إدوارد سعيد.. سيرة فكرية، بيل أشكروفت وبال أهلواليا (أميركا)، سيرة ترجمة سهيل نجم - دار وراقون ـ البصرة، والرافدين ـ بيروت، 2016

, بقلم محمد بكري


مقال جريدة السفير اللبنانية


جريدة السفير اللبنانية


جريدة السفير
نشر هذا المقال في جريدة السفير بتاريخ 30-09-2016 على الصفحة رقم 6
ثقافة / السفير الثقافي
شوقي بزيع


بريق إدوار سعيد الذي لا يخبو


قلَّ أن حظي كاتب ومفكر عربي بالمكانة التي احتلها إدوار سعيد على الصعيدين العربي والعالمي. لا بل إن سعيد، بحكم إقامته المبكرة في أميركا وكتابته باللغة الإنكليزية، معروف في الدائرة العالمية الواسعة أكثر مما هو معروف في العالم العربي. وهو أمر يجد مسوّغه ليس فقط في عزوف العرب عن القراءة بوجه عام، بل في طبيعة الطروحات النظرية المعقدة التي خاض غمارها صاحب «الثقافة والإمبريالية» آخذاً على عاتقه مهمة مقارعة الفكر الغربي المهيمن على العالم المعاصر، والرد على منطقه الاستحواذي بمنطق مغاير ينتصر لحق الشعوب المستضعفة في تقديم روايتها المختلفة للتاريخ. وإذا كان ابتعاد المفكر الفلسطيني عن التسطيح الإنشائي والشعارات العاطفية المجردة قد أبعد كتاباته عن متناول القارئ العادي والجمهور العريض، إلا أن مقارباته العميقة لواقع العلاقة المأزومة بين الشرق والغرب وللعلاقة بين المثقف والسلطة، إضافة إلى إيلائه اهتماماً محورياً متصاعداً بقضية فلسطين، فضلاً عن اهتمامه الموازي بقضايا الموسيقى والشعر والرواية والفن بوجه عام، كل ذلك حوَّله عن جدارة إلى أحد أبرز رموز الثقافة والفكر النقدي في القرن العشرين.

لم يكن كتاب الناقدين الأميركيين بيل أشكروفت وبال أهلواليا «إدوار سعيد/ سيرة فكرية» سوى تأكيد إضافي على الدور البارز الذي لعبته مؤلفات سعيد وكتاباته المختلفة في إظهار العلاقة الوثيقة بين الهيمنة الغربية الاستعمارية على الشرق، والهيمنة الثقافية التي لم تر الآخر كما هو في الواقع، بل كما شاءت له أن يكون في صورها النمطية ومراياها المخاتلة. وإذا لم يكن المؤلفان، بوصفهما نتاج المؤسسة الثقافية الغربية يوافقان صاحب «الاستشراق» على كل طروحاته، وبخاصة ما يتصل منها بالشق الفلسطيني، إلا أن الكتاب بمجمله أشبه بفعل تقدير وإعجاب فائقين بالمثقف والناقد الاستثنائي الذي عرف كيف يخاطب الغرب بلغة عقلانية رصينة مقارعاً الحجة بالحجة والبرهان بالبرهان، بعيداً عن الشيطنة والتهويل والانفعالات العابرة.

