن تحديد كنهها ولا مركز انبعاثها. تتلاشى الطرق والمدن من خلفهم على الرغم من اتخاذهم لها سبلا للوصول لبقعة معينة. فتتقلص العوالم في زئبقية غامضة.

تتفتح مغاليق السرد قرب النهاية كاشفة عن قطع اللغز الذي جمعت الكاتبة أجزاءه على طول المجموعة. في قصة “لا فريسة ولا صياد” تقول الشخصية “كانت كل قطع اللغز مفرودة أمامي وفي متناول يدي ومع هذا فاتتني الخلاصة البديهية الكفيلة بأن تقودني إلى سري الغائب عني”. حيرتها وراء كينونتها خيلت لها أن البنايات طافية في الهواء لا راسخة فوق الأرض، فاعتقدت أنها أوهام بصرية. تبحث عن صورتها الحقيقية في انعكاسات الجداول والأنهار، لكنها تجد وجهها يرمقها من الأسفل فتفكر في إلقاء حجر ليختفي وجهها خلف دوامات المياه المتحركة وتتأكد إنها الأصل وليس انعكاسا.

تتلاعب ربة الطلاسم بذاكرتها كأنها تلهو ككل الآلهة العاطلين عن العمل فترى نفسها امرأة فوق جبل أو رجلاً تائهاً داخل غابة أو مبحراً في سفينة. حتى تفيق من نوم عميق أو موت مؤقت، يُعاد ميلادها من جديد في ظل تجويف حجري وهاجسها الأوحد هو الهبوط إلى سفح الجبل. إنها النهر حيث بدأت الحياة وحيث ستنتهي.

وتواصل الكاتبة لعبتها الجادة المحرضة على القراءة في “من خشب وهلاوس”، تقول الشخصية “كنت أقطع الأشجار حين داهمني ذلك الشعور لأول مرة... شعرت أنني مخلوق من الخشب”. هكذا يمارس رجل فعلاً اعتيادياً ربما مارسه بشكل يومي منذ الأزل لكنه نفذ لعمق روحه واستطاع الولوج للرائحة الطازجة الفاتنة، فشعر أخيرا أنه في موطنه. على عكس العنصر المائي، هنا الذاكرة حاضرة رغم قدمها. شجرة عجوز ترمز إلى الأرض ذاتها، الأم التي تطعم وتهتم بالبشر، فيقدم الطعام والشراب لرفيقيه قبل اختفائهما. كما يتذكر كل شيء، القصف، القنابل، والانفجارات المتتالية والزلازل. مسكون بأنقاض وصرخات فزع وجثث ملقاة في الشوارع.

يتحد مع تحوت ويغرق نفسه فيه. ويستعيض عن فقدان صوته بالتدوين فيخط آلاف الكلمات في اليوم بلغة اخترعها بنفسه ويسجل على جسده التاريخ. واقفا يتأمل أفقاً لا يبوح بشيء وسماء غائمة على الدوام “لم يعد الدوار يضايقني، تأقلمت معه”. يقول “ما أكتبه يخيفني لأنه يثبت كل ما رأيت من أهوال، يحييه ويكرره بلا نهاية... أتذكر الشوارع الخاوية والبيوت المهدمة وآثار الحريق على المباني العامة. في الأيام الأولى كان المشهد صاعقاً ثم بدأت اعتاد عليه بحيث تكاد الحياة السابقة عليه تخبو من ذاكرتي وكلما أنطفأت، ازدهر الخراب بداخلي”. لكن حتى تلك الشجرة العجوز الصلبة لا تصل أبدا لليقين وتتشكك فيما تراه، تتساءل أهو الصواب؟ وكيف تعرف أن رؤيتها للواقع هي الأقرب للحقيقة والجوهر؟

وفي “طلسم أخير” تستمر ربة الطلاسم في خداعنا. تتلون وتغير ماهيتها فتقول إنها اختارت الحجر لكنها أقرب إلى اللامرئية، تضيف “كان جسدي حروفي وحركاتي لغتي وأنفاسي متونا متروكة للعابرين... كنت فكرة خطرت للحجر وتسربت منه إلى العالم المحيط به”. تنفتح على براح الكون ولا تكف رأسها عن الدوار عندما تشعر بالقيد. فراغ لكنها ليست فارغة إنما مليئة بالحياة. تخاف من قصف ما، وتجري في الدهاليز مختبئة وتخاف من فئران تشاركها وتنقل المخطوطات والوثائق المهمة إلى القبو.

