الحب في زمن العولمة، صبحي فحماوي (الأردن)، رواية منشورات مؤسسة دار الهلال المصرية - 2006

, بقلم محمد بكري


جريدة رأي اليوم الإلكترونية


الإثنين 17 يونيو 2019
جريدة رأي اليوم الإلكترونية
ثقافة - راي اليوم
أ.د. مولاي مروان العلوي - جامعة شعيب الدكالي- المغرب


قناع العتبات في رواية ”الحب في زمن العولمة” لصبحي فحماوي


صدرت رواية “الحب في زمن العولمة “لصبحي فحماوي عن منشورات مؤسسة دار الهلال المصرية سنة 2006م، تناولت مجموعة من الموضوعات التي تتسم بالراهنية، والتي تدور حول العولمة. جعل الكاتب مكونات روايته محورا وصف فيه مظاهر الحب الطاغية في العالم المطبوع بطابع العولمة، فهو ليس حبا إنسانيا يكنه الإنسان للإنسان، بل هو حب مادي يكنه الإنسان للمادة أثّر بشكل كبير في تركيبة المنظومة القيمية للمجتمع العربي.

يقول صبحي فحماوي عن روايته: “في روايتي “الحب في زمن العولمة” التي كتبتها في عام 2000، تنبأت بهذه النهاية المحتومة للرأسمالية المتوحشة، التي اتضحت اليوم، وانكشفت بشاعاتها بثورات ما يسمى الربيع العربي، من خلال قصة حياة الملياردير (الشواوي) المصاب بالإيدز من أول صفحة في الرواية، وهو يهذي على سرير الموت، فيقص عليك قصة حياته المدهشة، وهو يمارس الأساليب التي تسلكها هذه الرأسمالية المتوحشة القائمة على (حرية) النهب والسلب، واستخدام كل الموبقات الإنسانية، والجنسية، وجرائم القتل “بحُرِّية تامة”، واللعب بشعوب العالم، ما يسمونه في مصر “الثلاث ورقات”، والاستهتار بتدمير البيئة التي نعيش عليها في هذه الأرض، التي لا يوجد مثلها في الكون كله.

“تحكي رواية (الحب في زمن العولمة) عن التغيرات التي طرأت على العالم بصفة عامة، والعالم العربي بصفة خاصة، سواء فيما يتعلق بالقيم أم بطريقة العيش.. ويتخذ في ذلك فضاء أسماه ب”مدينة العولمة”، وهي مدينة عربية غير محددة. يقول عنها صبحي في روايته:”ومدينة العولمة هذه ليست في مصر أو سوريا، أو الأردن أو فلسطين أو العراق أو المغرب العربي، أو بلاد الجزيرة العربية، ولا حتى في الصومال أو جيبوتي، بل هي واقعة داخل الحدود المشتركة لهذه الدول، في مساحة مستباحة..

وكان الشريكان سايكس وبيكو قد نسياها من التثبيت على أرض الواقع.. “.ويصفها في مكان آخر في روايته قائلا:”وبما أن العالم قرية صغيرة وأن هناك شيئاً اسمه العولمة، اختاروا مدينتنا المحايدة لتكون نموذجاً للعولمة، فاقترحوا علينا استبدال اسم مدينة البطين بمدينة العولمة”.ترصد الرواية بمنظور ساخر مظاهر كثيرة من حياتنا الفكرية والاجتماعية والاقتصادية، وتصف كيفية التحول من مجتمع البداوة إلى مجتمع العولمة، من خلال تركيزها على تفاصيل اليومي والمحسوس. ذلك اليومي الذي يمثل لمن يعيشه شيئا عاديا وبديهيا آلفه واستأنس به، قاربه الروائي من منظور خاص ورؤية نقدية تسائله وتطرح تناقضاته ومفارقاته الصارخة.

- استعارة العنوان: يمثل العنوان عتبة أساسية للولوج إلى النص؛ “فهو المنطلق والنص هدفه، وهو أداة سلطوية توجه فعل القراءة وتفتح آفاق التأويل، فضلا عن كونه مفتاحا يمكن من فك رموز النص، لذا يمثل العنوان هوية النص وحالته المدنية، إذ يقدم معلومات، في ضوئها، يتمكن المتلقي من توجيه قراءته للنص”. بيد أن العنوان في رواية “الحب في زمن العولمة” يخالف السائد ويتنافى مع وظائف العنوان كما تصورها ليو هوك، إذ يتنازل عن دوره في توجيه القارئ وإقحامه في دائرة الرواية وعالمها، ليجعله في دائرة التساؤل، وتبعا لذلك، ينتفي دوره في توفير مفاتيح القراءة والتأويل، ليضحي بنية تقبل تأويلات عديدة، قد تصل حد التناقض.

