تاريخ آخر لمصر.. نوافذ جديدة للكاتب المصري محمد عفيفي مؤسسة “بتانة” للنشر في القاهرة - 2019

, بقلم محمد بكري


جريدة المدن الألكترونيّة


جريدة المدن الألكترونيّة
الإثنين 16-12-2019
الصفحة : ثقافة
وجدي الكومي - كاتب مصري


"تاريخ آخر لمصر"..هدم كهنوت الوثيقة المكتوبة بالأغاني والسينما والأدب


JPEG - 35.5 كيلوبايت
في فيلم “غرام وانتقام”، غنّت أسمهان أوبريت “مواكب العز”، وحذفه ضباط يوليو كونه يمجّد الملك فاروق


يغامر الأستاذ الجامعي المصري، محمد عفيفي، بالطعن في الوثيقة التاريخية وقداستها في كتابه الأحدث "تاريخ آخر لمصر.. نوافذ جديدة"(*) وإزاحة ركام التحوط والتقديس لأدوات المؤرخين التقليدية في التأريخ للمجتمع، واستبدالها بأدوات جديدة، كالسينما، والأغاني، والأعمال الروائية والأدبية، والأمثال الشعبية الفولكورية، وغيرها.

المثير للإعجاب في هذه المغامرة، أن صاحبها هو أحد أعمدة هذا المعبد الهائل الذي ينوي تقويضه بدعوته لهذه الثورة. فمؤلف الكتاب، محمد عفيفي، أستاذ التاريخ الحديث والمعاصر، شغل في السابق منصب الأمين العام للمجلس الأعلى للثقافة، وكان دخوله قسم التاريخ وحبه له، قد تكوّن مع قراءته فصول من التاريخ الاجتماعي للقاهرة العثمانية لمؤلفه أندريه ريمون، وكان الكتاب عبارة عن مقالات جمعها زهير الشايب، وترجمها، واختار لها هذا العنوان. وكان منهج الدراسة قد سحر محمد عفيفي، إذ وجد للمرة الأولى دراسة عن أحياء الأغنياء وأحياء الفقراء، وعن السقائين، والحمّامات العامة، وهو ما مثل بالنسبة إليه فتحاً جديداً في عالم التاريخ.

ويلفت عفيفي في مستهل الكتاب، كيف تقوضت جهود تجديد الدراسات التاريخية في مصر، بسبب إعارات الأساتذة إلى الخليج لسنوات، وفتح العديد من الجامعات الإقليمية، وقلة البعثات الخارجية، لافتاً إلى أن كتابه هذا هو محاولة لكسر الكهنوت الذي فُرض على الدراسات التاريخية الذي خطف التاريخ من الناس.. وخصصه للحكام.

كان لانبهار المؤرخين زملاء عفيفي، الذين رأوا سعد زغلول لمدة دقيقة في فيلم لمحمد القليوبي، أثر في نفسه، إذ أدرك ساعتها أن المؤرخين الذين يتحدثون عن سعد من دون أن يروه، بحاجة لتجديد أساليبهم، والاستعانة بأدوات أخرى كالسينما والروايات.

يُعرّف عفيفي مصطلح “المصدر التاريخي” ويشرحه لقارئه العادي بأنه ما اعتاد المؤرخون استخدامه من وثائق مكتوبة. إذ يعتمد هؤلاء على أن معرفة الإنسان بالكتابة هي بداية التاريخ، لكنهم مع ذلك يستعينون أيضاً بأشياء أخرى غير مكتوبة ويدخلونها في تصنيف “المصدر التاريخي”، مثل الأدوات الحجرية، أو المعدنية، أو النقوش الحجرية. ويستهجن عفيفي القداسة التي منحها المؤرخون للمكتوب، وتحولهم إلى عبَدة للوثيقة، لافتاً إلى أن المؤرخ القديم كان أكثر منطقية من المؤرخ الحديث، وأكثر تحرراً في التعامل مع المصادر التاريخية، كآثار القصور والحصون والمنازل وشواهد القبور وحتى الملابس والعملات.