تقول إنها تحب السيرك والسحرة وقد تحولت هي نفسها إلى ساحرة ربما اخفت كتاب “ألواح الزمرد” المنسوب لتحوت داخل متونها. كانت تنبهر بألاعيب السحرة وما أن تبدأ فقرة الساحر تتماهى معها بكيانها كله، ويسلب لبها سحر إخفاء الخداع كما صارت تجيده تماما. وتحيل كل هذا الدمار للساحر الذي استطاع قراءة عقلها وعرف إنها كتبت “ربة الطلاسم” في ورقة اخفتها عنه. “خيل إلي أنني لو نجحت في تضليل الساحر لما تمكن أحد اقرانه من إخفاء عالمي القديم... منذ ليلة الغارات رفضت سكنى البيوت، وتواءمت مع العراء”. “ارتحلت مع الريح على طريق مهجور... لبرهة شعرت بالتحرر من أسر الحجر. عدت أثيرية من جديد”.

إنها صاحبة الألف وجه، ربما تكون الشخصية الوحيدة التي تعرف منذ البداية كينونتها وتتلاعب بها وتتلون وتقدم السراب للعالم بخبث لتستمتع بالهواجس والشكوك التي تدور حوله. إنها الربة المعاقَبة المنفية التي لا تعبأ بشيء ولا تكترث للذاكرة. رفضت التدوين والكتابة ولم تنحن لتحوت. ربما ذهب عقلها خلال انتظارها بين الصخور وركودها في الطرقات الترابية بين بساتين الفاكهة، تقول إنها والنار شيء واحد وتغرق في الهلاوس والأسى. فقدت إحساسها بالاتجاهات وتعطلت بوصلتها الداخلية، لكنها لا تكف عن هدم بنائها وإعادة البناء في صيرورة دائمة وتعدد لا نهائي “بحيث أبدو كمهلوسة تنقض ما سبق وغزلته، كملتاثة سحبت العالم معها إلى مستنقعات الجنون”.

الثلاثة تائهون بطرق مختلفة، تسيطر عليهم الهلاوس ولا يقتربون إلا ليبتعدوا من جديد. وكأن الغرق في الفوضى هو الطريق الأمثل للتعرف على ذواتنا والاستمرار في المزيد منها؛ “كنا في حاجة إلى التيه كي نعرف، والآن وقد فعلنا، لن يفيد الانتقال من مكان لآخر، فكل الأماكن سواء”.

عن موقع جريدة المدن الألكترونيّة

حقوق النشر

محتويات هذه الجريدة محميّة تحت رخصة المشاع الإبداعي ( يسمح بنقل ايّ مادة منشورة على صفحات الجريدة على أن يتم ّ نسبها إلى “جريدة المدن الألكترونيّة” - يـُحظر القيام بأيّ تعديل ، تغيير أو تحوير عند النقل و يحظـّر استخدام ايّ من المواد لأيّة غايات تجارية - ) لمزيد من المعلومات عن حقوق النشر تحت رخص المشاع الإبداعي، انقر هنا.



جريدة الحياة


الإثنين، ١٢ مارس/ آذار ٢٠١٨
جريدة الحياة
محمد سمير عبد السلام


«مأوى الغياب» لمنصورة عز الدين... استنزاف بنية النص


تتضاعف الفضاءات التصويرية، والعلامات في المتوالية القصصية «مأوى الغياب» (دار ممدوح عدوان، ودار سرد) للكاتبة المصرية منصورة عز الدين، فالنص السردي هنا يستنزف بنيته الذاتية، وينتقل إلى الكتابة بمدلولها الواسع، ويحمل الإشارات إلى بكارة تشكل الكتابة الأولى في رمزية استعادة تحوت، ثم يحتفي بإشارات التحول، والصيرورة الإبداعية للعلامات في خطاب شخصية ربة الطلاسم، فالكتابة هنا تشبه ديناميكية الحياة، والآثار الجمالية للوجود، والغياب، من دون مركز.