ويشكل نص الإهداء عتبة من عتبات الرواية، يعبر عن “الجانب الوجداني للكاتب في علاقته بشروط إبداعه وإنتاجه أكثر مما يتوجه إلى المتلقي أو الدارس”، بيد أن الإهداء في رواية “الحب في زمن العولمة” يخالف السائد ويكسر أفق التلقي. يقول صبحي فحماوي في نص إهدائه إلى ولده غسان: “إلى ولدي غسان، الذي سافر طفلاً إلى مدن العولمة”.ويكشف نص الإهداء في الرواية موضوع الدراسة عن جانبين من شخصية صبحي فحماوي: صبحي الأب، وصبحي الروائي، صبحي الأب الذي يخاطب ولده المسافر إلى مدن العولمة، وصبحي الروائي الذي يوظف تأسيه لحال ابنه لينقل إلى القارئ مأساة لا تتعلق بابنه حصرا، بل تمس الإنسان العربي الذي وجد نفسه محاصرا في مدن العولمة.

وبالتالي، انطلق صبحي الأب/الروائي من رثائه لحال ابنه في الإهداء إلى رثاء حال المدن العربية في متن الرواية.ويمكن أن نربط الإهداء بالعنوان، فكلاهما يشيران مباشرة إلى موضوع الرواية، فإذا كان العنوان يكشف، من خلال التناص، عن العلاقة الكائنة بين العولمة والكوليرا، بوصفهما وباء، فإن الإهداء يحيل من جهة على العنوان بتضمنه للفظة “العولمة”، ومن جهة ثانية، يشير الإهداء إلى شعور مزدوج لدى صبحي الأب/الروائي: الشعور بفقدان الابن في مدن العولمة، والشعور بفقدان تاريخ المدن العربية وحضارتها وذاكرتها جراء وباء العولمة.بناء على ذلك، يتضح أن نص الإهداء أصبح مدخلا إلى الرواية مثله مثل العتبات الأخرى، مزج فيه صبحي بين الوجداني والإبداعي وجعلهما في خدمة الرواية. فإشارته إلى مدن العولمة إشارة مباشرة إلى الرواية، سواء تعلق الأمر بالفضاء، أي مدينة العولمة، أم تعلق الأمر بموضوعها الذي يصف التحولات التي يعرفها العالم العربي جراء ظاهرة العولمة.

قناع التنويه: دأب بعض الروائيين إلى تضمين مقدمات رواياتهم بتنويه ينبهون فيه إلى عدم الربط بين مضمون الرواية وعالمها المتخيل من شخصيات وأفضية وأحداث وبين العالم الواقعي، وإن وُجد تشابه قائم بين العالمين فليس إلا محض صدفة.ولا يبتعد فحماوي كثيرا عن هذا العرف، بيد أن كيفية التعبير عنه مميزة وموضوعة في قالب قصصي؛ فهو لا يعبر عن عدم التشابه بصفة صريحة، بل يتجاوز ذلك إلى محاولة إقناع المتلقي بـأنه ليس إلا رسولا ومبلغا.

إذ يحكي صبحي في تنويهه عن الحكايات التي كانت أمه تحكيها له كل يوم قبل النوم، والتي دارت جلها حول جن أولاد سعيد، هؤلاء الجن الذين متى لبسوا الشخص كشفوا عنه الحجاب وبنوا له جسرا إلى عالم الغيبيات. يصفهم الروائي قائلا:”لماذا يتغيّر صوتها يا أمي؟ فقالت: عندما تجلس أمام الزُوّار، يركبها أولاد سعد الدين، ثم يبادرون بالحديث مع الزُّوار، فينطق سعد الدِّين من فم الحاجّة فاطمة، فنكاد نسمع صوت رجل، يخرج من فم المرأة الجاحظة العينين! وهي لا تدري ماذا يحصل! …. يبلغها أحد الزوّار، أنه قد فقد محفظته في أرض قرية جَبَع، فيقول له سعد الدين: محفظتك موجودة جانب صخرة، حولها ثلاث شجرات زيتون، والآن يقترب منها راعي أغنام، فاذهب إليها بسرعة، فإذا أخذها الراعي! فلقد أعذر من أنذر!” ويختتم تنويهه بالحكي عن لبسه من طرف أحد جن أولاد سعد الدين الذي انسل إلى مخيلته وتحكم بها، وأخذ يوحي إليه رواية “الحب في زمن العولمة” آمرا إياه بإطاعة أوامره ومباشرة كتابة ما يمليه عليه الجني. يقول في صبحي هذا الصدد: “. . . ليس هذا هو الموضوع، الموضوع الخطير، الذي أودّ أن أبلغكم عنه، هو أنني أشعر الآن، أن أحد أولاد سعد الدين قد ركب رأسي، وانسلّ إلى داخل مخيلتي، التي لا أعرف إذا كانت في تلافيف المخيخ الأيسر! أم في ثنايا المخيخ الأيمن! واستحكم هناك، وبدأ يسرُدُ من فمي حكايات، ويختلق شخصيّات كثيرة، لرواية لا أفهم عنها شيئاً!