يركز مؤلفا الكتاب، الصادر مؤخراً عن دار الرافدين والذي ترجمه سهيل نجم، على محاولات سعيد المضنية لإعادة الاعتبار لصورة المثقف التي تعرضت بفعل «فاعل» للاهتزاز والتشويه. فقد دأبت السلطات الحاكمة في غرب ما بعد الكولونيالية على عزل المثقفين عن أي دور سياسي واجتماعي تغييري، مشجعة فكرة الناقد والمثقف المتخصص وعبادة الخبرة الاحترافية والإنتاج المعرفي المحض. ولقد واجه سعيد بكل قواه محاولة حصر المثقفين في محترفات أكاديمية منعزلة تماماً عن حركة المجتمعات وعن الحياة التي تدور في الخارج، بحيث «تخلى النقد المعاصر عن جمهوره من مواطني المجتمع الحديث الذين تركوا بين أيدي قوى السوق الحرة والشركات المتعددة الجنسيات». وإذ يحاول المفكر المنخرط أكثر فأكثر في قضايا شعبه الفلسطيني الإفادة من تفكيكية فوكو ومن مقولة غرامشي حول المثقف العضوي، يأخذ على البنيوية بالمقابل عزلها للنصوص عن سياقها التاريخي ودلالاتها الاجتماعية، ويوسع من جهة أخرى هامش الحرية المتروك للمبدعين المشتغلين في قضايا الأدب والفن وجماليات التعبير. ولما كان حقل النقد عنده ليس منحصراً بتطوير النظريات الأسلوبية والأدبية بل هو في الوقت ذاته انشغال سياسي واجتماعي، فهو يلخص اقتراحه على النقد بمصطلح دنيوية الناقد The worldliness of the Critic، حيث إن من واجب هذا الأخير أن يخترق البنية الدلالية للنص بحثاً عما يشغل النصوص من انهمام بالعالم وقضايا البشر ومعارضة قوى الهيمنة والاستحواذ: وهو لا يمكن أن ينجح تماماً إلا في ظل علاقة تفاعلية وإيجابية بين النص والقارئ والناقد. وسعيد المغرم بابتكار المصطلحات يطرح فكرة الناقد «الهاوي» بدلاً من الناقد الاحترافي، لا بالمعنى التسطيحي للمفردة بل بمعنى الشغف الدائم بالبحث عن الحقيقة بدلاً من اليقين الفظ بامتلاكها.

يميل المؤلفان، من جهة ثانية، إلى اعتبار كتاب «الاستشراق» الذي نشره سعيد عام 1978 المحطة الأبرز في مسيرة المفكر الفلسطيني الذي لم يمنعه انشطار هويته الشخصية بين الشرق والغرب من «تفجير» قنبلته النقدية الأكثر إثارة للجدل في الربع الأخير من القرن العشرين، والتي لم تتوقف هزاتها الارتدادية عن التجدد حتى يومنا هذا. فالاستشراق في نظر سعيد لم يكن وليد الفضول المجرد لبعض الراغبين في كسر رتابة حياتهم اليومية، أو الواقعين تحت سحر الفانتازمات المتصلة بصورة الشرق المتخيل في «ألف ليلة وليلة». ولكنه في مستواه العميق «أنموذج للطرق الكثيرة التي أصبحت عليها الاستراتيجيات الأوروبية في معرفة العالم المستعمر (بفتح الميم)، بقدر ما هو وسيلة الغرب الكولونيالي الأنجع للهيمنة على الشرقيين من خلال التعرف عليهم. وقد اعتمدت الأنظمة الحزبية الاستشراقية الراغبة في السيطرة، على تمثل صورة الشرق من خلال كتّاب وعلماء لغة ومؤرخين أسهمت كتاباتهم في إغراء سلطات بلدانهم المختلفة بوضع اليد على النصف الآخر من العالم والإفادة من ثرواته ومصادر طاقته الهائلة. ولم تكن الشعبية الواسعة التي احتلها المستشرق الفرنسي أرنست رينان في القرن التاسع عشر سوى نتاج مبالغاته المفرطة في الحط من شأن البلدان التي زارها، وهو القائل «إن كل إنسان مهما كانت معرفته ضئيلة بشؤون وقتنا الراهن، يرى بوضوح الدونية الحقيقية للبلدان الإسلامية». وفي بداية القرن الفائت يكتب اللورد كرومر، معتمداً على رينان، بأن العقل الشرقي فاقد للتناسق تماماً، كما هو حال الشوارع الشرقية. فالنظام المتفوق والعقلانية والتناسق هي في رأيه لأوروبا وحدها، بينما اللانظام المتدني والبدائية واللاعقلانية هي من خصائص الشرقيين. وقد يكون العنصر الأهم في كتاب سعيد القيم هو محاولته الدائبة للربط بين المعرفة والسلطة، بحيث تقود الأولى إلى رفد الثانية بما يلزمها من أسباب التحقق والرسوخ. وهو ما لم يترجمه فقط إسهاب البريطاني آرتر بلفور في دفاعه عن احتلال بريطانيا لمصر، بالقول «إننا نعرف الحضارة المصرية أكثر من أي بلد آخر»، بل تذرع الحركة الصهيونية في سعيها للسيطرة على فلسطين بمبدأ آخر مواز لمبدأ المعرفة قوامه تجهيل الآخر البدائي واعتباره كائناً خانعاً ودونياً وغير جدير بالأرض ولا بالحياة.

