أنا القدس، رواية للكاتب الفرنسي جيلبيرت سينويه منشورات الجمل، ترجمة صالح الأشمر، بيروت 2019

, بقلم محمد بكري


جريدة المدن الألكترونيّة


جريدة المدن الألكترونيّة
السبت 23-05-2020
المدن - ثقافة
هيثم حسين


"أنا القدس" لجيلبيرت سينويه..مركز العالم ومنبت الهويات


JPEG - 38.7 كيلوبايت
جيلبيرت سينويه

يسلم الفرنسي جيلبيرت سينويه مقاليد السرد في روايته “أنا القدس” لمدينة القدس التي يحولها إلى راوية تقرر البوح بعد قرون من الصمت لحكاية قصتها الحقيقية، لا تلك التي يشيعها الممالئون لها، أولئك الذين تصفهم بالسذج الذين يتخيلون أن لا مناص لها من أن تكون لواحد منهم، والذين ينظرون إليها كعروس يستطيعون أن يضعوها في قفص أو كبغي تسلم نفسها لمن يدفع أكثر.

يروي سينويه في روايته (منشورات الجمل، ترجمة صالح الأشمر، بيروت 2019) على لسان القدس تاريخها بعيداً عن التزييف الذي لفقه الصهاينة، ويبرز أن في الأصل جماعة صغيرة من الغرباء قدموا إلى القدس وأقاموا فيها برضى السكان الأصليين، ولما استقروا جعلوا لأنفسهم كياناً ذاتياً ذا طابع دينى بعدما أخذوا معتقداتهم من سكان المنطقة الأصليين.

ويستلهم سينويه قصصاً وأساطير تاريخية نسجت عن مدينة القدس وحيكت حولها، ويستعين بحكايات وردت في الكتب المقدسة، والمحاولات التي دأب عليها كل من تعاقب على حكم المدينة، بتغيير هويتها، وصياغتها بحيث تكون أقرب إليه، أو مشكلة وفق ما يراه أنسب لحاضرها الذي يفيده، في حين أن المدينة ظلت محتفظة بتاريخها وهويتها الخاصة التي راكمتها وبلورتها عبر قرون وقرون.

عاصمة العالم

يؤكد الروائي من خلال إيلائه البطولة للقدس على أنها مدينة العالم، وأن كل مَن تعاقبوا على حكمها اكتسبوا قيمة منها، وأنها بعظمتها وجمالها وتاريخها وفرادتها حافظت على إرثها ولم تستكن لأية محاولات للعبث بهويتها بغية تشويهها وفرض أشكال وألوان وقيود معينة عليها.

يشدد الروائي على هوية القدس الإنسانية، وكيف أنها كانت مرحبة بجميع من أحبها وأراد الانتماء إليها، وكانت طاردة لأولئك الذين اعتدوا على ثقافتها وحضارتها وجمالياتها وتراثها، وأن القداسة التي تُضفى عليها نابعة من مكانتها الاعتبارية المهمة التي استحقتها بجدارة عبر تاريخها المديد.

يسترجع سينويه حكايات تاريخية عن ممالك حكمت القدس، وكيف أنها سادت لفترات معينة، ثم بادت لتستلم أخرى محلها، وتتولى السيطرة على المدينة وحكمها، مؤكداً على فكرة أن “الأيام دول من سَرّه زمن ساءته أزمان”، وأنه لا ينبغي النظر إلى الراهن على أنه مؤبد ولا مجال لتغييره بأي شكل من الأشكال، وأن التغيير سنة الحياة، وسيجتاح القدس ويعيد إليها رونقها وأصالتها واعتبارها.

يمهد سينويه لروايته بمقطع لفانسان لومير يقول فيه إن القدس ليست ميداناً مغلقاً يتكرر فيه صدام الحضارات وحرب الهويات الدينية والقومية. وأنه من خلال الابتعاد عن هذه الفئات المريبة لرواية التاريخ الحضري الطويل للقدس من البدايات حتى اليوم، مع البقاء متنبهين لروح الأماكن وكذلك لانعطافات الزمن، نكتشف على العكس مدينة – عالماً، مفتوحة على أقطار الدنيا الأربعة، والمهد المشترك الذي نشأت فيه تباعاً اليهودية والمسيحية والإسلام، وحيث تعكس الأماكن المقدسة الرمزية التبادلات والتأثيرات المتبادلة وكذلك الصراعات والمواجهات.

أنا القدس. أنا الوحيدة المقدسة، الكاملة، وفي حجارتي تهتز الحقائق الأبدية الثلاث، كل واحدة منها مكملة للأخرى، وغير قابلة للانفصال. وتستطرد بالتأكيد أنه لا تهمها الانتقادات التي لن يفوتها أن تثير مشاعرها، ولا شك في أنها بلغت السن التي ما عادت تخشى معها الإهانة والسخرية، سن الرشد هذه حيث ما عادت تخشى شيئاً، وتتساءل إن كان يجب عليها أن تعترف بذلك، وأنها متعبة جداً بوجه خاص.

تصرخ القدس بأسى أنها منذ آلاف السنين وهي تنزف، وأن أقدام الكثيرين وطأت أرضها، وكلهم أرادوا امتلاكها بسفك الدماء وليس بمستحيل أن تختفي ذات يوم، وتصبح رماداً لفرط ما كانت مشتهاة، ما لم يخرج الأنبياء الثلاثة عن صمتهم ويقرروا ألا يكونوا إلا قلباً واحداً لكي يستمر قلبها بالخفقان.