قال لي: اكتب اسمها (الحب في زمن العولمة) وأنا في الحقيقة، خالي الذهن عن مضمون هذه الرواية! ولكن سعد الدِّين قال لي: أنت تكتب ما أمليه عليك، ولا علاقة لك بالموضوع، وما على الرسول إلاّ البلاغ !. . . . فأجبته كما تعودت أن أجيب زوجتي بلا مناقشة :- حاضر! وهكذا بدأ يأمرني، وأنا أطيع بالكتابة، فاعذروني إذا ما بدر من الجنِّ أية تفاهات، أو أخطاء، أو سهو، فقد جَلّ من لا يسهو!”يطرح هذا المقطع من التنويه العديد من الأسئلة المشروعة، من قبيل:ما هو هدف الروائيّ من التملص من مضمون روايته من خلال إسنادها إلى جني؟هل فعلا يريد التملص أم أنه تحايل؟هل ينبه الروائي إلى ضرورة التمييز بين واقعه ومضمون الرواية؟لنعد إلى وصف مضمون التنويه. ينقسم هذا التنويه إلى قسمين:قسم أول يحكي فيه صبحي عن واقع عاشه: حكايات أمه قبل النوم، معتقداتها الخرافية، الثقافة الشعبية السائدة في مجتمعه (الإيمان بقدرة الجن على كشف الحجاب).

قسم ثان يحكي فيه صبحي عن سياق كتابته لهذه الرواية، إذ يدعي أنها ليست من إنتاجه بل من إنتاج ساكنه الجني.يستبطن التنويه نيات الروائي الصريحة والضمنية، يستلهم من الواقع ما يبرر به تملصه من مسؤولية السرد وسلطته، حتى يصبح ادعاؤه مشروعا ومقبولا،وإذا ما أمِنَّا هذا التأويل، فيمكن أن نستنتج أن صبحي من خلال إحالته الضمنية على جني أولاد سعد الدين، يحيل على شيطان الشعر، وهو بذلك يضفي على روايته صبغة الإبداع التي كان يتصف بها شعراء الجاهلية، وهي صبغة خارقة وفوق-إنسانية، لا يتحلى بها إلا الفطاحلة من الشعراء، وبالتالي الفطاحلة من الروائيين.فضلا عما سبق، يهدف صبحي من خلال توظيفه لقناع الخيال في التنويه إلى دعوة القارئ إلى قراءة روايته قراءة تمزج بين الواقعي والتخييلي، الواقع الذي يمثل المنطلق، والتخييل الذي يمثل آلية لإعادة قراءة الواقع ومساءلته، وذلك ببناء عوالم ممكنة وفق منظور امبرتو ايكو، عبارة عن أبنية ثقافية غير منفصلة عن العالم الواقعي وخصائصه، تشابه في قوانينها وخصائصها خصائص العالم الواقعي، لكنه في الوقت نفسه، لا يطابقه، وبالتالي يمنح الروائي للقارئ الفرصة لبناء العوالم الممكنة بناء على إمكاناته المعرفية ومعرفته بالعالم وتجربته الشخصية.

وقد عزز صبحي هذه الدعوة بتوجهه مباشرة إلى القارئ من خلال قوله:”الموضوع الخطير، الذي أودّ أن أبلغكم عنه” الشيء الذي يبني علاقة تواصلية مع القارئ، ويُشعره جراء ذلك بأنه معني بهذا التوجه، دون اعتبار لقيود زمنية، أو مكانية، أو ثقافية.استثمر الروائي صبحي فحماوي العتبات في روايته استثمارا ذكيا مبنيا على هندسة معينة راسما كونا دلاليا منسجما، وهو مهندس الحدائق، حيث يسهم كل مكون من المكونات العتباتية في إضاءة مدخل من مداخل الرواية، وتمنح بعض الوسائل والمفاتيح التي تمكن القارئ من فك بعض شفراتها. إذ يتضح أن الروائي يدرك قيمة العتبات، لذلك نجده نهج استراتيجية واعية ومفكرا فيها مسبقا تنبني على توظيف العتبات في بناء المعنى وإغناء الرواية. وإذا كان الإهداء يضيء جانبا خارج نصا متعلقا بشخصية صبحي فحماوي الأب، وإذا كانت المقولات التقديمية تميط اللثام عن فلسفة صبحي ورؤيته للعالم، والتنويه يُسلح القارئ بمعطيات ترفع من حساسية تلقيه للرواية، فإن هذه العتبات تُكون كونا دلاليا منسجما في قالب هندسي تتعاضد فيه العتبات لتمنح للقارئ نفسا جديدا في قراءة الرواية.