وقد يكون كتاب إدوار سعيد «الثقافة والامبريالية» بشكل أو بآخر امتداداً لكتاب «الاستشراق»، من حيث تأكيده المتجدد على اعتبار الثقافة الركيزة الأكثر صلابة لمحو ذاكرة الشعوب أو لتثبيتها، لطمس الهوية الوطنية والقومية أو للدفاع عنها. وقد ادعت الامبراطوريات الحديثة أن استعمارها للبلدان المتخلفة أو انتدابها عليها هو عمل إنساني ورسالي لإنقاذ هذه البلدان من الفقر والجهل المطبقين. حتى أن الفيلسوف البريطاني جون ستيوارت يزعم أن بريطانيا لم تذهب إلى الهند إلا بناءً على مناشدات أهلها البائسين، ولمنع تلك البلاد المترامية من السقوط في الخراب. غير أن المفكر الثوري التنويري لا يحبذ مبادلة العنف بالعنف كي لا تقع الضحية في فخ جلادها، بل يدعو إلى ما يسميه «الرد بالكتابة» ودحض رواية الجلاد والإلحاح على سرد الحقيقة لكي لا تقع فريسة النسيان. وكما لا بد للهوية أن تُبنى مرة بعد أخرى، فعلى الضحية أن تقاوم فكرة إلغائها عن طريق «السفر إلى الداخل» كبديل حتمي من الفقدان والمنفى والعيش «خارج المكان»، كما هو حال سعيد نفسه. وهذا النوع من السفر الداخلي هو الذي وفّر لصاحب «صور المثقف» سبيل العودة إلى فلسطين، لا عبر الحنين وحده بل عبر قوة الرمز وأخلاقية الموقف وتوهج الفكرة.

عن موقع جريدة السفير اللبنانية


صدر العدد الأول من جريدة السفير في 26 آذار 1974، وكانت ولا تزال تحمل شعاري “صوت الذين لا صوت لهم” و “جريدة لبنان في الوطن العربي وجريدة الوطن العربي في لبنان”.
اليوم، وبفضل تقنيات الاتصال الحديثة والإنترنت، تخطت السفير مصاعب الرقابة والتكاليف الباهظة للطباعة في الخارج وتمكنت من الوصول إلى قرائها في القارات الخمس.
تتضمن صفحات السفير الأخبار والتغطية الميدانية للأحداث في السياسة والاقتصاد والثقافة والمجتمع والرياضة والترفيه، بالإضافة إلى التحقيقات الميدانية والعلمية والبيئية.
وتتولى تغطية الأحداث اليومية مجموعة صحفيو السفير ومراسلوها في واشنطن وباريس ولندن والقاهرة وفلسطين ودمشق وعمان وموسكو وروما وبون، مستعينون كذلك بالخدمات الإخبارية التي توفرها وكالات الأنباء العالمية.
لقراءة المزيد



مقال جريدة القدس العربي


جريدة القدس العربي


جريدة القدس العربي
6 مارس (آذار) 2016
صفاء ذياب


بيل أشكروفت وبال أهلواليا في «إدوارد سعيد.. سيرة فكرية»: الروابط الوثيقة بين الهوية والنظرية الثقافية


بعد سنوات من رحيل إدوارد سعيد، يقدم الناقدان الأمريكيان بيل أشكروفت وبال أهلواليا، كتابهما «إدوارد سعيد.. سيرة فكرية» في محاولة منهما للوقوف على أهم المعالم التي أتم بها فكر سعيد وحياته معاً.

الكتاب قسمه الباحثان إلى عدة فصول، درسا فيها الأسباب التي أدت بهما لإعادة قراءة سعيد، ومن ثمَّ مفارقة الهوية لديه، وتحليلهما لعدد من كتب سعيد.