يشير على لسان القدس إن الماضي غالباً ما يفقد وجهه لمصلحة الذين يأتون بعده، عندئذ يبتكرون له وجهاً آخر، ومن أنفتهم يصورونه في كثير من الأحيان فظاً وبدائياً، لكي يبرهنوا لقومهم ولأنفسهم كم كانت جهودهم وبسالتهم مثمرة.

أسرار الآلهة

تقر القدس بأنها تحتفظ بصورة مؤثرة للسكان الأوائل الذين عاشوا وماتوا في أحضانها، ولم يكونوا مهووسين بأفكار العظمة وكانوا يعيشون ببساطة، كانوا يلبسون ثياباً مصنوعة من القنيب الذي ينسجونه ومن جلود حيواناتهم الأليفة، ويكتفون في غذائهم بما تنتج قطع الأرض التي يزرعونها بمختلف الأنواع.

يتحدث عن شاليم، ويستنطق القدس التي تقول عنه إنها ما كانت تعلم شيئاً عن هذا الإله سوى أنه إله غيور، ولم يكن الكلام عنه مسموحاً إلا للكهنة وحدهم وكانوا لا يتحدثون عنه إلا في ما بينهم، وآنذاك لم يكن الرجال، وحتى أجلهم، يتكلمون عن الآلهة، وأن تلك كانت حقبة سعيدة كان الناس فيها يعفون أنفسهم من الثرثرة في شأن يجهلونه.

يصف سينويه شخصية الجندي المصري خوفي الذي كان أحد أفراد الكتيبة المصرية المكلفة بحماية القدس، وأنه كان على غرار معظم رفاقه في السلاح، مولوداً في طيبة، ولديه ميزة خاصة مجهولة من قبل رؤسائه ومهملة من قبل رفاقه هي أنه قلما يتكلم، وكانت هذه الميزة جديرة بأن تلفت انتباه الآخرين أكثر مما يعتقد، فهي وإن دلّت على طبيعة مفكرة يمكنها أيضاً أن تعكس مزاجاً قابلاً للمشاعر والأفكار خارج المألوف، أي أنه متمرد.

يعود إلى عام 1340 قبل الميلاد، ويصف مشهداً يسير فيه خمسة رجال ذوي ملامح قاسية، وقسمات حادة، معظمهم رعاة وبينهم فلاحون أيضاً، كل واحد منهم كان يمكن أن يقال إنه سليل خوفي؛ الجندي المصري الشاب، وراني حبيبته.

يتحدث عن اسم فلسطين، ويقول على لسان القدس، إنها تدرك تمام الإدراك المحتوى العاطفي لهذا الاسم الذي يجله البعض ويكرهه بعض آخر. وتصرح القدس أيضاً إن لدى البشر عبقرية ماكرة تجعلهم يدققون في ما تقوله الآلهة أو على الأقل في ما يعتقدون أنهم سمعوه من أفواههم. وتراها تعلن أنها ما هي إلا مدينة، وأن أسرار الآلهة كانت عصية عليها دائماً.

تقول إنه لم يكفّ الفلسطينيون والإسرائيليون عن الاقتتال، وإن إحدى أهم المعارك وقعت في بلدة كفر قاسم، وكانت في منتهى العنف وانتهت بهزيمة العبرانيين ومقتل حوالي ألف من جنودهم. وتقول محيلة إلى الكذب والتضليل اللذين دأبت إسرائيل عليهما في تضخيم الخسائر وإظهار نفسها ضحية، أنهم حدثوها عن ثلاثين ألف قتيل ولكنها تعرف أن هذا النزوع الطبيعي إلى المبالغة موجود لديهم.

تختم بالسؤال عمن أسسوها، وسيتم ذكر داود وسليمان وهيرودس وغيرهم، وتنبّه إلى أن على الجميع التحلي بشيء من الأريحية حيال مجهولين ومنسيين، حيال اليبوسيين والفِلستيين، والأدوميين، أولئك الذين شيدوا مساكنها الأولى المندثرة حالياً.

وتركز على فكرة أنها في الحقيقة رؤية تمتد في مخيلة الناس، حتى أولئك الذين لم يزوروها قد يتخيلون داود يرقص أمام تابوت العهد، ومحمداً يضع قدمه على الصخرة المقدسة قبل المعراج إلى السماء، ويسوعاً يجر صليبه حتى الجلجلة قبل أن يرتفع إلى السماء، وتؤكد أن لها وجهاً آخر، وأنها عاصمة العالم، وذات يوم سيتذكر الناس ذلك.

عن موقع جريدة المدن الألكترونيّة

حقوق النشر

محتويات هذه الجريدة محميّة تحت رخصة المشاع الإبداعي ( يسمح بنقل ايّ مادة منشورة على صفحات الجريدة على أن يتم ّ نسبها إلى “جريدة المدن الألكترونيّة” - يـُحظر القيام بأيّ تعديل ، تغيير أو تحوير عند النقل و يحظـّر استخدام ايّ من المواد لأيّة غايات تجارية - ) لمزيد من المعلومات عن حقوق النشر تحت رخص المشاع الإبداعي، انقر هنا.

عرّف بهذه الصفحة

Imprimer cette page (impression du contenu de la page)