عن موقع جريدة رأي اليوم الإلكترونية

من تقديم مؤسس ورئيس تحرير جريدة رأي اليوم الإلكترونية

سياستنا في هذه الصحيفة “رأي اليوم”، ان نكون مستقلين في زمن الاستقطابات الصحافية والاعلامية الصاخب، واول عناوين هذا الاستقلال هو تقليص المصاريف والنفقات، والتمسك بالمهنية العالية، والوقوف على مسافة واحدة من الجميع بقدر الامكان، والانحياز الى القارئ فقط واملاءاته، فنحن في منطقة ملتهبة، تخرج من حرب لتقع في اخرى، في ظل خطف لثورات الامل في التغيير الديمقراطي من قبل ثورات مضادة اعادت عقارب الساعة الى الوراء للأسف.

اخترنا اسم الصحيفة الذي يركز على “الرأي” ليس “تقليلا” من اهمية الخبر، وانما تعزيز له، ففي ظل الاحداث المتسارعة، وتصاعد عمليات التضليل والخداع من قبل مؤسسات عربية وعالمية جبارة تجسد قوى وامبراطوريات اعلامية كبرى، تبرخ على ميزانيات بمليارات الدولارات، رأينا ان هذه المرحلة تتطلب تركيزا اكبر على الرأي المستقل والتحليل المتعمق، وتسمية الامور باسمائها دون خوف.

لقراءة المزيد



جريدة رأي اليوم الإلكترونية


الثلاثاء 9 يوليو 2019
جريدة رأي اليوم الإلكترونية
ثقافة - راي اليوم
د. نور الدين الخديري - المغرب


العجائبية في رواية “الحب في زمن العولمة” لصبحي فحماوي


يحاول صبحي فحماوي من خلال روايته ” الحب في زمن العولمة” تصوير واقع عربي صريع للعولمة، لكنه يقدمه بعين ناقد ساخر، يتهكم على ما آلت إليه حالات وأحوال شخصياته التي رسمها بعناية فائقة لكي تشكل قوى فاعلة في مجرى أحداث روايته هذه، محاولا أن ينوع من أنماطها لكي تكون في مجملها هي هذا العالم العربي الذي نعيشه أو الذي ننتمي إليه، فالروائي استطاع حقا أن يقدم رؤية إبداعية من خلال هذا العمل، من حيث بناؤه وأسلوبه ومضامينه ومقصدياته وأبعاده الدلالية.

، ولعل الروائي الأردني صبحي فحماوي يعد واحدا من الروائيين العرب الذين استهواهم التجريب، ومن خلاله انفتح على آفاق الكتابة المغايرة التي تتوق إلى توثيق التجربة وتحصينها بفرادة فذة منفلتة من كل اجترار أو تأثر بالغير، وهذا ما لا يختلف فيه اثنان بخصوص ما راكمه من أعمال تمثل في مجملها صوتا روائيا تجريبيا لا يشبه إلا ذاته، ذلك لأنه يمتلك من المهارات والخبرات والمعارف ما يؤهله لكي يحظى بهذا التميز مقارنة مع غيره من الروائيين المجايلين له، فهو في العناوين التي أبدعها لحد الآن، كان يدرك أن الكتابة الإبداعية هي تجربة تستدعي التراكم، الذي يسير عليه المبدع بخطى يراد منها أن تؤسس لوعي إبداعي له حساسيته الخاصة، وله فلسفته الشخصية في بناء رؤيا روائية تجريبية جديدة ذات خط إبداعي خاص. ولعل هذا ما يورط المتلقي في دوامة الأسئلة القلقة التي بعدما أغوتها كتابات هذا المبدع، صارت تبحث في بنية هذه التجربة وفي طرائق وأساليب الكتابة لديها، وفي امتداداتها الإبداعية ومقصدياتها الاجتماعية والفكرية والثقافية التي تقدمها للمتلقي بأسلوب نقدي ساخر، وكأنها تهدم هذا الواقع لكي تعيد بناءه من جديد، كما أن كتابة هذا الروائي تنبني على اقتناص جزئيات الحياة العربية التي تقدم وجها حضاريا بشعا سقط في شرك الحياة العصرية التي استحوذت عليها الثقافة العالمية أو ما يسمى بعولمة الإنسان العربي، وتحنيطه في قالب غربي غريب عنه، وفي عالم مخالف ينسف كل ثقافة خاصة، ويهدم كل موروث فكري وثقافي عربي، في ظل ما يسمى بالمثاقفة.