تومئ الساردة إلى عالم تصويري افتراضي يجمع الكتاب، وبعض شخصياتهم الفنية، مثل بورخيس، وكافكا، وكالفينو، وكأن مثل هذه العوالم الجمالية الاستعارية، تمهد لتجاوز مدلول الخصوصية في الكتابة، وتنتقل إلى المستوى الكوني/ الجمالي في ما وراء الإدراك الذاتي للنفس، والعالم. وكأن هوية الساردة ستصير قيد لعبة حلمية في تداعيات الكتابة، واتساع مجالها الرمزي والتصويري في آن. وتذكرنا تلك العوالم الافتراضية الأولى بتضاعف النسخ في مكتبة بابل عند بورخيس، ومراوحتها بين المحدود، واللانهائي، أو السرمدي. وإن كان تضاعف العلامات عند منصورة عز الدين، يسعى إلى تفكيك بنية الغياب من داخل لعبة الكتابة، وصيرورتها، والتباسها السحري بالتشكيلات، والرموز التي يتداخل فيها الشخصي باللاشخصي والكوني. هل تبدو الكتابة هنا انشقاقاً مستمراً عن الأصل؟ أم عن مركزية تصور البدايات؟ إنها تبدو مثل لعبة أنثوية، تقوم على أخيلة المياه، ومقاومتها للتحديد، وهي تتجلى كتموجات من المجالات الاستعارية الجزئية المتداخلة المتجاوزة للغياب من جهة، أو كحفر مستمر للأثر الجمالي، يأتي مصحوباً بمتعة مستمرة لبدايات ذات نهايات مؤجلة. فمقاومة النهايات –في النص– تتجلى كرد فعل لعبثية التدمير، وآليته في المشهد الأرضي الصاخب، وكأن استراتيجية التحول التصويري تكمن في العمق الدلالي لبنية الغياب نفسها. ويقوم النص أيضاً على لعبة تداخل الأصوات، وتعدديتها بين أخيلة كل من الأنا والآخر، فحضور الأنا قد يبدو كأثر جمالي نسبي في وعي الآخر، وأخيلته، ومن ثم يؤكد النص النزوع ما بعد الحداثي لتجاوز بنية الذات، والتباسها بالصور الحلمية، وبأخيلة الآخر/ المحتمل. وتقوم الرؤية السيميوطيقية للعالم الافتراضي الجديد –عند منصورة عز الدين– على التأثير الجمالي التأويلي لتشكيل/ المثلث، وحدوده الغابة، والجبل، وبحر الأخيلة. وتبدو مثل هذه العلامات الثلاث كمحاكاة ساخرة ما بعد حداثية لصخب العالم، والتعالي الروحي الصوفي، والصيرورة الإبداعية للأخيلة التي تقع بين وعي الذات، وما يتجاوزها. فالجبل يقترن بفراغ إبداعي متعال، والغابة تشير إلى وجود صاخب تمثيلي، أما البحر فيبدو افتراضياً، ويقع بين الوعي، وأخيلة العالم، وتجدد الكتابة الأولى في صيرورة لا نهائية محتملة.

وتومئ عتبة العنوان إلى التعددية الدلالية لبنية الغياب، فالمأوى الافتراضي الذي اقترن بعوالم الكتاب الخيالية، صار فضاء تصويرياً صاخباً في عمق الغياب، وأخيلة التدمير، وقد يشير إلى تجاوز الذاتي في الصور التأويلية المتخيلة المقاومة لمركزية الهوية، وخصوصيتها، فقد رأى السارد نفسه طفلاً يلعب بين جدران متهدمة، أو رجلاً يحفر، ويسوي الأرض ثم يعاود الحفر في العوالم الحلمية، وقد يرتبط الغياب بصيرورة الدوال، والتشكيلات التصويرية قبل تشكل المعنى، وربما في تجاوز المعنى نفسه في وفرة الصور، ولامركزية تشكلها، واستحالة تحديدها، أو تأويلها.