ويضرب عفيفي المثل بثلاثية نجيب محفوظ “بين القصرين، قصر الشوق، والسكرية”، ليُظهر كيفية اعتماد المؤرخ المُجدّد على هذه الرواية خلال دراساته التاريخية. إذ يقدم محفوظ في “بين القصرين” شواهد حية وإجابات شافية عن موقف قطاعات عريضة من المصريين من الحرب العالمية الأولى، وكيف وقف المثقفون المصريون إلى جانب الحلفاء رغبة منهم في طلب الاستقلال من إنكلترا، لكن محفوظ يقدم أيضاً صورة واقعية أخرى لتعاطف القطاعات الشعبية وطلاب المدارس مع دول الوسط ضد الحلفاء، لأن بريطانيا نفسها هي المحتلة للبلاد منذ 1882.

وتشكل ثلاثية محفوظ أيضاً، وثيقة تاريخية على حال المجتمع المصري واستقباله مثلاً لنظرية التطور لدارون، وهذا حدث تاريخي أثّر في مختلف المجتمعات الغربية وبالتأكيد له التأثير المغاير في مجتمع شرقي مسلم، وهي الرواية نفسها التي يمكننا منها أن نعرف تاريخ الأقباط الحديث، من خلال شخصية “رياض قلدس”، المثقف القبطي العلماني الذي يعبّر عن مشاعر الأقباط، حينما أزيح مكرم عبيد، السياسي البارز والابن البار لسعد زغلول. إذ يقول محفوظ على لسان رياض قلدس: “لقد شعر الأقباط بأنهم طُردوا من الوفد، حينما خرج مكرم منه”.

ويستعمل عفيفي روايتين لفتحي غانم ونعيم صبري، للتأريخ والتوثيق لأحياء ومناطق في العاصمة المصرية، وهما “بنت من شبرا” للأول، و"شبرا" للثاني، لافتاً إلى أن الروائيَين استخدما في كتابيهما أوضاع مصر وتنوعها الاجتماعي وتعددها ليدلّا على التسامح والتعايش بين أطياف المصريين والأجانب. فرسم فتحي غانم صور وأحلام الجالية الإيطالية في شبرا المنحازة إلى موسوليني. ثم يقدم نعيم صبري صورة عن الحي العتيق خلال الخمسينيات، وقد هجره الأجانب، كما فعلوا في كل مكان في مصر، وكيف فُقدت قيم التسامح والتعايش التي كانت موجودة من قبل.

وفي الفصل الذي يخصصه عفيفي عن الموسيقى بوصفها مصدراً صالحاً للتأريخ، يطعن في أهم وثيقة مكتوبة عن تاريخ مصر، وهو كتاب “وصف مصر” الذي وضعه علماء الحملة الفرنسية. إذ يشير عفيفي إلى التضارب الذي وقع فيه مؤرخو الحملة في هذا الكتاب بينما يهاجمون الموسيقى الشرقية المصرية، ثم بعد ذلك يعيدون النظر في نظرتهم الاستعلائية لهذه الموسيقى، ويقدرونها ويتفهمونها. هكذا حوت الوثيقة المكتوبة نصوصاً متضاربة، يمكنها تضليل المؤرخ الجامد المتشبث بالوثيقة المكتوبة بدلاً من المصادر غير التقليدية الأخرى.

ويمضي عفيفي إلى طرح تاريخ آخر لمصر، قد لا يعرف البعض عنه شيئاً، لكننا صغاراً كنا نرى الأفلام القديمة التي تعود إلى عهد المَلكية، وقد تم التظليل في بعض المشاهد بالهباب الأسود على صورة الملك فاروق. ربما هذه الحركات الهزلية التي ارتكبها ضباط يوليو، يفسرها ما يورده عفيفي من وقائع محو عصر ثورة يوليو لكل الأعمال التي مجّدت الدولة العلية، والممتدحة لفاروق آخر ملوكها، ومن ذلك أوبريت “موكب العز” الذي غنته أسمهان، في فيلم يوسف وهبي “غرام وانتقام” والذي عُرض في العام 1944، وكتب الأوبريت أحمد رامي، ولحنه رياض السنباطي. يبرز عفيفي بهذه الواقعة، الصراع الذي دار بين عهد ضباط يوليو وبين عهد الملكية، على السينما، إذ كان الضباط، كنخبة حاكمة جديدة، يرون أن محو تاريخ فاروق وفؤاد لن يكتمل إلا بمحو الأفلام والأعمال الفنية التي تمجدهم.