لا يختلف اثنان في أن اللغة المتبناة من طرف الروائي صبحي فحماوي ليست بريئة ولا محايدة، فهي صانعة للأحداث والمواقف ومشكلة للتصور العام الذي تدور فيه الشخوص بتعدد أنماطها وحالاتها وتآلفها وصراعها، ذلك أنها لغة تعرية وكشف وفضح للواقع العربي، أو للزمن العولمي العربي الجديد، الذي لاشك أسهم في تشويه هوية الفرد العربي وانجر من خلال هذا الزمن إلى الاستهلاك المجاني الذي لا يحسن التفاعل مع هذا الوافد الثقافي الجديد، لأنه غريب عنه، ولأنه من صنع الآخر المسيطر على العالم، ” ومن هذا المنطلق صارت اللغة وعاء ينصهر فيه الشكل والمضمون لتنعكس هذه الصهارة في شكل مشاهد لغوية فسيفسائية جعلت الرواية تتلامح مع النص المسرحي ضمن تنوع يحلق بالقارئ بين عوالم متناقضة، الوعي واللاوعي، الواقعي والميتافيزيقي، الحقيقي والمجازي.. “

لقد جرب صبحي فحماوي طرائق جديدة في الكتابة، وأساليب جديدة مستمدة من هذه المتغيرات التي يعرفها العالم العربي في إطار علاقته بالغرب، محاولا أن يجعل من الكتابة الروائية مواكبة للمتغيرات التي يشهدها العالم، استجابة للمتغير الثقافي والمعرفي أيضا الذي بات يضطلع به القارئ العربي بصفة عامة.
هذا التجريب يمتح من الواقع العربي ومن تلك النقلة الحضارية القيسرية التي تحول فيها الفرد العربي من عالم البداوة والصفاء والتلقائية والحب الحقيقي الصادق (مدينة البطين) إلى عالم الحضارة والتمدن المبهر والمدهش والغريب الذي تلففه العولمة بانجرافاتها وعنفها وقيم الحب المزيفة التي تفرزها (مدينة العولمة) كما جاء في تلابيب هذه الرواية من خلال شخصيتها الرئيسة ” سائد الشواوي أبو سفيان”.

ثمة تنافرا ومفارقة كبرى ، ذلك أن المنطقة التي تسمى ب” البطين” لها خصوصيات البداوة التي لم تكن تعرف ملامح المدنية إلا بعد أن فرضت عليها فرضا فاستحالت إلى مدينة قائمة الذات تسمى بمدينة العولمة، فكيف تأتى للسارد أن يجمع بين عنصرين متناقضين لتشكيل فضاء آخر، خلف تداعيات مأساوية لشخوص الرواية وبخاصة شخصيتها الرئيسة “سائد الشواوي الملياردير الذي انتهى به المآل إلى الإصابة بداء فقدان المناعة” الإيدز”؟

هذه المدينة كرست للقلق الوجودي الذي ينتاب الفرد من جراء تلك النقلة الكبرى من عالم البداوة والأصالة إلى عالم الحضارة المعاصرة، حيث تحضر المتناقضات والعناصر المتنافرة، ومن ذلك ما نستشفه من قول ثريا بنت سائد الشواوي على لسان السارد” هل نجح العلم في تطوير الحياة، فتغلبت عليه أمراض العصر بتحقيق الموت؟

هل حققت الحياة للعالم كل هذه الصناعات والتجارة والطب والهندسة والعلوم والفنون فأتت الآخرة لهم بتلوث البيئة وثقب الأوزون لتدمر الأرض وما عليها؟”