وتذكرنا مثل هذه الإشارات إلى التجسدات التصويرية بتصور دريدا الواسع عن الكتابة الأولى، وتجاوزها لمدلول اللغة، إذ يرى أننا كنا نطلق كلمة لغة على الفعل، والحركة، والفكر، والوعي، واللاوعي، والخبرة، والانفعال، ولكن نميل الآن أن نطلق كلمة كتابة على هذا كله، وعلى أشياء أخرى، فثمة كتابة أبجدية، ورمزية، وتصويرية، وموسيقية، ونحتية، ويؤكد أن المدلول يؤدي وظيفة الدال، ويقع من جديد في لعبة الإحالات. تتجاوز الكتابة –عند دريدا إذاً– النسق اللغوي، وتميل إلى الأداء الذي يقع في قلب الوجود، وصيرورته التمثيلية الرمزية المحتملة، ونسخه التي تقع في لعبة الدوال.

يتشكل العالم الافتراضي الخيالي للسارد من تكوين المثلث الذي يقع بين العالم الداخلي، والمجال الكوني، ورمزيته، والعالم الفني الجمالي. يقول السارد: «لاحظت أنني في بقعة مثلثة الشكل، أحد أضلاعها يستند إلى جبل شاهق، والضلع الثاني يقود إلى غابة ممتدة، وحين وصلتُ إلى حافة الضلع الثالث، اكتشفت أنه يطل على بحر خيالاتي الهائج» ص 28. ثم يومئ السارد إلى صخب الغابة، وذاكرتها الحديدية الكونية، وأثرها الباقي كوشم النار فيمن يهتم بأمرها أو يتجاهلها، بينما بدا البحر داخلياً، أو كتأويل أنثوي للوجود، واقترن الجبل بالفراغ المتعالي الروحي. ويتجلى الفضاء السيميائي الافتراضي للمثلث – في المتوالية بصورة تجمع بين الكثافة الرمزية الكونية، والتأويل الإبداعي الخيالي، أو الاستعاري للعالم، فالمثلث ينفتح بصورة دائرية على الداخل، ويرمز إلى ما يستنزف الداخل نفسه باتجاه الكوني الفسيح، وباتجاه العمق الكامن في صيرورة الكتابة الأولى، وكأنه مثلث إبداعي يتشكل دائماً من تموجات المياه الخيالية، ومن صخب الفراغ، وأطياف الفن.

هكذا تتضمن رمزية المثلث –عند كاندنسكي– ديناميكية، وتناقضاً إبداعياً داخلياً، وهو ما يؤكد تأويلاته المائية الخيالية عند منصورة عز الدين، وهو –في المتوالية– يجمع بين الاتساع الكوني، والرمزية المجردة التي تستعصي على التحديد، والاختزال.

يبدو الكون كله مائياً في وعي السارد، ويتداخل في تموجاته الجسد، والفراغ، والعلامات الكونية، ويذكرنا بطاقة الأنيما الأنثوية عند باشلار، إذ يشير في شاعرية أحلام اليقظة إلى نفورها من الحوادث، واتصالها بالتأملات الشاردة للمياه بخاصة. يربط باشلار إذاً بين طاقة التأملات في حلم اليقظة، وأخيلة المياه الأنثوية، وسنجد أن التأملات الإبداعية الشاردة في كتابة منصورة عز الدين صارت تحمل صخب الصيرورة الكونية، وتضاعفها الاستعاري المحتمل بين الفضاءات الداخلية، ودينامية مفاهيم الوجود، والحياة، والموت، والغياب، والانتشار الإبداعي المستمر للعلامات، والأصوات، والشخصيات الفنية معاً، فالكون أصبح مجموعة تموجات تقاوم التحديد الزماني، وتعيد تشكيله فنياً، ويؤكد هذا التصور توحد المجالات التشكيلية بين السارد، والتجسد الجمالي لتصميم القلعة، إذ شعر بدهاليزها، ونوافذها في عالمه الداخلي، لقد صار تكوين الذات سوريالياً مرناً، أو صار كتأمل في حلم يقظة استبدالي، ومن ثم صار الجسد نوعاً من الكتابة التشكيلية التصويرية المعمارية، فالتجسد يموج كمادة قيد التحول الإبداعي المستمر.