ومن وجهة نظر الباحثان، فسعيد يعد واحداً من المفكرين الأكثر شهرة الذين يثار حولهم الجدل في العالم اليوم. إنه ذلك النوع النادر من النقاد الأكاديميين الذين هم في الوقت نفسه، مفكرين اجتماعيين فاعلين، إذ عمل أكثر من أي شخص آخر ليضـع القضية الفلسطينية أمام الجمهور العالمي. وقد كمنت أهميته بوصفه منظراً ثقافياً على أرضـيتين: الأولى مــوقـعه الأساسي فـــي المــدرسة المــتنامية للـــدراسات مـا بــعد الكولونيالية، وخصوصاً عبــر كــتابه «الاستشـراق»، وإصراره علــى «الدنــيوية worldliness «أو الســياقات المادية للنص والناقد. وقد وضعه هذا الإصرار، لوقت ما، خارج التيار الرئيـسي للنظرية المعــاصرة، لكنــه بــرر بقــوة عـــلى عــودة الثبــات إلى الوظــائف السيـــاسيــة والثقــافية للكتابــة.

ومن الموضوعات المهمة التي وقف عليها الباحثان، موضوع مفارقة الهوية لدى سعيد، إذ يشيران إلى أنه سواء أكان إدوارد سعيد ناقداً أو مُعلقاً سياسياً أو منظراً أدبياً وثقافياً أو مواطناً نيويوركياً، فإنه يمثل طبيعة الهوية القائمة على المفارقة، في الأغلب في دنيا متعولمة مهاجرة. نجد فيه شخصاً وضع في تشابك تناقضات نظرية وثقافية: تناقضات بين شخصيته المتغربة وعلاقته السياسية بوطنه الفلسطيني وتناقضات بين صوته السياسي الموقع المهني وتناقضات بين الطرق المختلفة التي قرأ فيها وتناقضات في الطريقة التي وضع فيها في الأكاديمية. لقد كان الترابط الحميم بين هوية سعيد ونظريته الثقافية، وكذلك المفارقات التي يكشفها، يبين لنا شيئاً عن تركيبية وتعقد الهوية الثقافية نفسها. فهو عربي وفلسطيني، وبالتأكيد، فلسطيني مسيحي، هذه المسيحية؛ إن لم تكن مفارقة في عالم إسلامي شرق أوسطي متزايد، فهي بالتأكيد تمثل مفارقة للمثقف من جهة كونه أبرز ناقد للتمثيل الغربي المعاصر للإسلام على أنه تتلبسه الشياطين.

ومن وجهة نظرهما، فإن مفارقة هوية إدوارد سعيد هي الميزة الإستراتيجية لـ»دنيويته»، الميزة التي تقدم مفتاحاً لاهتمامات وقناعات نظريته الثقافية. هذه الهوية هي نفسها نص يدرس وتعاد كتابته باستمرار من سعيد متقاطعاً ومترابطاً بكل النصوص الأخرى التي يكتبها.

وفي بحث الناقدين عن أهم أسس الخطاب ونظرية الخطاب الكولونيالي ونظرية ما بعد الكولونيالية لدى سعيد، يبينان أن هذه المفاهيم تتقصى نظرية ما بعد الكولونيالية وتطور اقتراحات حول الأثر الثقافي للغزو الأوروبي على المجتمعات المستعمرة، وطبيـعـة استجابات تلك المجتمعات. وتشير كلمة «ما بعد» في المصطلح إلى «ما بعد بدء الكولونيالية» لا إلى «ما بعد نهاية الكولونيالية»، ذلك لأن الصراع الثقافي بين الامبريالية والمجتمعات التي تعاني الهيمنة لا يزال مستمراً إلى الوقت الحاضر. وتتعلق نظرية ما بعد الكولونيالية بمدى واسع من الانشغالات الثقافية: منها أثر اللغات الامبريالية على المجتمعات المستعمرة وتأثيرات «الخطابات الكبرى» الأوروبية كالتاريخ والفلسفة وطبيعة وسياقات التعليم الكولونيالي والروابط بين المعرفة الغربية والسلطة الكولونيالية. إنها تتعلق، بالتحديد، باستجابات المستعمرَين والصراع للتحكم بالتمثيل الذاتي، من خلال تخصيص اللغات المهيمنة والخطابات وأشكال السرد؛ وبالصراع على مزاعم المكان والتاريخ والجنس والعرق؛ وبالصراع لتقديم واقع محلي لجمهور العالم. على الرغم من أنها توجهت بكثافة نحو النظرية الأدبية لأنها تم تحفيزها من خلال ازدهار الآداب المكتوبة من الشعوب المستعمرَة بلغات كولونيالية (الانكليزية على الأخص) فقد أصبحت تستعمل على نحو واسع في التحليلات التاريخية والسياسية والاجتماعية كلما تتطور وثاقة صلتها بهذه الفروع المعرفية.