كما نجد ما يستدعي طرح تساؤلات عديدة من قبيل: بأي منطق يفكر شخوص الرواية، هل بمنطقهم الخاص أم بمنطق السارد الذي يدفعهم دفعا إلى حافة السخرية والعبث واللامعقول وكل الأساليب التي توصل المرء إلى حد البكاء المضحك أو الضحك المبكي؟ فسائد الشواوي الشخص المأساوي أخبر من طرف طبيبه الخاص الألماني ” فريديريش” بأنه مصاب بالإيدز، في خضم انشغاله بمشروع بناء قصره الفخم الذي سيكون معلمة هامة بمدينة العولمة، فحدث المرض الذي يلزم الملياردير على ملازمة الفراش لم يمنع بقية أهله من الانشغال بمشروع بناء القصر، عوض الانكباب على محنته في محاولة للتخفيف منها” قامت أم سفيان وهاتفت أبو خلدون مدير المشروع: أرجوك . . أن تسرع في إنجاز القصر وخاصة جناح غرفة النوم الرئيسية، نريد أن يسكنها أبو سفيان خلال شهر من الآن- حاضر سيدتي! أجاب أبو خلدون الذي راح يحدث نفسه قائلا: أخشى أن يكون الرجل مودعا! وأنه قبل أن يودع فهو يريد أن يشعر أنه قد عاش في قصره، ولو لأيام أو لأشهر معدودات !” وما جدوى بناء القصر والموت يترصد للشواوي من كل جانب؟ تلك هي المأساة التي يعيشها الملياردير حين يتمسك بالحياة، ومن خلالها حبه لتملك (القصر) وغير القصر… أسئلة أخرى تثير الدهشة والغرابة؟ ذلك أن مدينة العولمة التي يأتي على قمة أعيانها سائد الشواوي وأهله، من المفروض أن تقفز إلى عالم حداثي معاصر، حيث يسود العلم وتنتشر الثقافة ويرقى الفكر العربي من خلالها، ومن ثم التناغم مع الحياة الجديدة بكل حالاتها وتطلعاتها، لكن المدينة تغيرت كفضاء أو لنقل كشكل، في حين ظل الفكر غارقا في الخرافة والمعتقدات البالية التي تعبر عن التخلف المعرفي والثقافي” بينما تتمشيان داخل المشروع (زوجة الشواوي ومهندسة المشروع) سمعتا صوت ردم ثم شاهدتا حجارة تتساقط من فوق… هرع الجميع إلى الخارج فشاهدوا جدارا من جدران الطابق الثالث قد انهار، وسقط معه معلم البناء… حملوه بسرعة في سيارة المقاول، وانطلقوا به إلى مستشفى الصحة، وهناك قالوا إنه قد مات… انهارت أم سفيان قائلة إنها العين التي لا تصلي على النبي !لا أفهم لماذا تطاردنا هذه القوى الخفية في هذا البناء الشقي..!”12

فإذا كان الإيمان بالعولمة أمرا مفروضا لا فكاك منه، فلماذا يظل الفكر العربي متمسكا بالبدع والخرافات والمعتقدات البالية؟ ” قالت الحاجة صفية ( والدة سائد الشواوي) لزوجة ابنها (أسمهان): الحسود لا يسود !… “اذبحي يا أسمهان خروفا على عتبة كل باب من أبواب القصر، فالدم يُرهب الأرواح الشريرة، ويُبعدها عن البيت”13 هذه المعتقدات التي لا يمكن أن تتعايش وتتناغم مع العولمة، إلا في هذا العالم الروائي لصبحي فحماوي، وكأني به يوجه نقدا لاذعا للبلاد العربية التي لم تستطع التخلص بعد من الفكر الخرافي المتجذر في موروثها الثقافي. لكن هذا الفكر لا تمثله كافة شخوص الرواية، بل ثمة من يتصدى لامتداداته وتداعياته عن طريق العلم ” فعلقت ثريا (الطالبة في علم النفس الاجتماعي) متضايقة: لا داعي لهذه الخرافات والمشاعر السوداوية، فنحن لم نسمع أصواتا، إنها أوهام يا أمي! حاولي أن تخرجي من الموضوع” …….. ومن المفارقات التي تسم الشخصية المأساوية في الرواية ما يمكن تسميته ب(غروتيسك الموقف) الذي أصبح يجسد له سائد الشواوي، هذا الذي كان قويا ويحسب له ألف حساب، أصبح ضحية الوباء الفتاك شخصا آخر فاقدا لكل هيبة أو رهبة” إذ صار يخاف ويرتعب ويتراجع… ذلك الرجل الذي لم يكن الخوف يعرف إليه طريقا، ولا يحسب لأحد حسابا! بدأ يتراجع ويتهاوى تحت ضربات الزمن”

في المساق نفسه استطاع فحماوي أن يجمع بين المتناقضات بشكل مدهش يحضر فيه الغروتيسك وتخيم عليه مشاعر الهجاء والنقد الساخر لهذا المجتمع العربي الذي فشل في ظل العولمة، ولم يستطع الإبقاء حتى على ما كان عليه من خصوصيات بعدما فقدها تحت ضغوط العولمة وانجرافاتها، لذلك تتسع الرقعة بين العالمين العربي المقلد، والغربي كنموذج يحتذى في الهيمنة ” ويبدو أن أثرياء العرب لا يزالون نائمين مضطجعين على أفخاذ الحسان الغواني… بينما العالم يركض بسرعة الضوء ليلحق بركب الأعمال والتقدم”16… ويسلط الروائي فحماوي نقده على الوضع العربي أثناء حلول المد العولمي ، كقوله:” صار العمل في القصر مثل جامعة الدول العربية، ولكن الجامعة هذه الأيام لا تهش ولا تنش، ويا خوفي أن يكون عملنا في المشروع مثل أعمال الجامعة مؤتمرات وجعجعة بلا طحن !”