تقوم متوالية «مأوى الغياب» على مواصلة التجريب في بنية الصوت السردي، وفي تعددية الخطاب، وتداخلاته بين الشخصيات التي تقع بين عالمي الأنا، والآخر، كما يرتكز الخطاب على التجريب في التبئير الداخلي المتنوع وفق تعبير جينيت، إذ نعاين مجموعة من الأصوات التي تتصل بأصوات أخرى مكملة، أو مخيلة لأساطير، أو شخصيات إبداعية وليدة الرؤى الإنتاجية في تداعيات الكتابة، مثل صوت سارد/ كاتب يعايش عوالم افتراضية للنصوص، والكتاب، وصوت الأنثى التي تعاين عبثية التدمير، وبزوغ عوالم الكتابة الاستعارية في المشهد الكوني، ونعاين صوتا تمثيلياً متخيلاً لـ «تحوت»، أو إعادة تشكيل لصوته الاستعاري في زمن آخر، ثم يتجلى صوت «ربة الطلاسم» التي تبدو مكملاً مختلفاً لـ «تحوت»، ويرتكز خطابها على الصيرورة الإبداعية للدوال، وتجاوز المنطق المحدود، والانفتاح على معرفة غنوصية مثلما تحدثت عن رؤيتها لذاتيتها التي تقع بين الأسطورة، وتحولات الكتابة، وانشقاقها المستمر عن المدلول الأول، باتجاه انفتاح الصور، والتأملات التصويرية.

عن موقع جريدة الحياة

جريدة الحياة

“الحياة” صحيفة يومية سياسية عربية دولية مستقلة. هكذا اختارها مؤسسها كامل مروة منذ صدور عددها الأول في بيروت 28 كانون الثاني (يناير) 1946، (25 صفر 1365هـ). وهو الخط الذي أكده ناشرها مذ عاودت صدورها عام1988.

منذ عهدها الأول كانت “الحياة” سبّاقة في التجديد شكلاً ومضموناً وتجربة مهنية صحافية. وفي تجدّدها الحديث سارعت إلى الأخذ بمستجدات العصر وتقنيات الاتصال. وكرست المزاوجة الفريدة بين نقل الأخبار وكشفها وبين الرأي الحر والرصين. والهاجس دائماً التزام عربي منفتح واندماج في العصر من دون ذوبان.

اختارت “الحياة” لندن مقراً رئيساً، وفيه تستقبل أخبار كل العالم عبر شبكة باهرة من المراسلين، ومنه تنطلق عبر الأقمار الاصطناعية لتطبع في مدن عربية وأجنبية عدة.

تميزت “الحياة” منذ عودتها إلى الصدور في تشرين الأول (أكتوبر) 1988 بالتنوع والتخصّص. ففي عصر انفجار المعلومات لم يعد المفهوم التقليدي للعمل الصحافي راوياً لظمأ قارئ متطلب، ولم يعد القبول بالقليل والعام كافياً للتجاوب مع قارئ زمن الفضائيات والإنترنت. ولأن الوقت أصبح أكثر قيمة وأسرع وتيرة، تأقلمت “الحياة” وكتابها ومراسلوها مع النمط الجديد. فصارت أخبارها أكثر مباشرة ومواضيعها أقصر وأقرب إلى التناول، وكان شكل “الحياة” رشيقاً مذ خرجت بحلتها الجديدة.

باختصار، تقدم “الحياة” نموذجاً عصرياً للصحافة المكتوبة، أنيقاً لكنه في متناول الجميع. هو زوّادة النخبة في مراكز القرار والمكاتب والدواوين والبيوت، لكنه رفيق الجميع نساء ورجالاً وشباباً، فكل واحد يجد فيه ما يمكن أن يفيد أو يعبّر عن رأيٍ أو شعورٍ أو يتوقع توجهات.


عرّف بهذه الصفحة

Imprimer cette page (impression du contenu de la page)