ما بعد الحداثة في الرواية العربية للباحث العراقي إحسان التميمي دار قناديل في بغداد - 2019

, بقلم محمد بكري


العرب : أول صحيفة عربية يومية تأسست في لندن 1977


جريدة العرب
الخميس 2019/02/21 - السنة 41 العدد 11266
الصفحة : ثقافة
صالح هويدي


ناقد عراقي يزعزع اليقينيات التي وسمت الخطاب الروائي الحداثي


مصطلح “ما بعد الحداثة” ليس مستقرا منذ ظهوره في الغرب، وتفاقمت هذه الإشكالية في الكتابات النقدية العربية.


JPEG - 221.7 كيلوبايت
كيف تعامل الكتاب العرب مع ما بعد الحداثة الشبيهة بالكولاج


يرتبط مصطلح ما بعد الحداثة بشكل وثيق بالبيئة التي ظهر فيها ألا وهي الغرب، لكنه ظل غير مستقر ومحدد بشكل كامل، وهذا ما أثر عليه في انتقاله إلى البيئة العربية، التي تبنته بشكل منقوص، لا يراعي خصوصياته، ما يدعو إلى إعادة التفكير فيه، خاصة في تعالقه بالأدب.

يقدم مؤلف كتاب “ما بعد الحداثة في الرواية العربية”، الباحث العراقي إحسان التميمي، مقاربة لواحدة من موضوعات النقد الروائي التي لمّا تزل تشغل أذهان النقاد والباحثين، عربا وغربيين، كاشفة عن اختلاف آرائهم، ومعبرة عن مظاهر سوء الفهم والخلط والتباين التي تشيع في حياتنا الفكرية وكتاباتنا النقدية على حد السواء.

ويعالج الكتاب، الصادر حديثا عن دار قناديل في بغداد، موضوعته من خلال مستويين: نظري، وتطبيقي، بعد أن انتهى مؤلفه إلى صياغة عنوانه “ما بعد الحداثة في الرواية العربية”.

ما بعد الحداثة

قد لا نختلف على أن موضوعة الكتاب المطروحة على قدر من الأهمية والصعوبة، فضلا عن الإشكالية التي يكشف عنها عدم استقرار المصطلح الغربي “ما بعد الحداثة” منذ ظهوره في حاضنته الغربية، وتفاقم مظاهر هذه الإشكالية في الكتابات النقدية العربية. لكن ميزة هذا الكتاب، إلى جانب كونه معالجة منهجية استغرقت زمنا وانطوت على معايير أكاديمية، أنه يصدر عن أحد ممثلي النقد العراقي الشبّان الذين عرفوا بالمثابرة والجدية في الوسط الثقافي العراقي.

ويشتمل الكتاب على ثلاثة فصول تضمنت ثلاثة عشر مبحثا، إلى جانب المقدمة والخاتمة. حيث بدأ الكاتب بتأصيل مفاهيم الحداثة وما بعد الحداثة وإشكالاتهما في النقد العربي والغربي، من خلال مداخل ألسنية وفلسفية وإبداعية، ناقشت المقولات وحللت التصورات وطرحت أسئلة عدة.

ومما يميز هذا الكتاب أن مؤلفه سعى إلى أن يتخذ من روايات واسيني الأعرج أنموذجا لتمثلات ما بعد الحداثة لتوافرها على خصائصها على نحو مفرط، فخُصص الفصل الثاني للبحث في تجليات مصطلح جامع النص في روايات واسيني الأعرج، وهو المصطلح الذي نظّر له جيرار جينيت في مباحث الشعرية. كما عالج هذا الفصل من خلال خمسة مباحث تجليات عدد من قضايا التداخل الأجناسي والتناص والمخطوطة وما وراء القص والتهكم والمحاذيات النصية والكولاج في أعمال الروائي. أما الفصل الثالث فقد عني ببحث أنساق ما بعد الحداثة، من خلال مقولات وأشكال ما عُرف بظهور المؤلف، والإيذاء الجسدي، والواقعية السحرية، وتعدد الأصوات.

وخلص المؤلف، من خلال مقاربته التطبيقية وتحليله لتجليات أنساق ما بعد الحداثة ومقولاتها في الأعمال الروائية المختارة للروائي، إلى نتائج غير قليلة، ذاهبا إلى أن الأعرج كان الأنموذج المعبر، على نحو مميز، عن الخصائص الفنية لما بعد الحداثة، من خلال اعتماده مظاهر التجريب والتعددية وتحلّل خطابه الروائي من الصرامة والنمطية، فضلا عن زعزعته اليقينيات التي وسمت الخطاب الروائي الحداثي، إلى جانب تعرضه للمقدس في تناول التراث والتاريخ، وخرق سمة الإيهام بالحقيقة، عن طريق ظهور المؤلف، أو من خلال توظيف تقنية الكولاج.