لقد استطاع فحماوي أن يجعل من عنصر الزمن عنصرا سيكولوجيا عائما وزئبقيا لا تحده حدود، من خلال اعتماد الرواية على تقنيات حديثة كالاسترجاع والاستباق، مما يجعل الزمن دائريا، لا نعرف مبتداه ولا منتهاه، ولتجسيد هذه التقنيات عمد صاحب الرواية إلى جعل بطله الرئيس بعد معرفته بخبر إصابته بالإيدز، يعيش على الهذيان الذي يستحضر معه حوادث عجيبة وغريبة ومدهشة، قد تكون حقيقة أو خيالا، تتأرجح بين الوعي واللاوعي، والشعور واللاشعور،… “

” ارتفع صوت أبو سفيان في هذيانه وهو يقول كلاما موزونا وكلاما غير موزون، كلاما في الشرق وكلاما في الغرب، يخلط الحاضر بالماضي بالمستقبل يخرف خرافات أو يذكر حقائق من أيام زمان باختصار يهذي… “

لم يسلم سائد من ورطة الهذيان على الرغم من انتقاله إلى غرفته الجديدة بالقصر المعلمة، فقد ظل هاذيا” أبوسفيان ينام في غرفته الجديدة في القصر، كانوا قد فرشوها له بأثاث فخم… وكان ينام قليلا ثم يصحو !ويهذي كثيرا… دجاج !دجاج! عمارات! عمارات! عمارات! سيارات !سيارات! كلها متحركة باتجاه واحد… أنا لا أعرف كيف تسير العمارات وتتحرك… ” .. بناء عالم يتسم بالانفجار ويسوده الألم والحزن والانكسار النفسي والمواقف الحادة… ولعل مخلفات العولمة لا تقف عند حدود الأشخاص ومعاناتهم الاجتماعية والنفسية، بل تمتد أيضا إلى تأزيمهم عندما يصبحون ضحايا للهيمنة الاقتصادية من خلال الشركات الكبرى ” فأنت مثلا في شركة الدواجن تطرد عددا من موظفيك، يذهبون إلى الضمان الاجتماعي هم أحرار! وعندما يرتمون في الشارع بلا رواتب، فإنهم يجوعون، فيضطرون للعمل لديك بأية أجور منخفضة. “

ومدينة العولمة تزايدت مآسيها، إذ كلما كبرت وتمادت أطرافها، كلما تفاقمت هذه المآسي والأحزان، وكلما أصبح الفرد فيها مجرد رقم فاقد لكينونته وآدميته، وحلت محله الآلة الجشعة التي تقضي عليه بل تقتله وتستهدف منه الفقير والمحتاج والبسيط الذي قد يكون حلمه حلم طفل باحث عن لعبة في ركام أزبال” بقلوب يعتصرها الأسى، ننعي لكم وفاة الطفل عبد السميع سرحان، ابن الزبال الذي سبق وأن ظهر في صفحات هذه الرواية، والذي وافته المنية تحت عجلات شاحنة النفايات العملاقة، بينما كان يبحث عن لعبة بين نفايات حارة البلوط، والتي لم ينتبه سائقها وهو يرجع شاحنته إلى الوراء”

خروج الجسد عن أوضاعه الخاصة وإبراز حالات المسخ والتضخم والتعددية

من تجليات الغروتيسك كما جاء في هذا المحور، التشويه الذي يلحق بالجسد ” يقول أبو سفيان في هذيانه: الرئيس يجب أن يتعلم المراوغة، يجب أن يعرف كيف يتحول إلى أسد في لحظة! وفي لحظة إلى قرد يستطيع أن يكور ويقزم نفسه فيصير أرنبا! يجب أن يتعلم التلون! يجب ألا يكون ذا وجهين! يجب أن يكون ذا تسعة وتسعين وجها… !”

يشكل تشويه الجسد ركيزة هامة ضمن الركائز التي يعتمد عليها الغروتيسك، باعتباره الشكل الذي يحمل القيم والمواقف والحالات ” قال موظف الجمارك وهو رجل مكعب يجلس ملتصقا بمقعده، خلف طاولة مكتظة بالأوراق والملفات ورأسه الشبيه بشمامة ناضجة يلتصق مضغوطا بين كتفيه، وعيناه تتحركان يمينا ويسارا داخل محجريهما”

لقد استطاع صبحي فحماوي من خلال هذا الأثر الروائي أن يكون مبدعا له صوته الخاص في تكليم الواقع العربي وتعريته بأساليب لغوية ساخرة، تهكمية، هجائية، تتغيا إثارة وعينا لما يعيشه الراهن العربي ومعه الفرد العربي من تمزق فكري بالأساس، وما يتساوق معه من استلاب ثقافي واجتماعي واقتصادي وسياسي، من خلال روايته ” الحب في زمن العولمة”.