وبالعودة لمفهوم الدنيوية في قراءة النص، يؤكد الباحثان أن سعيد استعمل هذا المفهوم لوصف الطريقة التي ترتبط فيها شبكة التبني المجتمعات المستعمَرة إلى الثقافة الامبريالية. فالكيانات الثقافية تفهم على أنها «أطقم طباقية» وأن التبنيات المخفية للثقافات الامبريالية والكولونيالية معاً من السهل أن تكون عرضة للقراءة الطباقية. من الواضح، أن مفهوم التبني مفيد في وصف الطرق التي تبدل فيها المجتمعات المستعمَرة ارتباطات البنوة إلى موروثات ثقافية وطنية لها علاقة تبنّي مع المؤسسات الاجتماعية والسياسية والثقافية الامبريالية. إن التبني يشير إلى «تلك الشبكة الضمنية ذات الترابطات الثقافية المميزة بين الأشكال والتعبيرات والتفصيلات الجمالية الأخرى من ناحية، ومن الناحية الأخرى، إلى مؤسسات ووكالات وأصناف وقوة اجتماعية غير متبلورة». يربط سعيد المفهوم بفكرة انتونيو غرامشي عن الهيمنة الدولية من خلال الإشارة إلى أن شبكة التبني نفسها هي مجال عمل الهيمنة الدولية، وقد يكون هذا دليلاً خاصة في مسألة هيمنة الثقافة الامبريالية.

أما المشكلة الحقيقية التي يرى سعيد من خلالها عجز النقاد عن خلق أي اختلاف في العالم تكمن في فخ التخصص «عبادة الخبرة الاحترافية» التي جعلت نشاطهم هامشياً بشأن الاهتمامات السياسية في المجتمعات المعاصرة. مقابل ذلك، يقترح نوعاً من النقد سمي بالنقد العلماني، الذي يستغني عن «الكهنوتية» والتخصص المبهم من أجل رحابة في الاهتمام وما يسميه نضوجاً في المقترب، متجنباً تراجع عمل المثقف عن المجتمع الحقيقي الذي يحدث فيه. ليس من المهم عدد المثقفين الذين يؤمنون أن اهتماماتهم هي «أشياء عالية أو قيم مطلقة». إن أخلاقية ممارسة المثقف تبدأ بموقعه في العالم الحياتي، وهي تتأثر بـ»أين تحدث، وتخدم اهتمامات مَن، وكيف تتوافق مع الأخلاقية الشمولية والمبدئية، وكيف تميز بين القوة والعدالة، وما الذي تكشفه من اختيارات الشخص وأولياته (89»1994)».
إن الثالوث العلماني الذي يناصره ـ العالم والنص والناقد ـ هو في الضد المباشر لـ»كهنوتيات» المقتربات النظرية المعاصرة من مثل ما بعد البنيوية التي تقود إلى ممارسة نقدية احترافية ذات انعطاف داخلي مستمر. انه يقول لقد وصلنا إلى مرحلة «رفع فيها التخصص والاحتراف، بالتحالف مع الجمود الثقافي، من شأن المركزية العرقية والقومية على نحو هزيل، علاوة على ذلك نقلت الصوفية شبه الدينية المتشددة والمباغتة، الناقد الأدبي المحترف والأكاديمي ـ المركزي جداً والمتدرب بكثافة والمؤول للنصوص المنتجة من الثقافة ـ إلى عالم آخر تماماً. في ذلك العالم الأمين والمنعزل نسبياً يبدو أن ليس ثمة علاقة بعالم الأحداث والمجتمعات، التي بناها التاريخ الحديث والمثقفون والنقاد».