ولم يفت المؤلف الوقوف على لغة الروائي الشعرية التي ميزته بين الروائيين، واتسمت بالاعتماد على آليتي الاختزال والتكثيف، ومعالجة المؤلف موضوعة الإيذاء الجسدي التي لم تنل عناية النقاد المعاصرين، إلى جانب اعتماد الروائي تقنية تعدد الرواة في عدد من رواياته، ونزوعه صوب المنحى الذي يجمع بين الواقعي والغرائبي على نحو يقرّبه من معطيات الواقعية السحرية، فضلا عن تعبير خطابه عن مفاهيم الميتاسرد، واستضافته نصوصا سردية كالقرآن وألف ليلة وليلة ومحاورتها، مثلما يتوقف عند الظاهرة الفنية التي تجلت في أعمال الروائي، والخاصة بتوظيف الأجناس التعبيرية غير الأدبية كالموسيقى، والكشف عن أهمية هذا التوظيف ودلالته الفنية.

وجهات نظر

يخلص المؤلف إلى أن واسيني الأعرج كان الروائي الأكثر تعبيرا عن إشكالات الإنسان العربي والجزائري خاصة، وعن همومه وتناقضاته وتعرية المرحلة العصيبة التي مرت بالجزائر، واكتوى الناس بنيران الإرهاب الأسود، وحركات العنف الأصولي التي ولدها فساد السياسة. ويذهب المؤلف إلى الربط بين مظاهر التنوع الأسلوبي والانفتاح الثقافي والنصوصي التي يكشف عنها الخطاب الروائي لدى الأعرج من جهة، ومرجعياته الثقافية المتعددة من جهة أخرى، وتحديدا أصوله الموريسكية التي امتزجت بثقافته العربية الإسلامية من ناحية وبالفرنسية الديمقراطية التي انعكست على مضامين خطابه الروائي وتعدد مستوياته اللغوية من ناحية أخرى.

على هذا النحو، يُظهر لنا كتاب الناقد إحسان التميمي، من خلال مقاربته خطاب الروائي الجزائري واسيني الأعرج، أهلية الخطاب الروائي العربي في ممارسة التنوع الأسلوبي، والتجريب، والتمرد على النسق النمطي، الذي قدمته الثقافة الحداثية، وزعزعته يقينيات هذا الخطاب وثوابته، وأيديولوجية التمركز في منظور خطابه الروائي، على يدي روائي توفر على مرجعية ثقافية خاصة، ولغة مميزة، وتجربة واقعية ثرية، ومتابعة لمعطيات الرواية العالمية.

ومع ذلك، فلم نعدم من الناقد مواقف حوار مع خطاب الروائي وتقنياته الأسلوبية المستخدمة، ومناقشته في بعض ما كان يرى من أن الروائي كان في بعضها لا يبدو معنيا بمتابعة القارئ، أو تبدد صبره وإلحاق الملل به، إذا ما استثنينا فئة نوعية محدودة من القراء، ربما كانت هي من يستهدفها الروائي.

كتاب “ما بعد الحداثة في الرواية العربية” فيه من جدة المعالجة والكشف، ومن بسط للمفاهيم والمقولات النقدية ما يهم الروائي والقارئ العربي المتابع للشأن الروائي. وهو في ظني لا غنى عنه للباحثين في الشأن الروائي، فضلا عن كونه مرجعا لا غنى عنه لمن يتوفر على دراسة الروائي واسيني الأعرج، لما عرض من مظاهر خطابه، وتجليات المقولات والمفاهيم النقدية، وما انطوى عليه من وجهات نظر ومقاربات، من خلال جهد موضوعي مزج بين منهجية العلم وذائقة الفنان الناقد.

عن موقع جريدة العرب اللندنية

المقال بالـ PDF

عن جريدة العرب اللندنية

العرب : أول صحيفة عربية يومية تأسست في لندن 1977

صحيفة العرب© جميع الحقوق محفوظة

يسمح بالاقتباس شريطة الاشارة الى المصدر

عرّف بهذه الصفحة

Imprimer cette page (impression du contenu de la page)