فالعنوان يظل مخادعا لأنه لا ينسحب على كل المضامين الفكرية والجمالية التي تشكل مقصدية المؤلف صبحي فحماوي، لكنه يظل في هذه الظرفية العولمية المفروضة على الواقع العربي، حيث تتشكل الأحداث وتتحرك الشخوص وتتضارب المواقف، لكنها تنتظم بخيط إبداعي يمسك بزمامها ويتمثل في عصر العولمة الذي تلاقح بشكل فجائي وصادم مع فضاء زمكاني عربي، يحدثه التقاء عنصرين متنافرين (قرية البطين/ مدينة العولمة) هذا التلاقح الذي لم يكن عقيما، لكن نجمت عنه ولادات مشوهة، غير سوية، ضالة، مست كافة الأصعدة: النفسية والاجتماعية والأخلاقية، والاقتصادية والثقافية وما ارتبط منها بمنظومة القيم التي فقد معها الفرد العربي آدميته، وتنازل فيها عن قيمه وما تبقى من مروءته، وانساق خلف النزوات والشهوات التي أفرزتها العولمة في منطقته العربية” البطين” فتم الانسلاخ من الأصالة والتلقائية والبساطة والحب الصادق العفوي، فكانت المأساة وانتشرت الاختلالات والأعطاب الاجتماعية والنفسية والاقتصادية، وعمت الفوضى ربوع مدينة العولمة، ففقدت الشخصية المحورية مناعتها باعتبارها ضحية لهذه العولمة وجعلت تتصارع مع الموت في محاولة لمغالبته، لأنها شخصية توثر الدنيا وتتمسك بالحياة وبحب التملك للمال والسلطة والجاه الذي يبقيها في القمة للسيطرة على الآخرين باعتبارهم عبيدا وخداما.

كما أن صبحي فحماوي استطاع أن ينسلخ من كل الضغوط في كتابته الدرامية لهذه الرواية، مما يؤشر إلى تحرر فكر هذا المبدع، عندما يهب لأحد أبناء سعد الدين (الجني المبدع) سلطة الحكي، فهو الذي يملي عليه الحكاية، وهو الذي يدفعه إلى معانقة نهاية رواية مجهولة العواقب، لأن فحماوي لا يعرف عن خاتمتها شيئا، وليست له أحقية العبث بأحداثها، أو تغيير مجرياتها، أو تعديل في إحدى شخصياتها، ومواقفها، وصراعاتها، فثمة مبدع موحي في شخص ( الجني ولد سعد الدين ) وهناك مبدع منفذ بأمانة لهذا الوحي الإبداعي الذي جعل فكر صبحي ظاهريا يبدو مستلبا، ولكنه في العمق متحرر من كل القيود، ومتجاوز لكل مألوف أو كتابة روائية نمطية،

وهكذا يظل هذا العمل الروائي عالما إبداعيا مركبا ليس بالهين استقراء امتداداته، ومن ثم فهو عمل يظل مشرعا على دراسات نقدية أخرى تقدم رؤيتها النقدية المغايرة التي تخدم قيمة الرواية وتبقي على حياتها الإبداعية كمشروع منفتح على قراءات ومقاربات متعددة.

عن موقع جريدة رأي اليوم الإلكترونية

من تقديم مؤسس ورئيس تحرير جريدة رأي اليوم الإلكترونية

سياستنا في هذه الصحيفة “رأي اليوم”، ان نكون مستقلين في زمن الاستقطابات الصحافية والاعلامية الصاخب، واول عناوين هذا الاستقلال هو تقليص المصاريف والنفقات، والتمسك بالمهنية العالية، والوقوف على مسافة واحدة من الجميع بقدر الامكان، والانحياز الى القارئ فقط واملاءاته، فنحن في منطقة ملتهبة، تخرج من حرب لتقع في اخرى، في ظل خطف لثورات الامل في التغيير الديمقراطي من قبل ثورات مضادة اعادت عقارب الساعة الى الوراء للأسف.

اخترنا اسم الصحيفة الذي يركز على “الرأي” ليس “تقليلا” من اهمية الخبر، وانما تعزيز له، ففي ظل الاحداث المتسارعة، وتصاعد عمليات التضليل والخداع من قبل مؤسسات عربية وعالمية جبارة تجسد قوى وامبراطوريات اعلامية كبرى، تبرخ على ميزانيات بمليارات الدولارات، رأينا ان هذه المرحلة تتطلب تركيزا اكبر على الرأي المستقل والتحليل المتعمق، وتسمية الامور باسمائها دون خوف.

لقراءة المزيد

عرّف بهذه الصفحة

Imprimer cette page (impression du contenu de la page)