أشكروفت وأهلواليا يقولان إنه حين نخرج النقد من المجال الاحترافي للناقد الأدبي، نكتشف إمكانياته التحولية. وجوهرياً، يكون النقد مهماً لسعيد لأن النقد هو مفتاح التشغيل للمثقف المهتم. فالنقد يضع المثقف في العالم. إذ إن العمل الجوهري لمثل هذا الشخص هو ليس إن يقدم «لاهوتيات» اختصاصية معقدة، بل أن «يتحدث بالحقيقة عن السلطة». وهو عنوان مقالة في «تمثيلات المثقف»: «كيف يتحدث الشخص الحقيقة؟ وأي حقيقة؟ من أين؟ والى أين؟»، ليس ثمة سبيل لتكوين جواب كوني، لكن على المثقف أن يناضل من أجل حرية التفكير والتعبير. إن قوة المقاومة تأتي من قابلية المؤلف في أن «يرد» على الامبريالية، أن يتحدث بـ»الحقيقة» عن الظلم. فالبشر لا يؤسسون حقائقهم فقط، ولكن يؤسسون «ما يسمى الحقيقة الموضوعية لتفوق الرجل الأبيض التي بنتها ورسختها الإمبراطوريات الكولونيالية الكلاسيكية الأوروبية التي تأسست أيضاً على الاخضاع العنيف للشعوب الافريقية والآسيوية».

وعلى الرغم من تكاثر الرطانة الليبرالية عن المساواة والعدالة، فإن الظلم مستمر في مختلف إرجاء العالم. تكمن مهمة المثقف في أن يطبق تلك الأفكار ويؤدي بها إلى أن تكون «مثمرة في مواقف حقيقية». وهذا يعني أن يتخذ موقفاً ضد حكومته، كما فعل سعيد في حرب الخليج، أو ضد شعبه، كما قد يبدو وهو يتحدث ضد اتفاقية أوسلو في الوقت الذي كان هناك نشاط محموم يشير إلى أنها ربما تنهي الحرب الطويلة بين إسرائيل والفلسطينيين. وبتأمل الأحداث التي جرت فإن موقف سعيد له ما يبرره كما يظهر (1994). إن مسألة الحديث بالحقيقة عن السلطة في المجتمعات المعاصرة هي في سبيل إنجاز شروط أفضل لنيل السلام بين الوفاق والعدالة. ويتخذ المثقف مثل هذا الطريق ليس من أجل مجد شخصي، بل من أجل تغيير المناخ الأخلاقي. يقول سعيد «إن تتحدث بالحقيقة عن السلطة ليس معناه المثالية البنغلوشية: إنه الفحص الدقيق للبدائل واختيار الصحيح منها ثم تمثيله بذكاء في المكان الذي يمكنه فيه عمل الأفضل ويسبب التغيير الصحيح».

على أي حال، فإن دور مثقف ما بعد الكولونيالية هو في أن يتصرف بكونه مذكراً بالكولونيالية وتأثيراتها المستمرة بالإضافة إلى التوضيح والى توسيع المسافة التي كان بإمكان مجتمعات ما بعد الكولونيالية نحتها لأنفسها. وهذا بالتحديد ما يسعى لتحقيقه مثقفون مثل سلمان رشدي والروائي الكيني نغوغي واثنغو والباحث والناشط الباكستاني إقبال احمد (1933 ـ 1999). إن بين الكولونيالية وذريتها ثمة ما يصطلح عليه سعيد بـ»الاحتجاز والعبور». فالكثير من كتاب ما بعد الكولونيالية يحملون ماضيهم معهم.

بيل أشكروفت وبال أهلواليا: «إدوارد سعيد: سيرة فكرية»

ترجمة سهيل نجم

دار وراقون ـ البصرة، والرافدين ـ بيروت، 2016

224 صفحة

عن موقع جريدة القدس العربي

المقال في جريدة القدس العربي بالـ pdf


صحيفة القدس العربي هي صحيفة لندنية تأسست عام 1989.


عرّف بهذه الصفحة

Imprimer cette page (impression du contenu de la page)