وتحت تساؤل: متى يبدأ التاريخ.. يورد المؤلف وقائع الصراع الذي بدأته دولة يوليو على السينما، محاولة السيطرة عليها، واستغلالها لكتابة تاريخها الجديد. وهكذا، فإذا كانت النخبة الحاكمة الجديدة قد التفتت إلى السينما بوصفها أداة خطيرة لتوجيه الرأي وكتابة التاريخ.. فكيف يتجاهلها المؤرخون ويسقطونها من حساباتهم. يستعرض عفيفي عدداً من الأفلام السينمائية التي شهدها النصف الثاني من الأربعينيات، عبّدت كلها الطريق لثورة يوليو 1952، ومنها فيلم “لعبة الست” وكاتب قصته بديع خيري. ففيه نشاهد تصاعد أحداث الحرب العالمية الثانية، ونرى تخوّف كبار التجار اليهود من تقدم جيوش المحور من العلمين. يقدم الفيلم شخصية التاجر اليهودي، إيزاك عنبر (يؤدي دوره سليمان نجيب)، وهو الذي يكتب المتجر باسم العامل المصري البسيط ليهرب خوفاً من النازيين. ويكشف للمؤرخ أن هجرات اليهود الأولى من مصر، بدأت قبل مجيء عبد الناصر إلى الحكم، كإحدى تبعات الحرب العالمية الثانية. وفي الفيلم الآخر الذي يضرب به عفيفي المثل على أنه مهد الطريق للناس لتقبل يوليو، حينما التقى الثنائي نفسه.. الريحاني وخيري في فيلم “غزل البنات” ليسخرا من طبقة الباشوات، فالأستاذ حمام، ابن الطبقة الوسطى، هو الذي يصبح معبر النجاة لبنت الباشا كي تنجح وتتجاوز سقوطها المتكرر، ويأتي خلاص الباشا وابنته على يد الطبقة الوسطى الصغيرة، وفي النهاية يتزوج الضابط من ابنة الباشا.. الضباط يرثون السلطة من طبقة الباشاوات.

هناك تحليل عميق مدهش يقوم به محمد عفيفي، للأفلام السينمائية، إذ يقرأ التاريخ بين مشاهدها، ويقدم رؤى مغايرة، لم نقرأها من قبل، لسينمائيين مخضرمين، ولعل هذه هي الميزة الكبرى للكتاب. فمقالاته لا تجمع فقط بين أسانيده التي يسوقها مبرراً رغبته في هدم كهنوت المؤرخين المتمسكين بالوثيقة المكتوبة، بل تؤرخ موضوعات الكتاب أيضاً لصراع السلطة الحاكمة منذ عهد الملك فؤاد على السينما، ومحاولاتها استخدامها أيديولوجياً. فيحكي عن مجيء المخرج التركي وداد عرفي إلى مصر العام 1925، وهو الذي اشتهر بعد مشروعه لتصوير فيلم عن النبي محمد، راغباً في إخراج فيلم عن حياة محمد علي باشا الكبير، وتعثر الفيلم بسبب استقالة وزارة زيور باشا بعد فشلها في انتخابات 1926، وفي عهد فاروق وتحديدا مطلع الخمسينيات، يضغط لإخراج الفيلم، فتقرر الحكومة الوفدية آنذاك دعمه بما لا يتجاوز الألف جنيه، وهو مبلغ هزيل، بينما تقرر مبلغ عشرة آلاف جنيه مكافأة لأحسن ثلاثة أفلام سينمائية، بما يعكس أن حكومة الوفد الرشيدة رأن أنه من الأفضل إنفاق أموال الشعب على الأفلام الجيدة، وليس على أفلام الدعاية السياسية.

(*) صدر عن مؤسسة “بتانة” للنشر في القاهرة.

عن موقع جريدة المدن الألكترونيّة


حقوق النشر

محتويات هذه الجريدة محميّة تحت رخصة المشاع الإبداعي ( يسمح بنقل ايّ مادة منشورة على صفحات الجريدة على أن يتم ّ نسبها إلى “جريدة المدن الألكترونيّة” - يـُحظر القيام بأيّ تعديل ، تغيير أو تحوير عند النقل و يحظـّر استخدام ايّ من المواد لأيّة غايات تجارية - ) لمزيد من المعلومات عن حقوق النشر تحت رخص المشاع الإبداعي، انقر هنا.

عرّف بهذه الصفحة

Imprimer cette page (impression du contenu de la page)